الأحد , 11 ديسمبر 2016

هل أنت سلفي ؟!

 في زيارة سابقة لي إلى سوريا قادمًا من السعودية دار بيني وبين ابن عمي الحوار التالي:

ابن عمي : هل أنت سلفي؟

قلت: ماذا يعني سلفي ؟

ابن عمي : لا أدري على وجه التحديد، لكن قالوا لي انتبه ابن عمك سلفي !

قلت: لا بأس، دعك من التحديد، ما هو انطباعك العام عن السلفي ؟

ابن عمي : أسمعهم يقولون السلفي لا يحب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ولا يعظمه !

قلت: أعوذ بالله، أنا أحب الرسول صلى الله عليه وسلم وأوقره وأعظمه، فإن كانت هذه هي السلفية فهي كفر، وأنا قطعًا لست سلفيًا .

وأوقفت مرة للتحقيق، ودار بيني وبين المحقق الحوار التالي :

المحقق : هل أنت سلفي ؟

قلت: لا أدري

المحقق: كيف لا تدري؟

قلت: أخبرني من هو السلفي عندكم، فقد أكون وقد لا أكون، وسأكون معك صادقاً .

المحقق : مثلاً، هل تزور ضريح الأولياء وتتبرك بهم ؟

قلت: لا، وهل يعقل أن أستاذًا جامعياً يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة يتبرك بالقبور ويسأل الأموات. هذه لا تحتاج إلى سلفي،  هذه تحتاج إلى عاقل .

من هذه المواقف وغيرها شعرت أن عموم الناس وسوادهم الأعظم لا يدرون ما هي السلفية، أو أن فهمهم لها مغلوط مشوه. ولا شك أن السلفيين يتحملون كثيراً من وزر هذا الجهل المنتشر عن السلفية. وقد ألزمت نفسي في هذا المقال أن أكتب عن السلفية من ذهني، وبعفوية،  دون الرجوع إلى الكتب والمراجع، لأنني أريده حديثًا بسيطًا تلقائيًا يفهمه العامي ورجل الشارع .

السلفية منهج يقوم على تعظيم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وفهم الإسلام كما فهمه صدر هذه الأمة. ومن معالم هذا المنهج على سبيل التمثيل لا الحصر:

1- الاعتناء بصحة الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها دين وعليها تبنى الأحكام الشرعية، ولأن كذباً على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس ككذب على أحد.

2- كل حكم بوجوب أو تحريم أو استحباب أو كراهة ليس عليه دليل من القرآن أو السنة فلا اعتبار له ولا حجة فيه.

3- لا فرق في حجية الدليل أن يكون آية من كتاب الله أو حديثًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله عن نبيه ” إن هو إلا وحي يوحى ” وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ومعه “.

4- السلفية ليست مذهباً فقهياً جديداً، وهي بذلك ليست قسيماً للمذاهب الأربعة وغيرها من المدارس الفقهية المعتبرة، بل أئمة هذه المذاهب هم أئمة السلف، والحق لا يخرج عن أقوالهم. ألم يؤثر عنهم قولهم “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، و”كل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه”، وهل السلفية إلا ذاك؟    

5- الأخذ بالمعاني الظاهرة للنصوص في الصفات وغيرها وفق طرائق الاستدلال وأصوله، دون تأويل أو تحريف أو تعطيل.  فحين يقول الله تعالى {لما خلقت بيدي} نثبت أن لله يدان ولا نحرف الكلم عن مواضعه فنؤولها بالقدرة أو النعمة أو غيرها، وبعد أن نثبتها على ظاهرها نؤمن أنها لا تشبه أيدي المخلوقين لأن الله {ليس كمثله شيء}. وهذا هو فهم الصحابة والتابعين، وقولهم هو الأعلم والأسلم والأحكم.

6- تقديم النص من القرآن أو الحديث الصحيح على العقل، والتسليم للنص وإن لم يدركه عقل فلان أو فلان من الناس. والحق الذي لا مرية فيه أن النص الصحيح لا يمكن أن يناقض العقل الصريح، لكن أفهام الناس وعقولهم متفاوتة، ومنها السقيم حتماً. فلَو جعلنا العقل حاكمًا على النص لأبطلنا النصوص بعقولنا، وليس هذا من تعظيم نصوص القرآن والسنة في شيء. {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}.

7- جمع النصوص الواردة في المسألة الواحدة ثم فهمها على نسق يتفق معها جميعًا، ولا يؤخذ بعضها ويضرب به البعض الآخر. فلا نقف عند حديث ” من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ” ثم لا نلتفت إلى ما سواه من الأدلة كفعل المرجئة، بل نضم إليه النصوص التي تحكم بكفر المنافقين (وهم يقولون لا إله إلا الله)، وبكفر الذين يتولون غير المسلمين (وهم يقولون لا إله إلا الله ) وبكفر إبليس ( وهو يقسم بعزة الله) لنعلم أن “لا إله إلا الله” لها شروط، فمن قالها وأتى بشروطها دخل الجنة. ولا نقف كذلك عند حديث ” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ” فنحكم بكفر الزاني كفعل الخوارج الذين يكفرون بالكبائر، بل نجمع إلى الحديث قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وغيرها من النصوص لنعلم أن الزنا يخل بكمال الإيمان الواجب، لكنه لا ينفي الإيمان بالكلية إلا لمن استحله.

8- الإسلام فيه أركان وفيه واجبات وسنن، ومنه الكليات ومنه الجزئيات، ومنه الأصول ومنه الفروع، لكنها كلها دين، ندعو إليها جميعًا بالحكمة التي تقتضي ترتيب الأوليات دون إهمالها، فضلاً عن أن توصف الجزئيات والفروع والسنن بألفاظ لا تليق بالشريعة كوصفها بالقشور أو الشكليات أو الهامشية!

ولنا في رسول الله أسوة حسنة . فهاهو يوجه أبا طلحة يوم أحد لما ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال رضي الله عنه من الألم: حس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون”.ولهم في الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قدوة لما طُعن فجاءه شاب يعوده ويثني عليه، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك.

9- السلفي إذا تعارضت أمامه الأقوال في مسألة لا علاقة لها بزمن السؤال ولا بتغير الأحوال رجع إلى القول الذي كان سائدًا في القرون المفضلة الأولى فتمسك به وعض عليه بالنواجذ، فكلما كان العصر أقرب من زمن الرسالة كان الصواب فيه أكثر والخطأ فيه أقل.

10- ويقتضي تعظيم نصوص القرآن والسنة أن يكون السلفي أرحم الناس بالخلق. فإن ما ورد في ذلك يدل على عظم شأن هذا الأمر في الإسلام. يكفيك من ذلك قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وقوله عن صحابته الكرام {أذلة على المؤمنين}، ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لأتباعه “ما كان الرفق في شيء إلا زانه”، ووصفه للمؤمن أنه “يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف”.

هذه هي السلفية كما أفهمها، وأحمد الله أن هداني إليها، وأجزم أن عموم المسلمين الذي هم على الفطرة سلفيون. ولا يلزم أن يتسموا بذلك، بل يكفيهم ما سماهم الله به “هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا”، والعبرة بالحقائق والمعاني لا بالأسماء والمباني.

أما اتهام السلفية بالتشدد، فالتشدد أمر نسبي، فكل متمسك بأمر يرى من دونه في التمسك متساهلاً، ومن فوقه في التمسك متشدداً . والعبرة بالدليل لا بأهواء الناس.

كنت مرة في حوار مع أحد الشباب، فقال لي : لماذا التشدد ؟ لماذا يترك السلفيون لحاهم حتى تصل إلى سرتهم؟ ألم يأذن النبي (صلى الله عليه وسلم) بالأخذ فيما فوق القبضة؟ وقبض صاحبي بيده  تحت ذقنه الحليق الذي ليس فيه شعرة واحدة ؟! غفر الله لي وله.
—–
نقلاً عن مجلة البيان

-- د. معن عبدالقادر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*