الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجمال في حياة المسلم

الجمال في حياة المسلم

إن “الجمال” الذي يظن بعض من الناس مخاصمة الإسلام إياه، هو في الحقيقية بعض من آيات الله سبحانه وتعالى التي أبدعها في هذا الكون وأودعها فيه، وهو بعضُُُ من صنع الله وإبداعه سبحانه، سوّاه وسخّره للإنسان، وطالبه بأن ينظر فيه ويستجلي أسراره ويستقبل تأثيراته.

نصوص الجمال

لقد نبّه القرآن الكريم،الإنسان إلى أن النظر للجمال، والاستقبال لآيات الزينة، وفتح قنوات الإحساس الإنساني على صنع الله، امتثال لأمر الله عز جل: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا}، (ق:6).

ولقد ذكرنا سبحانه ببعض سبحات الجمال في مخلوقاته الكونية التي سخرها لنا ومنها خلق النبات والحدائق المبهجة، قال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}، (سورة النمل:60). وقوله سبحانه: {انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}، (سورة الأنعام: 99). وقوله: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيد}، (سورة ق:10).

وكذا الجمال في خلق الحيوان، قال تعالى : {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}، ( سورة النحل:5-8). وقال سبحانه: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، (سورة الغاشية:17-20).

وفي خلق السماء بما فيها من نجوم وكواكب، أسرار من جمال الخالق سبحانه وتعالى حيث يقول: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}، (سورة الحجر:16). وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}، (سورة ق:6).

وهذا النظر في هذه الآية وغيرها من الآيات، هو سبيل من سبل الاستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى كمال قدرته وبديع صنعته. وما تعطيل النظر في آيات الجمال، إلا تعطيل للدليل على وجود الصانع المبدع لهذه الآيات.

الإحساس بالجمال عبادة

إن تنمية الإحساس الجمالي لدى الإنسان المؤمن، هو تنمية للملَكات والطاقات التي أنعم بها عليه الله سبحانه وتعالى، وإن في استخدام هذه الملَكات، سبلا للاستمتاع بما خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون من آيات الزينة والجمال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “إن اللٰه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”، (رواه الترميذي).

المسلم مدعو إلى التخلّق بأخلاق الله ليكن ربانيًّا، ومطلوب منه أن يسعى كي يتحلّى بمعاني أسماء الله الحسنى، إنه مدعو إلى الاتصال بالجمال الذي هو البهاء والحسن في الفعل وفي الخلُق، وإلى تنمية إحساسه بالجمال الذي أودعه الله في الكون؛ جمال الصور وجمال المعاني على حد سواء.

وفي إطار هذا المعنى يطالب الله عز وجل بني آدم بأخذ الزينة والحرص على الجمال حيث يقول: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، (الأعراف:31-32).

ونلحظ أن هذه الآيات تدعو الإنسان وليس المسلمين وحدهم، وذلك تنبيهًا على أن هذا هو مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ طلب الزينة والجمال، وتصحيحًا للانحراف الذي جعل العبادة رهبانية تدير الظهر لصفات الحسن ومظاهر الجمال في هذه الحياة. إنه المنهج الإسلامي الذي يعيد الإنسان في هذه القضية وسواها، إلى فطرته والتي يمثل التجمل والتزين ملمحًا أصيلًا من ملامحها، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عشر من الفطرة: قص الشارب، وقص الأظافر، وغسل البراجم، وإعفاء اللحية، والسواك والاستنشاق، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء”، رواه النسائي.

وإذا، كان المسجد في العرف الإسلامي، هو مطلق مكان السجود، ولذلك كانت الأرض كلها مسجدًا لأبناء الإسلام. فإن اتخاذ الزينة هو فريضة إسلامية في الأوقات الخمسة التي يمثُل فيها المسلم -يوميًّا- بين يدي مولاه، أي إنها فريضة إسلامية في كل زمان -تقريبًا- وفي أي مكان.

وهذه الفريضة يتأكد التنبيه عليها في أيام وأماكن الاجتماع، كالجمع والأعياد، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اغتسل -أو تطهر- فأحسن الطهور، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أو دهن أهله ثم أتى الجمعة، فلم يلغ ولم يفرق بين اثنين، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى”، رواه ابن ماجة.

وفي حديث آخر يقول رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ ، يَعْنِى ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ”، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا، وَنَعْلِي حَسَنَةً ؟ فقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ، وَغَمَصَ النَّاسَ”، رواه مسلم.

النبيّ والجمال

ولقد كان منهح النبوة الذي تجسد في سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، ومع أهله، وفي تشريعه للناس، كان هذا المنهج بصدد التربية الجمالية والسلوك الجمالي، البيان العملي والممارسة التطبيقية للبلاغ القرآني الذي شرع الله فيه منهج الإسلام في هذا الميدان.

فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء رحمة للعالمين، كان النموذج الأرقى للإنسان الذي يستشعر كل آيات الجمال في خلق الله، ويلفت النظر بهذا السلوك الجمالي، ليغدو سنة متبعة في مذهب الإسلام وحضارة المسلمين. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مترفًا ولا مستغنيًا، ولكن الله قد أغناه عن الحاجة بعد أن كان فقيرًا عائلاً: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}، (الضحى:8).

ونحن إذا شئنا أن نتلمس في سيرته -في خاصة نفسه- نماذج شاهدة على رقيّه وارتقائه في السلوك الجمالي والإحساس بالجمال، إننا واجدون الكثير..

يروي ابن عباس رضي الله عنه فيقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن ، رواه أحمد. والذين يتأملون هذا السلوك -في ضوء قضيتنا- يدركون أن “التفاؤل” إنما هو ثمرة لرؤية إيجابيات الواقع وجماليات المحيط، وهو ضد التشاؤم الذي لا يرى صاحبه سوى القبح والسلبيات، وأيضًا هو غير السذاجة التي لا يبصر صاحبها لا الإيجابيات ولا السلبيات. فالتفاؤل موقف إيجابي من جماليات الحياة وإيجابيات المحيط.

“ولا يتطير”، لأن المتطير هو الذي لا يرى من الأشياء إلا جانب القبح والشؤم، على حين أن في هذه الأشياء -كل الأشياء- من وجوه الخير والجمال ما يطرد التطير والتشاؤم عن الذين يبصرون هذا الخير وهذا الجمال.

“ويعجبه الاسم الحسن”، أي أنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ في استشعار آثار الجمال إلى الحد الذي جعله يلمحها حتى في الأسماء. فهو يدرك أثر “العنوان” في الدلالة والإيماء إلى “المضمون والموضوع”.

ثم أيّ رقي في الجمال والتجمل يبلغ ذلك الذي تحدّث عنه خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه، عندما وصف هذا الجانب من حياته فقال: “ما شممت عنبرًا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مسست قط ديباجًا ولا حريرًا ألين مسًّا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ”، رواه مسلم.

ترى، هل هناك في الجمال والتجمل أرقى من ذلك الذي كان، “كأن عرقه اللؤلؤ”؟!، هذا هو رسول الله، جسّد في عشقه للجمال وارتقائه على دربه، منهجَ الإسلام في التربية الجمالية، فكانت حياته -في خاصة نفسه- التجسد لسنته التي علمنا إياها عندما قال: “إن الله جميل يحب الجمال”.

—–

نقلاً عن موقع علامات أونلاين 

-- علامات أون لاين - خاص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*