الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإصلاح.. وليس الفوضى

الإصلاح.. وليس الفوضى

يظن عامة الناس أن أسهل وأسرع حل لمشكلاتهم الحياتية أو المجتمعية أو السياسية أو الاقتصادية أو غيرها هو الثورة على النظام الحاكم وإسقاطه، لكنهم يجهلون حقيقة مهمة جدا هي أن أي ثورة لا بد لها من ضحايا، وأن عدد أولئك الضحايا يحدده المدى الذي تبلغه الفوضى التي تتبع حتما سقوط النظام قبل أن تستعيد البلاد توازنها وتبسط قوى الأمن فيها سيطرتها على كامل ربوعها.

ربما يقول قائل إن الثمن الذي تدفعه الشعوب الثائرة من أمنها ومن حياة بعض أفرادها هو ثمن طبيعي لا بد منه لإحداث التغيير، وأنه مهما بلغت فداحته يظل ثمنا يسيرا في مقابل الأوضاع المتعسرة التي كان يعيشها الشعب قبل الثورة، لكن هذا القول مردود عليه بالأمثلة الكثيرة التي سطرها التاريخ الحديث منذ الثورة الفرنسية قبل أكثر من قرنين من الزمان. وها نحن نرى أمثلة حية أمامنا في ليبيا وفي مصر، فالثوار الليبيون مازالوا يصفّون حساباتهم مع بعضهم البعض ويوجهون بنادقهم نحو صدور إخوانهم الذين وضعوا أيديهم في أيديهم للتخلص من نظام القذافي، ولا أظن الأوضاع ستهدأ في ذلك البلد في القريب العاجل، لأن كل طرف من الثوار يريد إقامة نظام سياسي يتماشى مع تطلعاته وأحلامه ومطامعه.

الأوضاع في مصر لا تقل سوءا عن أوضاع إخوانهم الليبيين، فالأمن مفقود تقريبا في جميع أنحاء مصر اليوم، وها هي الأمثلة الحية شاهدة على ذلك، فقبل أيام تعرض أحد المصارف للسطو المسلح من قبل عصابة من المجرمين نجحت في الاستيلاء على سبعة ملايين جنيه والفرار بغنيمتها، وقبلها بأيام أيضا نجحت عصابة أخرى في اعتراض سيارة لنقل الأموال وسرقة محتوياتها تحت تهديد السلاح، وقبلها بأسابيع تعرض طفل للخطف وطلب خاطفوه فدية باهظة من ذويه الأثرياء، وقبل يومين تحولت مباراة في كرة القدم بين فريقي الأهلي والمصري البورسعيدي إلى معركة بين مشجعي الفريقين في ظل ضعف التواجد الأمني وتراخي قبضته في كل أنحاء البلاد إلى مجزرة حقيقية استخدمت فيها الأسلحة البيضاء وكل ما يمكن الوصول إليه من الكراسي والقضبان الحديدية والحجارة وغيرها فسقط 74 قتيلا وجرح مئات آخرون، وهو ما كان من المستحيل أن يحدث قبل الثورة، حيث كانت قبضة الأمن محكمة على البلاد كلها ولم يكن يخشى المواطنون والسياح أي اعتداء من أي نوع.

إن من حق الشعوب أن تثور على أوضاعها المتردية، ومن حقها أن تختار قياداتها وحكوماتها، لكن ليس من المقبول أبدا أن تتحول المطالب الشعبية أو الثورات الأممية إلى فوضى يطول أمدها وتمتد تأثيراتها السلبية الجسيمة إلى الاقتصاد والأمن اللذين هما أهم ركائز الوجود الإنساني في أي مجتمع من المجتمعات، فبلاد بلا أمن لا يمكن لأحد أن يعيش فيها مطمئنا على نفسه وأهله، وبلاد ذات اقتصاد منهار لا يمكن لأحد أن يشعر فيها بالطمأنينة على مستقبله ومستقبل أبنائه ولا يمكن أن توفر لمواطنيها الحياة الكريمة.

ليس الصواب أن نثور على حكوماتنا ونهدم بناء الدولة والأمن والاقتصاد من أساسه، بل الصواب أن نتكاتف لإصلاح الأخطاء وسد الثغرات وتقوية الجبهة الداخلية ضد الأطماع والمخططات الاستعمارية المتوارية خلف رداء الرغبة في نشر الديمقراطية تارة، وإقامة دولة دينية تارة أخرى، وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل تارة ثالثة، وكلها حجج واهية ثبت بالدليل القاطع كذب المتشدقين بها، ولنا أصدق مثل على ذلك فيما آل إليه حال العراق وشعبه بعد سقوط بلادهم في أيدي الغزاة الأمريكان.

اللهم اكف بلادنا وشعبنا وبلاد العرب والمسلمين وشعوبها شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واجعل كيد أعدائنا في نحورهم يا رب العالمين.

salah_fouad@hotmail.com

—-

نقلاً عن صحيفة أخبار الخليج

-- صلاح فؤاد عبيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*