الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » البداوة والتطرف في المشهد الديموقراطي الكويتي..

البداوة والتطرف في المشهد الديموقراطي الكويتي..

قد لا يختلف اثنان أن دولة الكويت تملك تجربة راسخة في الانتخابات البرلمانية، وصلت قدراتها التنظيمية إلى مستويات عالية، وإلى حد إجرائها كل عام أو عامين عند مقارنتها بالأنظمة البرلمانية الغربية، لكنها في نفس الوقت تدور في حلقة ملغمة بالصراع السلطوي الحاد، والذي كان حسب وجهة نظري أحد أسباب تراجعها التنموي عند مقارنتها بدول الخليج العربي الأخرى، والتي لازالت تطبق النظام الهرمي الذي يدير التنمية في الوطن من خلال سلطة مركزية تسيطر على مختلف السلطات ثم تختزلها في سلطة واحدة، في حين أطلقت الكويت الحرية لعناصر السلطة البدائية في المجتمع في أن تتصارع في مشهد فوضوي منظم، عادة ما ينتهي بحل المجلس المنتخب وإرجاع تلك السلط إلى مكانتها الطبيعية.

في الكويت تحدث حالة سياسية جديرة بالدراسة، متوقفة عن الحراك والتطور، ومتجمدة بين حاضر الأنظمة السياسية الحديثة وبين ماضي التراث بمختلف سلطاته القبلية والدينية، فهناك وأثناء الانتخابات البرلمانية تخرج سلطة القبيلة تستعرض عضلاتها الفئوية في كامل زينتها، و تظهر سلطات الدين بطوائفه السلفية والشيعية والإخوانية في مشهد ملغوم بأدوات التطرف والصراع، ثم تجري الانتخابات في مشهد ديمقراطي لم تتغير مفرداته منذ القرون الوسطى، يكون الحديث فيه عن مؤهلات مرشحي العوازم والهواجر والعجمان. وعن مواصفات مرشحي الطوائف الدينية، لكن يغيب عن ذلك الكرنفال الماضي لغة العصر المدنية، أو عن كيف تتحقق التنمية في الكويت وتحت أي مظلة سياسية حديثة.

عندما أتناول الشأن السياسي في الكويت أتحدث عن تلك الحلقة المفقودة بين الشمال والجنوب العربي، والذي تمثل فيه الكويت حلقة الوصل المرجوة في تاريخ العرب السياسي، وقد عانى عرب الجنوب كثيراً من واقع التخلف الحضاري بسبب انتقال حضارة العرب مبكرا إلى الشمال خلال القرن الهجري الأول، ليظل حال الجنوب متجمداً عند مكونات القبيلة والطائفة البدائية، بينما تجاوز عرب الشمال كثيراً من حواجز القبيلة والجمود الديني، ولا يعني ذلك تحررهم الكامل من سلطات الماضي، لكنهم بالتأكيد أقرب إلى مكونات المجتمع المدني، والدليل أن المفاهيم الدينية هناك لا تتسم بالجمود والتطرف، ويتم تداول السياسة من خلال مفردات أكثر حداثة من مصطلحات الجنوب العربي.

ربما لهذا السبب تتجه العيون إلى المشهد الديمقراطي في دولة الكويت، وهن في حالة رجاء أن تتجاوز تلك التجربة المتوقفة عن التطور محنتها الماضوية إلى العصر الحديث، وأن تتخلص من طغيان البداوة والتطرف على المشهد الديمقراطي الكويتي، فالدولة تحتاج إلى نظام سياسي واضح المعالم يهدف إلى مصلحة الكويت في المقام الأول، وأن تتطور لغته إلى مفردات العصر المدني الحديث، وأن تتوارى سلطات الدين والقبيلة إلى الخلف، وأن تتقدم البرامج الانتخابية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن لا يترددوا كثيراً في إقرار نظام الأحزاب المدنية، و تطوير عملية اختيار رئيس الحكومة، وذلك من أجل أن تملأ الكويت فراغ تلك الحلقة المفقودة بين الشمال والجنوب، وبالتالي تبدأ مرحلة الخروج النهائي من سلطات الطوائف والقبائل وفرسان البوادي وفقهاء وأئمة الحواضر.

ما يحدث في الكويت مشهد صراع مكرر لتاريخ الصراع السلطوي في تاريخ العرب، والذي كانت تتجاذبه مكونات القبيلة والدين، التي لم تتبدل ولم تتطور برغم من مرور عشرات القرون ودخول الإنسانية إلى عصر الحداثة والمدنية..

أثناء الانتخابات البرلمانية الكويتية تبرز القبيلة بمشالحها وفرسانها وسيوفها وخيولها في الدوائر السياسية، ويخرج الدين بكل ما يحفل من وجوه التطرف والإقصاء بحثاً عن الأنصار والأتباع من دائرة إلي أخرى، بينما تغيب الأطروحات السياسية التي تقدم البرامج التنموية وترسم المستقبل الحضاري للدولة، وبسبب غيابها تحولت الكويت إلى ساحة صراع بين السلطة المركزية و السلطات الأخرى، لتبدأ لعبة المناورات السياسية في مجلس الأمة، يُنتخب ثم يسقط وتبدأ أخرى وهكذا..
—-
نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالعزيز السماري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*