الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

شباب «هذه الأيام»

 نحتاج إلى تذكير أنفسنا بما يسمى «صراع الأجيال» أو «فجوة الأجيال» كلما رأينا ما لا يسرنا من سلوكيات شباب «هذه الأيام». ونحتاج إلى تذكير أنفسنا أننا عندما كنا أصغر سناً، سمعنا مراراً مَنْ هم أكبر منا وهم يشيرون بأصابعهم نحونا ويتحدثون بألم عن شباب «هذه الأيام».. وكنا يومها نعتقد أن أولئك الذين لم تعجبهم سلوكياتنا هم أناس منفصلون عن الحياة وعن متغيرات الدنيا لأنهم يريدون أن يعيشوا زمنهم وزمن غيرهم.

ومع أن عجلة الزمان تدور بلا توقف فإن التاريخ يعيد نفسه أيضا بلا توقف عندما يتعلق الأمر بصراع الأجيال.. فكل جيل يأتي حاملاً معه منظومته القيمية التي تختلف كثيراً أو قليلاً عن المنظومة القيمية للجيل السابق فيستمر صراع الأجيال إلى أن يرث الله الدنيا ومن عليها.. وتبقى عبارة «شباب هذه الأيام» خالدة عبر الأجيال لا تنمحي رغم تعاقب الأزمنة والظروف!

هذه حقيقة ثابتة لا جدال فيها لكننا ننساها عندما نغلظ النقد لشباب «هذه الأيام» بسبب أمور هي في حقيقتها شكلية جداً في بعض الأحيان سواء تعلقت بطريقة اللبس أو ما يؤكل أو ما يتعلق بالذوق الأدبي والفني.. وغير ذلك من الأمور المتغيرة التي لا يمكن أن تثبت على حال عبر الأزمنة وتغيُّر الأجيال.

وبقدر ما أن «صراع الأجيال» عملية مستمرة عبر التاريخ البشري فإن حدة هذا الصراع تتجلى في الأزمنة التي يتسارع فيها التغير التقني وغيره من التغيرات الجذرية والأحداث الكبرى كالحروب التي تؤثر بعمق على تركيبة المجتمع وعلى علاقاته مع غيره من المجتمعات.. ولهذا يمكننا أن نتوقع أن يكون صراع الأجيال في زمننا الحاضر ربما من أشد حالات الصراع بين الأجيال المتعاقبة عبر التاريخ حتى الآن بسبب عمق التغير الذي حدث في العقود الأخيرة في المجال التقني. ويكفي أن نتأمل ما فعلته بنا ثورة الاتصالات التي حطمت الحدود بين الدول والثقافات والأفراد لنعرف عمق الفجوة التي تفصل بين أجيال ما قبل الثورة الاتصالية وما بعدها.

إن نظريات التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وكتابات الفلاسفة والمفكرين وعلماء الدين مليئة بالتحليلات والمواعظ والإرشادات حول صراع الأجيال وامتصاص حدته.. لكن المؤكد أن هذا الصراع مسألة حتمية.. ومن ثم فإن السلام الاجتماعي يقتضي أن نتفادى ارتكاب الأخطاء التي ندرك الآن أن الأجيال السابقة قد وقعت فيها عندما حاول كل جيل أن يصادر حق الجيل الجديد في التعبير عن نفسه وفق مقتضيات وشروط زمانه وما حمله من متغيرات.

نحن بحاجة إلى أن نميز بين ما هو جوهري وما هو شكلي عبر تغيرات الزمن.. فالثوابت الدينية، على سبيل المثال، لا علاقة لها بتغير الأجيال فهي ليست من صنع البشر بينما تبقى أمورٌ كثيرة قابلة للتغير وليس فيها خطأٌ مطلق أو صوابٌ مطلق. ونحن أيضاً بحاجة إلى أن نكون أكثر تواضعاً فنعترف أن الأجيال الجديدة الطالعة تستوعب أكثر مما كنا نستوعب وتعرف أكثر مما كنا نعرف في أمور كثيرة عندما كان في شريحتهم العمرية..! أما إذا رأينا ما لا يسرنا من السلوكيات الخاطئة بالمطلق فعلينا أن نلوم أنفسنا لأننا لم نُحْسِن تربية الأجيال الجديدة التي هي نتاج ما رأته في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع.

alhumaid3@gmail.com
ص.ب 105727 – رمز بريدي 11656 – الرياض
—-
نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالواحد الحميد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*