الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أن تكسب صديقا خير من أن تكسب حوارا

أن تكسب صديقا خير من أن تكسب حوارا

في ظل حالة الزخم السياسي والتحول الديمقراطي والتنافس الانتخابي التي تشهدها مصر.. يشهد الواقع الكثير من الحوارات الساخنة – التي تفتقد إلى أدني درجات أدب الحوار – سواء عبر الفضائيات أو في النوادي والمنتديات أو في أماكن العمل والتجمعات.. بل حتى في الشوارع والطرقات.

ويحرص المتحاورون جميعا على الفوز بالحوار وغلبة رأيهم والانتصار لما يرونه حقا. ولا بأس بذلك فهذا أمر طبيعي.. ولكن أن يكون هذا على حساب العلاقات الإنسانية ومشاعر الود والأخوة التي يجب أن تسود بين الناس جميعا – على اختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم ومرجعياتهم – فهذا خطأ فادح.. فالهدف الأساسي من الحوار يجب أن يكون التعارف والانفتاح على الآخر وغ: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).

وما أكثر من كتبوا وتحدثوا عن أدب الحوار وفن الخلاف.. ومع ذلك فإن أغلب الحوارات يتحول – في كثير من الأحيان – إلى مواجهة وخلاف وشجار قد يصل إلى عراك بالأيدي!

بداية نقول: لقد اهتم الإسلام اهتماما بالغا بالحوار, لأنه يرى أن طبيعة الإنسان – بفطرتها – تميل إلى الحوار أو الجدل, كما يطلق عليه القرآن الكريم في وصفه للإنسان, في قوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (الكهف 54).

بل إن صفة الحوار والجدال لدى الإنسان – في نظر الإسلام – تمتد حتى إلى ما بعد الموت يوم الحساب, كما أخبر الله عز وجل في قوله: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) (النحل 111).

من هذا وغيره يتبين أن الحوار صفة ملازمة للإنسان ملازمة العقل له. ولذا فقد حدد الإسلام المنطلق أو الهدف الذي يجب أن ينطلق منه المسلم في حواره مع الآخرين, حيث إن الهدف الحقيقي للحوار هو البحث عن الحق ثم اتباعه. قال تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) (القصص 49).

وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجدال الآخرين بالتي هي أحسن _- وأحسن أفعل تفضيل – فقال: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل 125), وقال سبحانه: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). وحتى يسهل على القارئ قراءة المقال والاستفادة مما فيه يمكن تقسيمه للعناصر التالية:

أولا: آداب الحوار المحمود:

ولكي تجري مع الآخر – أيا كان الآخر – حوارا ناجحا أقدم لك وأذكر  نفسي بالنصائح التالية:

1- حسن القصد: وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان, ويكون عليه رعاية من الله وحفظ, وما ناظرت أحدا إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه).

تأمل هذه الكلمات الرائعات، وأعد قراءتها, وتعلم منها أن يكون قصدك- من أي حوار – الوصول للحق لا الانتصار للنفس.

وقريب من ذلك قول من قال: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب). فالحق هو ضالة المؤمن وهدفه أنى وجده فهو أحق الناس به.

2- حسن الخطاب وعدم الاستفزاز وازدراء الآخرين: فاحترام الآخرين – أيا كانوا – شرط نجاح الحوار, ومن نماذج ذلك حوارات الأنبياء مع أقوامهم, ومثاله ما أمر الله به تعالى موسى وهارون في مخاطبة فرعون – وقد سبق في علم الله أنه لن يؤمن – (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (طه 43-44).

ومن ذلك ما يسوقه القرآن في معرض الحوار والمناظرة مع المخالفين لنا في الدين والعقيدة: (قل من يرزقكم من السموات والأرض؟ قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم). (سبأ: 24-26). وتأمل المقارنة والمقابلة الواضحة في قوله تعالى: (إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال)، فلم ينسب الهدى والصواب لنفسه, والخطأ والضلال للآخرين، ثم تأمل المقارنة بين لفظ (أجرمنا) و(تعملون)! يا لأدب القرآن! ثم وكل الأمر – في النهاية – بعد فشل الحوار إلى الله فهو الذي (يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم)، كما في قوله تعالى (قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) (فاطر).

3- الاتفاق على أصول حاكمة للحوار: من الضروري أن يتفق المتحاورون على أصول يرجعون إليها وتحكم حوارهم وترفع الخلاف، أو الاحتكم إلى مرجع معين متخصص في مجال الخلاف أو الحوار، كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل). وأهل الذكر في كل مجال هم أهل التخصص فيه: الفقيه في الفقه والشريعة والطبيب في الطب والزارع في الزراعة…الخ.

4- البدء بالأفكار المشتركة: قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم….) (آل عمران64). فعند بداية الحوار ابحث عن نقاط الاتفاق مع الآخر.. كأن تقول له: (لا شك أن هدفنا واحد هو الوصول للحق وإرضاء الله مثلا…).

5- إنهاء الحوار السلبي بالإيجابية. قال تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم علمكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) (يونس 41). فيمكن أن تقول لمن لا يصل معك لاتفاق معين: ليت كل منا يبحث ويقرأ ويسأل أهل الذكر؛ عسى الله أن يهدينا سواء السبيل.

ثانيا: صفات المحاور الناجح

للمحارو الناجح صفات كثيرة تعرض القرآن لبعضها (راجع حوار الأنبياء مع قومهم ومنه كنماذج حوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه، وحوار يوسف مع إخوته، وحوار إبراهيم مع أبيه، وحوار موسى وهارون مع فرعون، وحوار مؤمن آل فرعون وآل ياسين مع قوميهما…إلخ).

ومن خلال هذه الحوارات يمكن استخلاص الصفات التالية للمحاور الناجح: اللباقة – حسن الاستماع: قال الشاعر: إن بعض القول فن.. فاجعل الإصغاء فنا. وكان الرسول يقول لمحاوره: (قل أسمع لك) وبعد أن يفرغ يقول: (أفرغت؟) – حضور البديهة – الأمانة والصدق – ضبط النفس –العدل والاستقامة – حسن الخلق – سعة الأفق وغزارة المعلومات في مجال الحوار – كثرة مجالسته ومحاورته لأهل الرأي والعلم – التواضع والاعتراف الخطأ..).

ثالثا: معوقات الحوار والإقناع: النطق غير السليم – الصوت غير الواضح – الفأفأة في الحوار- الصمت لفترات طويلة دون رد فعل – عدم مراعاة آداب الحديث – عدم التركيز والإصغاء – عدم الاستعداد النفسي للحوار والإقناع- عدم ضبط النفس والانفعال السريع – التسرع والاستنتاج الخاطئ – عدم منطقية الحوار – ضعف التحصيل العلمي وعدم الإلمام الجيد بالموضوع – عناد المتلقي – عدم ثقة المستمع بنفسه – عوائق فنية كالتشويش وسوء الإرسال – عدم اقتناع المتحدث بما يقدمه للغير (فاقد الشيء لا يعطيه).

رابعا: قواعد ذهبية للحوار والإقناع: أخلص نيتك لله وحده – استعد.. استعد.. استعد – لا تجمُد على طراز واحد سواء في الجلسة أو في الإشارة أو الكلمات والجمل… – لا تكثر استخدام يديك بصورة مبالغ فيها – عليك بالعقل والمنطق – كن آذاناً صاغية – لا تقاطع المتحدث أبدا – أحضر ورقة ودون فيها أهم النقاط التي يثيرها الطرف الآخر – احمل راية الرفق واللين- جامل الناس تــحـُــز رَق الجميع- استخدم الوسائل العلمية والأساليب الحسية والسمعية والبصرية – اطلب الدليل واحرص على تقديمه موثقاً ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) – لا تقل: (لا) من البداية وكن مرنا مع الحفاظ على الثوابت (راجع: صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم, وسهيل بن عمرو مبعوث المشركين) – التزم الاستراتيجيات الذكية في الحوار, وادفع خصمك – برفق وسياسة – إلى الوقوع في التناقض، وواجهه بذلك، كما سترى في النموذج التالي:

خامسا: نموذج معاصر: الإمام البنا وطه حسين: كان موقف الشيخ حسن البنا – رحمه الله – من كثير من مخالفيه ومعارضيه من أبناء عصره – ولا سيما الدكتور طه حسين – غاية في الرفق والسمو؛ حيث يمنحهم – مع اختلافه معهم – حقهم من الاحترام والتقدير، الأمر الذي قطع عليهم طريق المراء أو الجدل. ويذكر المعاصرون للشيخ حسن البنا: أنه لما نشر طه حسين كتابه: “مستقبل الثقافة في مصر”، وضمَّنه ما يجب أن تتجه إليه الثقافة في مصر من ضرورة الأخذ بالحضارة الغريبة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، هاجت الدنيا وماجت، وتناولت أقلام النقاد الكاتب بين قادح ومادح، ولم يكترث طه حسين بكل ما كتب وصمم على وضع آرائه في الكتاب موضع التنفيذ باعتباره مستشار وزارة المعارف (التربية والتعليم ا لآن)، وهنا اتصل بعض الغيورين من أصدقاء الشيخ حسن البنا به، وطلبوا إليه أن يكتب نقدا للكتاب، ورد الشيخ حسن البنا بأنه لم يطلع على الكتاب لضيق وقته وكثرة الصوارف، وألحوا عليه في ضرورة قراءة الكتاب، وبيان كلمة الإخوان قبل أن يوضع الكتاب موضع التنفيذ، لا سيما وأنه سيؤدي إلى تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية، ولم يكتفوا بذلك، بل أخبروه أنهم حددوا موعدا لبيان ذلك في دار الشبان المسلمين وطبعوا الدعوات، وكان الموعد بعد خمسة أيام، يقول الشيخ حسن البنا: ولم أكن أستطيع التحلل من مواعيد كنت مرتبطا بها في خلال هذه الأيام الخمسة، وعليه فما كنت أجد وقتا لقراءة هذا الكتاب إلا فترة ركوبي الترام في الصباح إلى مدرستي، وفترة رجوعي منها في الترام – وكان يعمل في مهنة التدريس – وقدر الله، وأتيت على الكتاب من أوله إلى آخره؛ لأنه لم يكن كبير الحجم، وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى كنت قد استوعبت الكتاب كله، وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان، فوجدتها على غير عادتها غاصة، والحاضرون هم رجالات العلم، والأدب، والتربية في مصر، ووقفت على المنصة، واستفتحت بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص .

قال: وبدأت أول ما بدأت، فقلت: إنني لن أنقد هذا الكلام من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعض، وأخذت – ملتزما بهذا الشرط – أذكر العبارة من الكتاب، وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب، ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: يقول الدكتور طه في الكتاب في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا، وأقرأ العبارة بنصها أيضا من خاطري، فاستوقفني الدكتور الدرديري، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب، ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن، وجيء له بالكتاب وظل يتابعني، فيجد العبارات لا تنقص حرفا ولا تزيد حرفا، ويجد الصفحات كما أحددها تماما، فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول، والكل يتجه – كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين – إلى الدكتور الدرديري، كأنهم يسألونه: أحقا هذه العبارات في الكتاب ؟ فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة: بالنصوص والصفحات.

وهكذا حتى انتهى الكتاب وانتهت المحاضرة، وقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور: الدرديري بين معانق ومقبل، يقول الشيخ حسن البنا: ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة؟ لأنه يريد أن يسرَّ حديثا، واقترب مني وأسر في أذني سرا تعجبت له. قال: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور: طه حسين، وطلب إلي أن أعد له مكانا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد، فأعددنا له المكان، وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد.

وفي اليوم التالي: طلب الدكتور طه حسين من أحد موظفي وزارة المعارف، وكان على صلة وثيقة بالشيخ حسن البنا، أن يرتب له اجتماعا مع الشيخ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معهما أحد، وبحيث لا يعلم بهما أحد، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي، أو في مكتبي هنا، ووافق الشيخ حسن البنا ورأى أن يكون الاجتماع في مكتبه بالوزارة، وتم الاجتماع، وبدأه الدكتور طه حسين بقوله: لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك، وبأنني كنت حريصا على حضورها، وعلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها، لأنني أعرف من هو حسن البنا، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتماما، قال الشيخ حسن البنا: فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب، وهل لديه من ردّ عليها؟ قال الدكتور طه حسين: ليس لي ردّ على شيء منها، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك، وهذا هو ما عناني مشقة الاستماع إليك، ولقد كنت أستمع إلى نقدك لي، وأطرب… وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم، لكن أعدائي أخسَّاء، لا يتقيدون بمبدأ ولا بشرف، إن أعدائي هم الأزهريون وقد ظنوا أنهم يستطيعون أن يمحوا اسمي من التاريخ، وقد كرست حياتي لإحباط مكايدهم، وهأنذا بحمد الله في الموضع الذي تقطع أعناقهم دونه… ليت أعدائي مثل حسن البنا؟ إذن لمددت لهم يدي من أول يوم.

أرأيت كيف يصنع الاحترام والتقدير للآخرين حتى مع اختلاف الفكر، وتباين الرأي؟ إنه يمتص من نفوسهم المراء أو الجدل على النحو الذي نطق به هذا المقال.

……

مذيع بإذاعة القرآن الكريم

-- عبدالمنعم أبو السعود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*