الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مراحل التدرج في الحوار

مراحل التدرج في الحوار

سورة الكهف .. منهجيات في الإصلاح والتغيير

الإصلاح والتغيير فرض عين منذ اللحظة الأولى التي بها صار النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- رسولاً بقوله تعالى: “قُمْ فَأَنْذِرْ” (المدثر:2) فالدعوة إلى الله وحمل أمانة الإصلاح والتغيير فرض قبل الصلاة بعشر سنوات، وقبل الزكاة والصيام بخمسة عشر عاما، وقبل الحج بثمانية عشر عاما.

وسورة الكهف هي نسيج متكامل متوازن متدرج في الإصلاح والتغيير، فالقصص الواردة فيه هي عبارة عن تيار من الإصلاح من السيئ إلى الحسن ومنه إلى الأحسن، من خلال القصص التالية:

1- أصحاب الكهف.

2- الصاحبان.

3- موسى والخضر.

4- ذو القرنين.

 وجميع هذه القصص تشترك في كونها عبارة عن مشوار متدرج واضح المعالم في الإصلاح والتغيير، إما من السيئ إلى الحسن ثم الأحسن في القصص الثلاثة (أصحاب الكهف والصاحبين وذي القرنين)، أو من الحسن إلى الأحسن في قصة موسى والخضر.

ولكي نركز على المنهجيات لا التفصيلات لابد من ملاحظة ما يلي :

أولاً: هناك ثلاث قصص فيها صراع بين الحق والباطل وهي أصحاب الكهف، والصاحبان، وذو القرنين، وقصة واحدة فيها تعاون بين أطراف الخير وهي قصة موسى والخضر.

ثانياً: يبدأ الحق ضعيفاً، مظلوماً، مطارداً، مضطهداً، والباطل قويا، منتفشا، متغطرسا، يطارد حريات التدين، والحركة، والدعوة، والكلمة، و…..، وذلك في قصة أصحاب الكهف، حيث إن فتية آمنوا بربهم فتعرضوا للتهديد بالقتل رجماً إن لم يعودوا ــ مثل بقية الناس ــ عباداً لغير الله تعالى ويتضح ذلك في قوله تعالى: “إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا” (الكهف:20)، وأمام هذه الحالة ليس من الشجاعة أن يقف هؤلاء المستضعفون القلة عددا وعدة في مواجهة هذه الأنظمة القوية الفاسدة، بل الحكمة والشجاعة هي في اتباع منهج: “ولْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف:19)

منهج الإصلاح والتغيير

أعتبر أن هذه الآية هي آية المنهج في القصة، فهي تلخص المنهج في الإصلاح والتغيير في أية حالة تتكرر فيها هذه الظروف نفسها، ويعتبر تجاوزاً من الدعاة أن يتخطوا هذه الآية إذا انطبقت عليهم الظروف نفسها، وهذا ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرحلة المكية التي استأسدت قوى الكفر على جماعة الإيمان فأذاقوهم ألواناً من العذاب والمطاردة حتى لما هاجروا إلى الحبشة وكان المنهج آنئذٍ: “كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاة” (النساء 77)، وقتلت سمية بحربة في قُبُلها، وكذا زوجها قتل شهيدا، ولا يملك الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا قوله: “صَبْرَاً آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلى الْجَنَّةِ»1.، ولما استعجل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في رد الاعتداء قال: “لم نؤمر بذلك بعد”، على حين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد تغيير الظروف، وتعديل موازين القوى، فاجأ بني قينقاع بالغزو عندما كشفوا عورة امرأة مسلمة واحدة في سوق بني قينقاع في المدينة؛ لأنه هنا معه دولة وقوة، وحماية الأفراد جزء من سيادة وكرامة الدولة، والإمكانات القانونية والأعداد البشرية كلها توجب اتخاذ موقف مختلف، هذا مع بساطة جريمة كشف عورة امرأة مسلمة إذا قيست بقتل سمية بحربة في قُبُلها.

إن المندفعين اليوم في بلاد شتى لابد أن يُعيدوا قراءة المنهج الصحيح للإصلاح والتغيير في سورة الكهف مستلهمين الوسيلة المناسبة في الإصلاح التي تتوافق مع

1- جامع المسانيد والمراسيل، لجلال الدين السيوطي، الإكمال من الجامع الكبير، حرف الصاد: 5/72، أورده الألباني في فقه السيرة، ص103 من حديث جابر بن عبد الله، وقال: حسن صحيح

موازين قوى الحق والباطل، ولعله تفسير لقوله تعالى: (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) -هود: 121-123-، وهو ختام أكبرِ حشدٍ من قصص الصراع بين الحق والباطل في سورة هود .

منهج الدعوة في حالة التساوي

ثالثاً: في قصة الصاحبين هناك تساوٍ في السلطة – لا القدرات المادية والبشرية – بين الصاحبين، فهما أصحاب، بمعنى لا سلطان لأحد على الآخر وقد اختار أحدهما الكفر، واختار الآخر الإيمان.

وقد كان أمام الصاحب المؤمن مع الكفر البواح من صاحبه الذي قال: (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) (الكهف 35، 36)، منكراً قدرة الله على إهلاك حديقته، ونفي البعث والنشور، وأنه لو فرض وجود يوم القيامة فسوف يحتفظ بوجاهته وماله في الآخرة، قد كان أمام الصاحب المؤمن ثلاثة اختيارات:

الاعتزال، مثلما حدث من أصحاب الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) (الكهف:1)

الاعتداء باستعمال القوة، بأن يقوم بقتله أو ضربه أو نهره جزاء كفره وعناده .

الحوار والإقناع، وهذا بالضبط ما حدث ليكون منهج الدعوة في حالة التساوي في السلطة بين الأصدقاء، والشركاء، والجيران، والأعضاء في نقابة أو هيئة أو مؤسسة تكون الحقوق فيها متساوية، وهنا لا يجوز غير الحوار .

ولذا أعتبر أن الآية الوحيدة التي تعبِّر بصدق وواقعية عن منهج الإصلاح والتغيير هنا هي: “وَهُوَ يُحَاوِرُهُ” (الكهف: 34،37) وهي الكلمة الوحيدة المكررة مرتين في القصة حيث أظهر الكفر عند الحوار، فبادله صاحبه حوارا بحوار.

وهنا لا يصلح بحال أن يستخدم هذا الصاحب التواري والاعتزال والتخفي، كما لا يصلح أن يتجاوز صلاحياته وسلطاته في استخدام القوة في الإصلاح والتغيير، بل لا يجوز غير الحوار .

الحوار المفتوح مع المجتمع المدني

ويمكن التعبير عن ذلك بالحوار المفتوح مع مؤسسات المجتمع المدني، واستخدام الصلاحيات والفرص القانونية المتاحة بحكم قانون المواطنة، كي يقوم كل إنسان بواجبه في تحسين مجتمعه والارتقاء به من السيئ إلى الحسن ومنه إلى الأحسن، ولعل هذه هي الحالة الأكثر مناسبة للجماعات والتيارات والهيئات الإسلامية في عالمنا الإسلامي، بل وللأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة. وإنني أدعو جميع المسلمين في المجتمعات الغربية التي تتاح فيها أكبر مساحة من الحريات والحقوق المدنية أن يبادروا إلى فتح مؤسسات تقوم على فعل الخير ونفع الغير ــ مسلما ً أو غير مسلم ــ وتحاور أبناء المجتمع فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأن يشاركوا بفاعلية كبيرة في بناء مجتمعهم، وإيجابية تبنى على التعمير لا التدمير، والنفع لا الضر، والخير لا الشر، وأن يتركوا جميع الأعمال السرية التي يتبناها بعضهم .

 والحق أننا هنا لابد أن نستحضر حالة الحوار التي فتحت بين المسلمين المهاجرين إلى الحبشة والنجاشي ومن حوله، حيث أسلم وحسن إسلامه، وأصلح الله به قوماً كثيرين . وأيضا حالة الحوار التي فتحها النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية مع ملوك الأرض ورؤساء القبائل وقادة العشائر، مما وسع دائرة الدعوة والقبول لهذا الدين العظيم.

وإعداد النفس لهذه المرحلة من الحوار وتحويل الأعمال السرية إلى مؤسسات عامة تتحاور وتنفع الجميع هذا قطعاً له أساليبه التي تختلف عن منهج: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) (الكهف: 16) أو (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (الكهف: 19.(

رابعاً: في حالة ذي القرنين وصلت قوة الحق إلى الذروة، حيث قال سبحانه: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (الكهف:84)، هنا وجدت كل عناصر القوة والأسباب التي يستطيع بها أن يفعل ما يشاء (وفق المنهج الرباني)، وهنا تتضح الصورة المثالية للملك الصالح حيث: (أَتْبَعَ سَبَبًا) (الكهف: 89،92) أي استفاد من هذه الإمكانات الهائلة في الأخذ بالأسباب، والنزول إلى الناس في مغرب الشمس ومشرقها وما بين ذلك، ودخل إلى مناطق الأنهار والبحار والسدود، كي يحقق العدل في هذا الإعلان الواضح: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) (الكهف : 87،88) وهو أعلى مستويات الإصلاح والتغيير بأكبر الإمكانات المتاحة، واستخدام السلطة القضائية والتنفيذية لإقرار العدل ومكافأة المحسنين الصالحين .

وعندما يشكو قوم من ظلم يأجوج ومأجوج لا يكون الرد هو التلطف وعدم إشعار الناس بهم أو حوارا فقط، بل كان المنهج هنا: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) (الكهف: 95)، هذه القوة تمثل قوة العلم والمادة، قوة اتخاذ القرار، قوة البناء والعمران، قوة التصنيع والتصدير، قوة الحماية والرعاية، قوة البذل والعطاء، قوة فعل الخير ونفع الغير ومنع الشر، قوة مواجهة الظلم بزبر الحديد والسبائك المعدنية والأسلحة المتنوعة، لأن هاهنا دولة أو مملكة وصلاحيات وسلطات يجب استخدامها في الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، ونشر العدل بين الناس كل الناس بصرف النظر عن أديانهم وألوانهم وأجناسهم وقدراتهم بل لأنه إنسان يستحق التكريم كما كرمه الرحمن في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) (الإسراء:70.(

وهذا بالضبط ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة وتأسيس الدولة؛ حيث كان له خطاب مع المارقين مثل قوله بعد غزوة الأحزاب «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا» (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي، فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب: 2/111، حلية الأولياء لأبي نعيم، ص7/150-151)، وقتل مئات من ناكثي العهود والمواثيق من يهود بني قريظة، وعفا عن أهل مكة «اذهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (البداية والنهاية، صفة دخوله عليه السلام مكة: 2/292)، وعفا عن النساء والأولاد الذين أسروا من غزوة حنين، ولم يتصرف كما تفعل دول إسلامية برمتها كأنها جماعة مستضعفة في النظام العالمي الجديد.

ونستطيع استخلاص منهجية التدرج في الإصلاح والتغيير التي اشتملت عليها سورة الكهف من خلال هذا المنحنى:

 وإذا دققنا النظر في هذا المنحنى الصاعد فلا بد من ملاحظة ما يلي:-

1- يجوز لمن يتعرض للقهر والظلم والاعتقال والفصل والعزل والطرد والتشويه للسمعة والأذى في الأهل والمال والولد يجوز أن يأخذ موقف أصحاب الكهف في منهجية: }وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا{ (الكهف: 19)، ويكون المسئول الأول والحقيقي عن دفع هؤلاء إلى التخفي، واللجوء إلى كهف العمل السري هم هؤلاء الظلمة سواء كانوا أنظمة أو سلطات أو هيئات أو غيرها، ولا يجوز توجيه اللوم لهؤلاء الفتية الذين اختفوا بعد هذا التهديد والوعيد: }إنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا{ (الكهف: 20)، بل يوجه اللوم إلى من وصفهم الشاعر بقوله:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له**إياك إياك أن تبتل بالماء

ومهما بذلت الأنظمة في تشويههم إعلامياً فإن هذا يضاعف التعاطف معهم، لأن أي إنسان يتعاطف مع المظلوم سراً أو جهرا، وهذا هو الذي اضطر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يأتي إلى دار الأرقم، وتحرك بدعوته بين الأفراد والقبائل سرا، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يتخفى بصلاته في بيته، وكانت أم أيمن –رضي الله عنها- تتحرك بين نساء مكة داعية بسرية تامة، وتحسس أبو ذر رضي الله عنه أخبار النبي الجديد فأرسل أخاه، فلم يشف عليله ولم يرو غليله، فذهب بنفسه ورآه علي  رضي الله عنه  فأخذه إلى دار الأرقم بخطة سرية لا يحس بها أهل مكة، هنا يقع اللوم على كفار مكة وليس على سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- أو صحبه الكرام .

إطلاق الحريات

ولا حل لهذه الحالة سوى إطلاق الحريات ورفع القيود، وتخفيف المعاناة، وإنصاف المظلومين، ورعاية المقهورين، وعودة المفصولين، وإعطاء الحقوق المدنية في الانتخابات والترشيح للموقوفين، وإلا فنحن ندفع بالعمل السري الذي لا يستطيع أحد أن يعرف:-

– ما هي الأفكار التي تدرس من أعضاء التنظيم السري؟

– حجم الكراهية للمجتمع والسلطة التي تبث لأعضاء التنظيم؟ لأنهم فعلاً مقهورون!

– ما هي الخطط التي يعدها هؤلاء لإصلاح أو إفساد المجتمع؟

– ما مدى قوة هذا التنظيم عدداً وعدة؟

– ما المتوقع أن يحدث منهم؟

– هل يمكن تصويب الأخطاء ؟

– هل يكون تصحيح المسار من داخل التنظيم أو خارجه؟

وهي مخاطر على الدولة والسلطة الظالمة أن تتحمل مسؤوليتها في تهيج المجتمع، وترويع الآمنين من خلال بعض جماعات العنف التي استساغت العمل السري بسبب قهرهم وظلمهم .

2- لا يجوز بأي حال اللجوء إلى العمل السري إذا كانت الحريات متاحة، والحقوق مصانة، وحق الانتخابات والترشيح مكفولا، وحق تكوين الجماعات والأحزاب والمنظمات والاعتراض والتظاهر والاعتصام ــ بضوابط قانونية تمنع الإفساد في البلد ــ وحق التعليم والتوظيف، والمحاكم العادلة، والإنصاف عند المظلمة، لأن هذه هي حالة قصة الصاحبين، وهنا لا يجوز للأفراد والجماعات والهيئات أن تعتزل وتختفي تحت الأرض أو تظن أنها صارت دولة داخل الدولة، وسلطة داخل السلطة، بل يجب أن تحدد صلاحياتها في حدود أنها جماعة أو هيئة وليست دولة، ولا يجوز هنا تعيين القضاة، وإقامة الحدود داخل الجماعة أو الهيئة، ولا تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر إلا من خلال نافذة الحوار؛ لأنها هي النهج الوحيد الصحيح، ولابد أن يكون هذا الحوار في أرفع درجات الارتقاء عن السباب والقذف واللعن والاتهام دون أدلة ولعل أرقى مستوى يلتقي عليه المتحاورون هو قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سبأ: 24)، وقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وروى مسلم بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق: 16/125).

هذه المرحلة هي التحدي الأكبر للغيورين على الإسلام أن يتأهلوا على النحو التالي:-

– دراسة الإسلام بأبعاده كلها العقدية والخلقية والتشريعية في العبادات والمعاملات.

– دراسة المجتمع الذي يتحركون فيه من حيث التاريخ والواقع والتحديات والآلام والآمال، والقوانين ذات العلاقة وعناصر القوة والضعف والفرص والتهديدات.

– دراسة أرقى الوسائل المتنوعة للوصول لجميع شرائح المجتمع.

ويلزم هنا أن يكون هناك سقف واضح وهو عدم جواز استخدام القوة للإصلاح والتغيير مع الأفراد والجماعات والدولة مهما كان حجم الفساد.

3- إذا أتيحت للإنسان سلطة في بيئته وأسرته، أو مدرسته وجامعته، أو مؤسسته وشركته، أو وزارته وهيئته، أو حكومته ودولته، لابد أن يرتقي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دائرة القول إلى العمل، ومن الحوار إلى استخدام القوة والسلطة والصلاحية في الإصلاح والتغيير، ولا نكتفي بالشجب والبيانات والإدانات لأن هذه فقط للجماعات والهيئات، وليست لذوي السلطة والصلاحيات، وهكذا فعل ذو القرنين حيث قال: {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى{ (الكهف:87-88)، ومنع ظلم يأجوج ومأجوج بالقوة المتاحة له.

ومن هنا كما لا يُقبل بأن توجد جماعات تتعامل كأنها دولة ذات سيادة داخل الدولة، فلا يُقبل أيضاً أن تتعامل الدول مع المظالم العالمية كأنها جماعات مستضعفة في النظام العالمي الجديد.

ولابد هنا من شيء من التفصيل:

– لا يجوز لطالب في الفصل أن يعاقب طالبا أساء إلى طالب آخر، أو أستاذ  قصر في واجباته، لكن هذا ما يجب أن يفعله المدرس أو إدارة الفصل، أو المدرسة عندما يسيء طالب أو أستاذ .

– لا يصح لرجل أن يفرض على امرأة متبرجة في الطريق أو زميلته في العمل لبس الحجاب، فإن هذا واجب على وليها زوجاً أو أباً أو أخاً بأن يقنعها بالحجاب قولاً، وأن يلزمها به فعلاً.

– لا يجوز لطالب أن يمنع طالبة أن تجلس إلى جوار زميلها في احتكاك لا يجوز في الفصل الدراسي أو غيره، فإن هذا واجب على الأستاذ المعلم أو مدير المدرسة أو عميد الكلية أو المعهد أو رئيس الجامعة، وأن واجب الطالب فقط هو النصح والإرشاد مثل الصاحبين .

– لا يستطيع الابن سوى نصح أبيه برفق أن يترك الربا والغصب أو السرقة والاختلاس، لكن الأب ملزم بأن يطلب من ابنه ترك الربا أو الغصب أو السرقة.

– يجوز للشركات والهيئات والجماعات أن ينص نظامها الأساسي على حل الخلافات عن طريق التحكيم الشرعي، بينما لا يجوز لهم تنصيب القضاة للفصل في الخصومات، أو تعيين الشرطة لتنفيذ الأحكام؛ لأن هذا مما تختص الدولة به إن قامت به أُجِرت، وإن لم تفعل أثم القائمون عليها.

هذه بعض أمثلة من واقعنا اليومي تساهم في بيان منهجية التدرج في الإصلاح والتغيير من خلال قصص سورة الكهف.

ولعل هذه الرسومات توضح تغير منهجية الإصلاح وفقاً لموازين القوة، وكيف أن التزام هذه المنهجية يؤدي إلى مضاعفة قوة الحق، وإضعاف الباطل.

—–

المصدر : موقع علامات أونلاين بتصرف في العنوان

-- أ.د. صلاح الدين سلطان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*