الأحد , 4 ديسمبر 2016

خطر سقوط هيبة الدولة

مسكينة هي ”المحروسة”، ما إن تفيق من مصيبة، إلا وتصحو على كارثة، وآخرها، ما حدث من مجزرة في بور سعيد، راح ضحيتها 74 مواطناً مصرياً في مباراة كرة قدم. لم يذهبوا ضحية شغب رياضي، بقدر ما قُتلوا بسبب غياب هيبة الدولة، وتجرّؤ الصغير والكبير على القوانين والأنظمة، حتى أصبح انتهاكها حقاً مكتسباً تحت شعار ”حقي في الثورة”.
 
ليس سراً، وباعتراف المصريين أنفسهم، أن الانفلات أصبح من ظواهر الحياة اليومية المصرية، وأصبح مفهوم الحرية مختلطاً على بعضهم، والذين أعادوا تعريفها بأنها تشريعٌ للبلطجة والفوضى، والويل لمَن يسعى لإعادة فرض النظام أو تطبيقه، فهو سيكون من ”الفلول”، وهكذا أصبح صوت العقل غائباً، ولا صوت يعلو فوق صوت تحدي الدولة.
 
الدول هيبة؛ فإن ضاعت هيبتها لن يستطيع ملايين العسكر فرضها. القوانين يُلوح بها لكن لا يتم تطبيقها إلا نادراً. لا تجد في كل زاوية شرطيا يمنع الناس من السرقة، لكنهم يعلمون أن عاقبة السرقة ستكون قاسية، وهكذا تفرض الدول نظامها بالخشية من مخالفتها، أكثر من مراقبة تطبيقها.
 
والدول تعتمد في هيبتها على احترام الأنظمة من قبل الجميع، فتبث في نفوسهم شعوراً بالتهيُّب والوجل، ما يمنعهم من تحديها وانتهاك هذه الأنظمة، ومتى ما اقتنعوا أنهم بتجاوزهم سيجدون عقاباً رادعاً، اكتفوا في غالبهم من هذا التجاوز، فإذا تجرّأوا وآمنوا بأنهم في حل من تلك العقوبة، استمرأوا هذه التصرفات لتصبح عادة لهم، وتزداد شريحة المتحدين لقوانين الدولة وأنظمتها، وتكون استباحتها مشروعة تحت مسميات عدة.
 
هناك مَن يظن، خطأ، أن تطبيق القانون أمرٌ يعارض الحرية والديمقراطية، وأن التعدي المتكرر على أجهزة الدولة الرئيسة، كما يحدث في مصر، بالهجوم على وزارتي الداخلية والدفاع، هو من باب التعبير عن الرأي لمخالفات تحدث هنا وهناك، متناسين أن سقوط هيبة هذه الأجهزة هو سقوط للدولة نفسها، وبالتالي يصبح الشارع هو الذي يحكم، لا القانون، وهناك فرقٌ كبيرٌ بين إصلاح أجهزة الدولة وبين تحديها.
 
ما حدث في بور سعيد من قتل متعمد ووحشي لعشرات الأبرياء، ثم مهاجمة وزارة الداخلية والتهديد بمهاجمة وزارة الدفاع، مؤشرٌ خطيرٌ على أن الديمقراطية، حتى الآن، لم تفعل فعلتها في مصر، وإلا ما فائدة برلمان منتخب من قبل الشعب، ألا يُفترض أنه هو من يمثلهم وهو من يراقب السلطة التنفيذية، بل يقتص منها إذا تقاعست عن أداء عملها؟ إذا لماذا الأمور لا تزال على ما هي عليه من انفلات أمني في معظم محافظات مصر، لدرجة أن مجموعة من بدو سيناء اختطفوا سائحين أمريكيين ومرشدا مصريا، لماذا؟ لأن الأجهزة الأمنية اعتقلت مجموعة من قبيلتهم وبحوزتهم كميات كبيرة من المخدرات والأسلحة!
 
سقوط هيبة الدولة خطيرٌ جدا، وتجرؤ الناس على الأنظمة والقوانين لا يمكن إصلاحه بسهولة. الدول تحكم بهيبتها، لا بأجهزتها الأمنية. وهيبة الدول هي التي تمنع الفوضى، فإذا سقطت عاشت الدولة في فوضى لا نهاية لها، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

—-

نقلاً عن الاقتصادية

-- سلمان الدوسري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*