الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الحرية وأخواتها

التجربة إحدى أهم طرق الفهم في القضايا الحياتية. فلا يمكن لك أن تفهمَ «الزواج» ما لم تتزوج، أو «الغربة» ما لم تتغرب، أو «الحرية» ما لم تتحرر، وهكذا. صحيح أن البعضَ يمتلك مخيلة قوية تهيئه لأن يعرف هذه الأشياء دون اختبارها، ولكن معرفته بالتأكيد ستزداد عمقا وقوة عند التجريب.

إن غريزة التعاطف الوجداني عند البشر ( أو بعض منهم!) تساعد المرء ذا الإحساس الدقيق على فهم مشاعر الآخرين، وليس بالمرء حاجة إلى أن يجرب كل شيء حتى يفهم فهما عميقا.

ولكن أعود وأقرر أن هناك أشياء لا يمكن فهمها فهما واضحا دون اختبارها ( لأن اختبارها جزء من معناها أو ماهيتها)، وهي تلك الأشياء المتعلقة بجوهر الإنسان وحياته الفردية؛ فلنقل مثلا : الحرية، الكرامة، النجاح، ونحوها. ليس يكفي المرء المستعبد أن «يتخيل» الحرية ليفهمها، بل عليه السعي لنوالها، ولن يكفي الذليل أن يتصور معنى الكرامة بل عليه أن يبذل جهده ليعيش كريما، وأخيرا ليس يكفي الإنسان البليد أن يفكر في النجاح فالطريق إلى النجاح يبدأ بالسير عليه.

ما أريد قوله إن هذه القيم الثلاث ( وغيرها كثير) ليست قيماً معرفية ينبغي فهمها، بل هي قيم وجودية يجب تحقيقها. وسأجرؤ فأقول: ليس للحرية تعريف ولا للكرامة تعريف ولا للنجاح تعريف حتى ولو امتلأت القواميس والمعاجم بها، فمكانها ليس بطون الكتب بل الواقع الحي.

إذن علينا استحضار هذا المعيار. إذا كان هناك ما يمكن فهمه بالتجريب، فإن هناك ما يستحيل فهمه بدون التجريب لأن التجريب كما قلنا هو أساس الماهية. إذا أخذنا بعض التصورات التي لدينا – كسعوديين وعرب – عن بعض المسائل المهمة (أقصد تلك التي نسمع عنها ولم نجربها) فإننا سنشفق حقاً على أنفسنا.

ولا عجب أن يكثر التنظير والنقاش حول هذه المسائل غير الموجودة في واقعنا، وهو تنظير – على أية حال – يدل على الرغبة العميقة لتحقيق هذه المسائل أو القيم (رغم أنها طالت). لقد ظلت الديمقراطية مثلا موضوعا للتنظير والنقاش على مدى عقود طويلة.. أعتقد أن الربيع العربي هو الإيذان الأول بانتهاء النقاش أو الجدل البيزنطي كما يسمى. لقد استغرق وقتا طويلا، ولكنه جاء في النهاية.

إن التنظير قد يذكي الرغبة ولكنه أيضا قد يخنقها. الرغبة العميقة في إنهاء القول وبدء الفعل هي حجر الزاوية. إنها نهاية الخطاب وغايته، أو فصل القول. إني أتحدث عن تلك القيم (الحياتية) فقط، وليس عن المسائل الفكرية والعلمية المحضة التي لا ينتهي النقاش حولها إلا بتركها والبحث عن غيرها.

الرغبة العميقة في أن يحيا المرء حياة كريمة وحرة وناجحة ومسالمة. هل يمكن تحقيق هذه الرغبة بالتنظير فقط؟. المشكل الجوهري أن بعض مكونات الثقافة قد تزيف أو تحرف هذه الرغبات الأصلية؛ فلو تذكرنا حالة «الرق» في كثير من الثقافات لعرفنا أن هناك أدبيات ثقافية شاملة لتكريس الرق، أو على الأقل لتزييف الرغبة في التحرر والتهويش عليها. قل مثل ذلك على «الاستعمار» الذي اشتغل عليه فلاسفة ما بعد الاستعمار في فضح أدبيات المستعمر.

-- شايع بن هذال الوقيان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*