الأحد , 11 ديسمبر 2016

رسالة المدرسة

 ربما أعود لما كتبت عنه مراراً عن رسالة التعليم بضرورة تمكين طلاب المدارس في مناهج الدراسة، بدءاً من خطة واعية تهتم بتوظيف محتوى مقرراتها، وتحديداً في موضوعات المواد العلمية، والأدبية، والجغرافية، إضافة إلى مقررات الدين، من معرفة حقة، وسيرة مفصَّلة، وربط بين القرائن، والقياس بالنماذج، وتطبيق الأمثلة، بحقيقة الإيمان الذي لا يتم إلا بمعرفة الخالق حق المعرفة، ونموذجية رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، والقدوة فيه، ومن ثم جعلهم يتعلمون بترسيخ، ويتعرفون باعتقاد ما معنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وما معنى النبوة، وفصلها عن مستوى الفهم لعلاقة المسلم بأي فرد آخر، عن علاقته الروحية، والقلبية, والعقلية بنبي الله, ورسوله العظيم الذي أمرنا الخالق تعالى أن نصلي عليه, ونسلّم تسليماً كثيراً، وأن يعلموا حق العلم، ويعملوا بصدق العمل، بما يدينون به، ويدركونه بألا إيمان لمن لا يكون له الحبيب الأول قبل النفس والأم والأب، هذا النبي الأمي, المعجز, الهادي, مبلغ الرسالة الإلهية، خاتم الديانات والرسل، متمم دين الله على أرضه، من به ختمت الرسالات، الذي من يبتغي بعده غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه.. وما يتطلبه من ثم هذا التقديم في منزلة الحب له من الاقتداء به، والنفح عنه، ورفض كل ما يخرج عن منهجه, وسلوكه, وسُنَّته واتباعه. إن الفصل بين التعليم العام والتعليم الشرعي على النحو الذي تفتقر فيه محتويات المقررات الدراسية إلى هذا التمكين لطلابها يجعلهم لقمة سائغة لكل معلومة تردهم، أو توجه يشدهم، أو قوى فكرية تضعفهم، أو مغريات تشتتهم.. ولا يمكنهم من الوقوف بقوة أمام تيارات ضد دينهم، وعقيدتهم، ورمزها الأول رسول الهدى نبي الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. كذلك توصل نوازع الفقر والضعف في التمكين من هذا لأن يستسهلوا الخوض في دينهم, ورسوله الكريم, وصحابته الأجلاء، الذين من يمسهم فكأنما مس رسولهم صلى الله عليه وسلم، ويكون هؤلاء الخائضون بمنزلة المحارب ربَّه..

قلت وأقول: إن خطط التعليم ما نفذت لعلم، وأبلغت في الجدوى، إلا حين تربط عقل ومدارك المتعلم بقدرات خالقه، وما استقام نهج إنسان على الأرض ما لم تكن خطواته تتبع نهج السماء في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. نحن نتساءل بسذاجة: لماذا أبناؤنا لقمة سائغة للمغريات..؟ لماذا شبابنا بيُسر يتحللون من ألبستهم ليرتدوا ألبسة غيرهم..؟ لماذا أول ما تفتح لهم نوافذ على الآخر يكونون عرضة لتيارات تقصيهم عن أنفسهم..؟ وننسى أنهم لهم سواعد في دينهم هشة، وأقدام لينة العظام، ومدارك لم تؤخذ للنور كما ينبغي لها أن تُنشَّأ فيه.. أعيدوا النظر في المناهج، لا تفصلوها كثيراً عن ربطها ونمذجتها بكل مثل، وقصة، وعلاقة، وقرينة تمكن فيهم الإيمان الصحيح، والعقيدة الصائبة, ومعرفة ربهم حق المعرفة, ومحبة رسولهم صدق المحبة.. فذلك المنجى..

إن المسلم لا يسلم في دنياه بغير سلام روحه مما يخالط فيها قلبه، وعقله خارجاً عن منهج الله.. ربما هذه الرسالة لا تخص تعليماً في دولة مسلمة بعينها، بل هي لكل موقع يشهد فيه لسانٌ بلا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن ثم.. فأي علم يكتنزه صاحب هذا اللسان في صدره عن هذه الشهادة..؟ وأي موقع تنزل فيه حدودها، وقيودها, ومسارها, وموطنها من هذه النفوس ما لم يتم الاجتهاد الخالص لتمكين كل من يلفظها من العمل بها، قلباً, وفعلاً، وقولاً. إنها مسؤولية رعاة التعليم والتربية.. ويأتي من بعدها بقية لحمة المجتمع بمؤسساته الفكرية، والثقافية. إن أجيال المسلمين أمانة تامة في أيدي التربويين المسؤولين عن تخطيط، وتهديف، ووضع محتويات التعليم، ومن ثم تدريسها، وتعليمها.. ليكون العمل بما يعلم المرء حجته, وبرهانه.

—-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. خيرية ابراهيم السقاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*