السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جوبا والخرطوم تلوحان بحرب جديدة بينهما

جوبا والخرطوم تلوحان بحرب جديدة بينهما

دولة الجنوب ولدت لتتقلب على صفيح ساخن، فالأوضاع المتردية تغري حكومة جوبا بالتشدد مع جنوب السودان واستفزاز الشماليين للدخول معهم في حرب.
 
دخل جنوب السودان وشماله في حرب استمرت حوالي عشرين عاما ولم تحقق لأي منهما أية مكاسب سياسية، بينما حين لجأ كل منهما للتفاوض مع الآخر، استطاعا التوصل إلى اتفاقية سلام عام 2005 تم بموجبها تمتيع الجنوب بحكم ذاتي كامل حتى 9يناير 2011 حيث أجري بموجب تلك الاتفاقية استفتاء لتقرير المصير قرر فيه الجنوبيون الانفصال عن الشمال وتكوين دولة لهم، وتم إعلان الدولة بعد ستة أشهر من الاستفتاء أي في 9 يوليو 2011 واعترف بها الشمال والعديد من دول العالم وصارت عضوا في الأمم المتحدة.

يمتلك الطرفان إذن تجربة تاريخية توضح بأن أفضل وسيلة لحل الخلافات السياسية هي التفاوض وصولا لحلول سلمية متفق عليها، ولكننا نجدهما في الآونة الأخيرة يهددان بالعودة إلى الحرب لحل الخلافات السياسية والاقتصادية بينهما بعد أن لم تحقق المفاوضات بينهما النتيجة التي يرجوها كل منهما.

والحرب باستمرار تعد أداة لتحقيق أهداف سياسية عندما تفشل الوسائل الدبلوماسية في حلها. ومع ذلك، قد تشن دولة الحرب على دولة أخرى دون أن يكون ما بينهما من مشاكل أو خلافات مستعصية على الحل عن طريق التفاوض. ويكون الهدف السياسي المطلوب هنا ليس حل الخلاف مع الدولة الأخرى التي تم شن الحرب عليها، وإنما التخلص من مأزق سياسي داخلي ومصاعب داخلية تهدد وحدة الدولة واستقرارها. وبمعني تصدير الأزمة لدولة أخرى. وبحيث يساعد صرف نظر الناس عن تلك الصعوبات المحلية، وأشغالهم بمحاربة عدو خارجي يتم تصويره بأنه عدو لهم ولمصالحهم، على الحد من الضغوط المحلية على الحكومة.

ويمكن القول بأن ظروف كل من الدولتين الحالية تجعل كل منهما في حاجة إلى تلك الحرب للتغلب على مصاعب داخلية. دون أن يعني ذلك أن المصاعب المحلية هي الدافع الوحيد لنزوعهما نحو الحرب، وإنما توجد محفزات أخرى عليها، تتمثل في تحريض قوى أجنبية عليها تطمع في تحقيق مصالح لها أيضا. وقد أكد ديفيد ديشان أحد الزعماء المعارضين لحكومة جوبا بجنوب السودان أن واشنطن وتل أبيب والنرويج وبعض دول الاتحاد الأوروبي وراء تراجع الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت عن التوقيع على اتفاق حل القضايا الخلافية في ملف النفط بين البلدين. مشيراً إلي أن الصراع الحالي بين الخرطوم وجوبا في حقيقة الأمر ما هو إلا صراع المصالح بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، خاصة بعد أن قامت واشنطن بإجراء معالجة للحظر الاقتصادي الأميركي المفروض على السودان، وتستثني دولة الجنوب، والسماح للشركات الأميركية البترولية العمل في السودان.

ويضاف إلى ذلك الخلافات بين الجانبين حول حقوقهما في بترول المناطق الواقعة على الحدود بينهما ورغبة كل منهما الاستئثار به بسبب الأزمة الاقتصادية التي يعانيها، والخلاف على رسوم نقل بترول الجنوب عبر الأنبوب المار في الشمال والذي ينتهي في ميناء بورسودان.

وقد حاولت حكومة الخرطوم تأجيل الاستفتاء لحين الاتفاق مع حكومة جوبا على العديد من المسائل العالقة مثل ترسيم الحدود ومناطق البترول الحدودية خاصة في منطقة أبي وجنوب النيل الأزرق وعلى النقد الشمالي المستخدم في الجنوب وعلى الديون الخارجية ورسوم نقل البترول وغيرها، ولكن حكومة جوبا ما طلت في ذلك، ودفعت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى المساندة لها للضغط على الخرطوم لإنجاز الاستفتاء على أن يتم الاتفاق على تلك المسائل العالقة خلال الفترة الانتقالية التي تفصل ما بين الاستفتاء في 9 يناير وإعلان الدولة في 9 يوليو. وخلال وجودي في السودان في ديسمبر 2010 جاء إليه كل من حسني مبارك ومعمر القذافي، كل في طائرته ومصطحبا معه رئيس مخابراته لمطالبة الرئيس السوداني بإجراء الاستفتاء في موعده، ولم يدم اجتماعهما به أكثر من ساعة هدداه فيها إن لم يذعن لما يطلبانه منه، وكان كل منهما يدعم انفصال الجنوب. وعندما خرج الرئيس السوداني لتوديعهما في المطار ركب كل منهما طائرته دون أن ينتظره أو يسلم عليه.

وقد غادر كل من مبارك والقذافي السلطة ولم تعد كل من مصر وليبيا تشكل خطرا على الأمن القومي السوداني كما كان الأمر من قبل حين كانا يتآمران عليه، ولكن تداعيات تآمرهما يعاني منها السودان اليوم سواء في الشمال أو الجنوب، ولم يتحقق السلام المأمول بين جوبا والخرطوم، وإنما بدأت نذر الحرب في الأفق بينهما. وعندما سئل الرئيس السوداني عمر البشير يوم الخميس الموافق 2 فبراير الجاري في مقابلة مع التلفزيون الحكومي عما إذا كان من الممكن أن تندلع حرب مع جوبا قال إن هذا محتمل. وأضاف إن السودان يريد السلام لكنه سيضطر إلى خوض الحرب إذا أجبر على دخولها. وقال أنه إذا اندلعت حرب بعد فقدان النفط، فستكون حرب استنزاف لكنها ستكون استنزافا لدولة الجنوب قبل استنزاف الشمال. وصدرت من سيلفا كير ميرديت رئيس جمهورية الجنوب ومن مسئولين جنوبيين تهديدات مماثلة.

وحسب ما صرح به الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني في أوائل الشهر الماضي فإن قوات الجيش الشعبي لجنوب السودان تتأهب وتعمل على تجميع قواتها لمهاجمة السودان من منطقة جاو. ومؤكدا أن الجيش السوداني رصد عمليات تأهب واستعداد في صفوف الجيش الشعبي الغرض منه – وفق الشواهد الماثلة – شن هجمات داخل أراضى سودانية.هذا فضلا عن تجميع جوبا لقوات متمردي دارفور حيث استقبلت في نهاية ديسمبر الماضي – قوات العدل والمساواة ورتل من العربات المحملة بالأسلحة يتكون من (120) عربة عسكرية وهي العربات التي نجت من القصف الجوي الذي فقدت قائدها خلاله.

وتحتضن جوبا أربعة حركات من متمردي دارفور يجمعها ما يسمى بتحالف كاودا وهي إلى جانب حركة العدل والمساواة: الحركة الشعبية جناح عبد الواحد محمد نور”والحركة الشعبية جناح مني ميناوي بالإضافة إلى “جناح الحركة الشعبية في الشمال” التي تقاتل في منطقتي “النيل الأزرق” وجنوب كردفان”.

الأوضاع في شمال السودان

السودان الشمالي كان يعيش أزمة اقتصادية طاحنة قبل أن يتم اكتشاف واستغلال حقول البترول عن طريق شركة صينية/ماليزية، وصارت ميزانية الدولة وسداد أقساط وفوائد الديون الأجنبية المتراكمة على السودان منذ الثمانينيات تعتمد على عائدات البترول. وقد وجدت حكومة الشمال نفسها وقد حرمت من هذا المورد الهام بعد استقلال الجنوب وانتقال أكثر من 90 بالمائة من آبار البترول المنتجة إليه، بينما تحاول جوبا الاستيلاء على العشرة بالمائة الباقية والموجودة على الحدود بين البلدين وتعد وفق التقسيم البريطاني القديم الذي كان قد عزل الجنوب عن الشمال تدخل ضمن حدود الشمال.

وتعللت حكومة الجنوب بأن قبائلها موجودة في تلك المناطق، أو يوجد بها قبائل شمالية ولكنها ترغب في الانضمام إلى الجنوب، واختارت خلال فترة الوحدة حكاما لها يتبعون الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، مثل جبال النوبة التي انتخبت عبد العزيز الحلو واليا عليها، وولاية النيل الأزرق التي انتخبت عقار واليا عليها أيضا وكلاهما من حزب الحركة الشعبية، الحاكم الآن في دولة الجنوب.

وكانت عائدات النفط على الحكومة السودانية قد بلغت خمسة مليارات دولار عام 2010 وقد فقدتها الحكومة حاليا. وبلغ الإنتاج في الجنوب 350 برميل يوميا خلال عام 2011 قبل أن توقفه دولة الجنوب في نهاية الشهر الماضي بسبب الخلاف مع الخرطوم حول حصتها منه وعلى مصاريف النقل عبر الأنابيب.وقال الرئيس السوداني الشمالي عمر البشير ان الخرطوم تستحق 74 ألف برميل يوميا من النفط الجنوبي. وهو ما لا تعترف به جوبا.

ونتج عن دخول الشمال في أزمة اقتصادية بعد الانفصال بسبب حرمانه من عائدات النفط أن ارتفعت أسعار السلع وارتفع بالتالي معدل التضخم وانخفض سعر الجنية السوداني الجديد (والذي يساوي 1000 جنيه من القديم) بالنسبة للدولار، واتسع نطاق الاستياء الشعبي نتيجة تلك المستجدات.

وكانت حكومة الخرطوم قد أنفقت خلال الفترة من 2005 إلى 2010 حوالي مليار دولار على الجنوب لجعل الوحدة بين شطري الدولة جاذبة لسكان الجنوب وحتى لا يصوتون لصالح الاستفتاء وقد أهدرت هذه الأموال دون أن تحقق الهدف من إنفاقها. واعتبرت حكومة الخرطوم بأن حزب الحركة الشعبية قد خدعها وغدر بها، واتفق معها على استمرار الوحدة بينما كان يخطط ويسعى باذلا كل جهده لتحقيق الانفصال.

وفي نفس الوقت عرفت عدة دول في شمال أفريقيا ثورات ما عرف بالربيع العربي أطاحت برؤساء تونس ومصر وليبيا، وبدأ يتوق الشباب السوداني الذي يعاني من البطالة أو من ارتفاع تكاليف المعيشة في ثورات مماثلة للإطاحة بحكومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، محملا لها الفشل في تحقيق تنمية البلاد على مدى عشرين عاما من حكمها، وتحملها مسؤولية تقسيم السودان، فضلا عن سوء إدارتها لأزمة دارفور وفشلها في معالجة الأوضاع المتفجرة في شرق السودان والتي يثيرها مؤتمر البجة باحتجاجاته المتواصلة. ويتهم المعارضون الإدارة الحكومية بالفساد.

ويعول الجنوبيون على قيام ثورة تطيح بنظام حكم البشير ويقول في ذلك هاري فيرهوفن الباحث في جامعة أكسفورد “الربيع العربي جدد الفكرة القديمة عن أن الخرطوم تسقط، احتمال نشوب ثورة في الخرطوم زاد وبالتالي ازدادوا تصلبا، أي الجنوبيون.” ويتفق دبلوماسي عربي مع هذا الرأي قائلا “هناك اعتقاد داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان بأن البشير قد يسقط قريبا لذلك يمكنهم الانتظار على اتفاق النفط حتى يذهب.”

ولكنه قد لا يسقط أيضا مثلما يتوقعون ولا يجدون أموالا ينفقون بها على دولتهم التي تفتقر إلى الموارد المالية.

الأوضاع في دولة الجنوب

لا تتمتع دولة جنوب السودان بالاستقرار بسبب الصراعات القبلية الظاهرة والخفية التي قد تكشف عن نفسها في الوقت الملائم لها. وبينما تعمل جاهدة قبيلة الدينكا على الاحتفاظ بسيطرتها شبه الكاملة على الدولة وعلى الجيش فإنها تثير في نفس الوقت تبرم القبائل الأخرى من هذه السيطرة الذي يصل باستمرار إلى حد التمرد المسلح ضدها.

ويضم جنوب السودان ثلاث مجموعات عرقية، أولها: الزنوج النيليين:وهم الدينكا والنوير والشلوك والباري والأشولي والجور والأنواك، وثانيها قبائل نيلية حامية وهم: الباريا واللاتوكا والمورلي والإثنية الثالثة هي: السودانية الدار فورية: وتشمل الزاندى والفرتيت. وهو تقسيم يعد لغوي أكثر منه عرقي. فتفضيل هذه القبائل الزواج من خارجها أسهم في اختلاط الدماء وتشابه أو تقارب الصفات الوراثية.

وتعرف المجموعة الإثنية والثقافية التي تنتمي إليها الدينكا والنوير والشيلوك بمجموعة الشعوب الناطقة بـ اللو، والممتدة في أقاليم شرق أفريقيا (الذي يجمع قبائل المساي بكينيا وتنزانيا والتوتسي برواندا وبوروندي وبعض المجموعات البشرية بمالي والولوف بالسنغال، ويجمع بينها طول القامة الذي يصل إلى مترين وسواد البشرة الداكن.)

ومن أهم بطون الدينكا في جنوب السودان: النجوك وأبوك وأدوت والدينكا بور والنويك ملوال، وإلى عشيرة الدينكا بور ينتمي جون قرنق مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان وجيش السودان الجنوبي ذراعها العسكري الذي خاض به حربه الطويلة ضد الشمال.

وترددت أنباء نهاية الشهر الماضي عن اجتماع برئاسة سلفاكير في منزله بجوبا ضم قيادات من قبيلة الدينكا لوضع إستراتيجية جديدة للتعامل مع المجموعات القبلية من غير الدينكا لضمان استمرار سيطرة الدينكا على مقاليد الأمور بدولة جنوب السودان والحد من تزايد نفوذ القبائل الأخرى و تشديد الإجراءات تجاه قبائل الاستوائية والنوير والفراتيت والتدقيق قبل منح أفرادها جنسية دولة جنوب السودان والحد من تمثيلهم في العمل الخارجي والأجهزة الرسمية للدولة ومتابعة تحركات القبائل المناوئة للحركة لإخماد الحركات المتمردة من هذه القبائل.وأيضا ضرورة مراجعة وجود القبائل الأخرى من غير الدينكا في الجيش الشعبي بسبب الضرر الكبير الذي وقع على الأحوال الأمنية جراء وجود كمية من الأسلحة لدى النظاميين من أفراد هذه القبائل. ومنع اختراق دول الجوار للقبائل الحدودية المشتركة خاصة الزاندي والكاكوا مع الكنغو والأشولي مع أوغندا والتوركانا مع كينيا والأنواك والنوير والمورلي مع أثيوبيا.فضلا عن القبائل المشتركة مع السودان الشمالي.

كما أقرت تلك الإستراتيجية الاستعانة بالدول الصديقة للقضاء على القادة.المؤثرين من الثوار لتخفيف ردة فعل قبائلهم بدلاً من تحريك الجيش الشعبي لمواجهتهم. والاعتماد في ذلك أساسا على أوغندا وكينيا وإسرائيل.

ولأن أكبر القبائل النيلية عدد هي الدينكا والنوير ونتيجة توزيع كل منها على مناطق متباعدة في جنوب السودان، فقد سعت كل من القبيلتين في الآونة الأخيرة في تحسين مواقعها على الأرض وخاصة في المناطق التي توجد بها آبار البترول.

ويفسر هذا الصراع المسلح الذي نشب خلال شهر ديسمبر الماضي بين النوير والمورلي لكي يتم إزالة المورلي من طريق النوير الذين يحاولون الالتحام بالنوير شمال السوباط حول حقل بترول الوحدة لكي يدعم كل من الفريقين الآخر. ولكي تقوى شوكة النوير في حالة نشوب أي صراع مسلح بينهم وبين الدينكا، وذلك على الرغم من أنه تم تعيين رياك مشار من النوير نائبا لرئيس جمهورية الجنوب.إلا أن السيطرة شبه الكاملة على الحكومة كانت للدينكا، ورغم توافر نخبة متعلمة من جميع القبائل الأخرى فإن الدينكا تحرص على أن تكون وظائف الدولة في يد عناصر منها.

وقبل عام اشتبكت الدينكا مع الشيلوك حول مدينة ملكال التي أرادت الحصول عليها من الشيلوك وإزاحتهم عنها لكي يتواصل دينكا بحر الغزال مع دينكا شرق النيل الأبيض دون أن تكون الشيلوك حائلا بين هذا الوصل.

وكان باقان أموم أحد السياسيين المنتمين إلى الشيلوك وزير للسلام في الحكومة الاتحادية بالخرطوم قبل الانفصال وكان يسكن فيلا في حي المعمورة جنوب مطار الخرطوم من قبل، إلى جانب عمله كأمين عام لحزب الحركة الشعبية إلا أنه تم استبعاده عن حكومة جوبا بعد الانفصال، واحتفظ بمنصبه على رأس الحركة.

واحتجت أيضا قبائل الباري والباريا على اتخاذ جوبا عاصمة للدولة وبيع أراض حولها للأجانب بينما تعود ملكيتها لتلك القبائل وطالبت بنقلها.

ولذا تضمن محضر الاجتماع الأول لحكومة جنوب السودان بعد الاستقلال اتخاذ قرار بنقل العاصمة من جوبا إلى مدينة رامشيل الصغيرة الواقعة في ولاية البحيرات، التي تبعد نحو 200 كيلومتر شمال العاصمة الحالية وتسكنها قبيلة الدينكا بور.

ورفضت قبيلة بارى منح الحكومة نحو 40 كيلومترا مربعا لإنشاء المباني والمؤسسات الحكومية التي يتطلبها اتخاذ مدينة جوبا،عاصمة للبلاد. وقال وزير الإعلام الجنوبي أن الانتقال إلى العاصمة الجديدة سيكون بصورة تدريجية على مراحل، وقد يستغرق ما بين 3 أو 5 سنوات كحد أقصى، علما بأنه يوجد في جوبا حاليا أكثر من نصف مليون أوغندي من قبيلة التشولي وقوات أوغندية مدرعة تحتل ضفة بحر الجبل في المسافة ما بين نيمولي وجوبا وكانت قد دخلت المنطقة قبل عامين بدعوى مطاردة قوات حركة أنصار الرب المتمردة ولم تخرج بعدها ولم تحدث أي معارك بينها وبين الحركة.

دولة الجنوب إذن ولدت وتتقلب على ظهر صفيح ساخن وزاد من متاعبها مؤخرا تعرض أكثر من أربعة ملايين نسمة من سكانها الحاليين البالغ عددهم سبعة ملايين لمجاعة محتملة.

وذكر تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) وبرنامج الغذاء العالمي صدر الأربعاء أن عدد من لا تتوافر لهم إمدادات غذاء آمنة ارتفع من 3.3 ملايين شخص عام 2011 إلى 4.7 ملايين العام الحالي.

وقال التقرير إن من بين هؤلاء نحو مليون شخص عرضة لنقص شديد في الأمن الغذائي، وإن هذا العدد قد يتضاعف إذا استمر القتال واستمر ارتفاع الأسعار.

واعتبر مدير برنامج الأغذية العالمي في جنوب السودان كريس نيكوي الأمر “أزمة وشيكة ولا يمكن للعالم أن يستخف بها والوضع مأساوي، ونحن نبذل كل جهدنا للاستعداد لمواجهته، لكن الوقت يضيق”.

من جهته قال رئيس مكتب الفاو في جنوب السودان جورج أوكيه “ينبغي كسر الحلقة المفرغة للجوع والفقر. وهذا ممكن عبر مساعدة الناس على استئناف الزراعة وتربية الماشية ونشاطات أخرى تساعدهم على البقاء”.

ووجد التقرير أن نسبة الإنتاج القومي للحبوب تراجعت في 2011 بنسبة 25% عن المعدل في السنوات الخمس الأخيرة، وقدر عجز الحبوب في 2012 تقريبا بنصف الاستهلاك الإجمالي الذي تحتاجه الدولة هذا العام.

وقالت الوكالتان اللتان أعدتا التقرير عقب زيارة ميدانية للمنطقة إن هناك أيضا زيادة كبيرة في الطلب على الغذاء من أبناء جنوب السودان العائدين من الشمال والنازحين جراء الصراع.

وعطل إغلاق المعابر الحدودية التي تربط جنوب السودان والسودان إمداد السلع، كما تسبب ارتفاع أسعار الوقود وانخفاض قيمة الجنيه السوداني الجنوبي في ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتطلب الفاو لمواجهة هذه الحالة 23 مليون دولار من الدول المانحة.

والمشكل حاليا أن الدائنين الذين أبدوا استعدادا كبيرا لإقراض الدولة مقابل تسديدها للقروض من عائد البترول بدءوا يترددون اليوم في تقديم قروض لها بعد فقدانهم الثقة في الحكومة واعتبارها حكومة متورط كل عناصرها في الفساد، فضلا عن تبديد الأموال التي حصلت عليها من قبل دون أن يستفيد منها الشعب مما قد يجعل عائدات البترول مستقبلا لا تكفي لسداد أقساط وفوائد القروض.

هذه الأوضاع المتردية تغري حكومة جوبا بالتشدد مع جنوب السودان واستفزاز الشماليين للدخول معهم في حرب، ولكنها أيضا تتحسب من الخسائر المحتملة في الأفراد، وخاصة أن معظم جنود الجيش حاليا ينتمون إلى قبيلة الدينكا وفي تعرضهم لخسائر في الأفراد من شأنه أن يضعف القبيلة في صراعات محتملة لها مع قبائل الجنوب.وتهتم حاليا بالحصول على الطائرات المقاتلة وقد حصلت على مجموعة من طائرات الهليوكوبتر المقاتلة للمشاة والدبابات، وأكبر قدر ممكن من المدرعات، وحصلت بالفعل على كمية كبيرة من أوكرانيا بوساطة اسرائيلية، وعلى أنظمة الدفاع المدني المتطورة..وتحصل علي تلك المعدات العسكرية، مقابل قروض حيث لا يتوفر لديها حاليا المال الكافي وستزداد أزمتها مع إغلاقها الحالي لآبار البترول ووقف تصديره عن طريق الشمال. كما تخطط أن تتم المواجهة مع السودان من المتمردين السودانيين وتحمل الأنباء بأنه تم تجنيد 3000 طفل سوداني للقتال ضد جيش حكومة الشمال جنوب النيل الأزرق.

وفي حين تلح أوغندا وكينيا على حكومة جوبا لتصدير بترولها عن طريق خطوط أنابيب من حقول الإنتاج إلى ميناء لامو الذي أقامته شركة صينية من قبل قرب حدود كينيا مع الصومال لكي يتم تصدير البترول السوداني منه. إلا أن الحكومة في جوبا قد يتعذر عليها أيضا إيجاد ممولين مع الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خاصة وأن بعض التقديرات وصلت بتكلفة الخط إلى سبعة مليارات دولار، فضلا عن عدم إمكانية توفير الأمان له وعدم تفجيره.

هذا الوضع السيئ الذي تعيشه حكومة جوبا مع تحريضها على المغامرة العسكرية من قبل أوغندا وإسرائيل وما يبديانه من استعدادهما للمساندة العسكرية لها في الحرب ضد الشمال، كل ذلك كفيل بأن يدفعها للدخول في حرب مع الخرطوم، وقد تعول على ألا تطول وأن يتدخل مجلس الأمن ودول الجوار في الوقت المناسب لإيقافها، إلا أن الذي يشعل الحرب يفقد القدرة على إطفاء نارها وإذا كان يعرف متى يبدأها فهو لا يملك القدرة على تحديد موعد لنهايتها.

إن أي حرب تنشب الآن بين شمال وجنوب السودان لن تفضي لغير المزيد من الفساد في الأرض وسفك الدماء وتدمير اقتصاديات البلدين وعدم القدرة على إنجاز أية مخططات للتنمية تحسن من أوضاع الشعب المتدهورة سواء في الشمال أو الجنوب.

www.fawzymansour.com
———-
نقلاً عن ميدل ايست أونلاين

-- فوزي منصور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*