الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إبادة الأرمن المزعومة

إبادة الأرمن المزعومة

بعد مصادقة مجلس الشيوخ الفرنسي على قانون تجريم من ينكر إبادة الأرمن المزعومة – سأشرح لماذا مزعومة – وجدنا أنفسنا ننهمك في نقاشات طويلة حول مشروعية القانون وحول حرية التعبير وحول ما يكمن من عداء تجاه الإسلام والمسلمين في نفوس الأوروبيين بشكل عام وفي نفوس الفرنسيين بشكل خاص، لا سيما العلمانيين منهم؛ حيث لم ننسَ قانون منع الحجاب في فرنسا التي تعتبر مهدا للديمقراطية!!

أحب أن أوضح موضوع الإبادة قبل نقاش قانون التجريم الذي يهدف به الرئيس الفرنسي إلى جذب الأصوات الأرمنية وتصعيد الإسلاموفوبيا وسد أبواب الاتحاد الأوروبي أمام تركيا والتنافس في العالم الإسلامي وتشويه سمعة تركيا.

هل كانت هناك حقا مجازر وصلت إلى حد الإبادة ضد الأرمن أم أنها كانت عبارة عن دعاية سياسية؟

أولا وقبل كل شيء: ينبغي أن نذكر أن الأحداث التي وقعت سنة 1915، والتي يزعم البعض أنها إبادة، إنما وقعت أثناء الحرب العالمية الأولى، أي وقعت في ظروف حربية استثنائية.

ثانيا: إننا نعرف يقينا أن آلافا من الأرمن قد لقوا حتفهم في أحداث سنة 1915، لكننا نعرف أيضا أن آلافا من المسلمين، أتراكا وأكرادا، قد لقوا حتفهم على أيدي عصابات أرمنية كانت تتحرك في تلك المناطق.

ثالثا كما سأشرح أدناه: إن تلك الأحداث لم تكن إبادة قط ولا يمكن توصيفها بالإبادة أبدا. إنما كانت هناك غارات أرمنية على قرى مسلمة بتضامن مع الروس ونقلهم – الأرمن – وإبعادهم إبعادا مؤقتا من منطقة الحرب إلى الجنوب حفظا لدماء المسلمين ومنعا لتضامن الأرمن مع الروس الذين يحاربون الدولة العثمانية آنذاك، علما بأن عدد المواطنين العثمانيين الأرمن الذين حاربوا في صفوف الجيش الروسي ضد العثمانيين كان يقرب من ثلاثمائة ألف أرمني.

رابعا: المسؤولون (حزب الاتحاد والترقي) عن أحداث 1915 هم الذين استولوا على الحكم بانقلاب عسكري ثم أدخلوا الدولة في الحرب العالمية الأولى باتفاق سري مع الألمان. وتسببوا في وقوع تلك الأحداث التي أنتجت آلاف القتلى من الأرمن والمسلمين، والأهم من ذلك تسببوا بانهيار الدولة العثمانية التي عاشت طوال ستة قرون؛ لذا أنا لا أدافع عنهم، بل أعترض على تحميلهم وحدهم المسؤولية كلها. مع الإشارة إلى أنهم برأيي لم يكونوا يمثلون لا الدولة العثمانية وسياساتها ولا المسلمين ومبادئهم. لكنني أدافع عن الحقائق التاريخية بشكل موضوعي وعادل. صحيح أن حزب الاتحاد والترقي أخطأ، لكنه لم يقصد هو الآخر، على الرغم من كل مسؤوليته السياسية والأخلاقية، إبادة الأرمن؛ وذلك كونهم أصدروا قرار نقلهم إلى جنوب البلاد لمدة معينة.

تعالوا نُلقِ الضوء على أحداث 1915 حتى نرى الحقائق ثم أنتم أيها القراء الأعزاء قرروا أهي كانت إبادة أم لا.

ثبت تاريخيا أن الأرمن كانوا يقطنون في أراضي أناضول قبل الأتراك.

تعرف الأرمن على الأتراك في عهد العباسيين سنة 851 عندما فتحت الأراضي التي يسكنها الأرمن على يدي القائد التركي بُغا الكبير، لكن الأمر لم يستقر فيها، فقام الأرمن بعصيان بعد آخر وحاربوا العباسيين. ضمانة للاستقرار فيها أعلن العباسيون عاشوت بن سيمباط ملكا لهم ومدينة آني عاصمة.

بعد فترة لما رأى الأرمن ضعف العباسيين انحازوا إلى بيزنطة وهناك تحرك السلطان السلجوقي ألب أرسلان لمحاصرة وفتح العاصمة آني مجددا سنة 1064.

بعد هذا عاش الأرمن مع المسلمين تحت حكم السلاجقة والعثمانيين في أمن واستقرار. وكان هذا التعايش مثاليا إلى درجة أن الغربيين وصفوا الأرمن بأنهم الأتراك النصارى؛ حيث كانوا يعطون الأولوية لعادات وتقاليد تأثروا فيها بالأتراك إلى درجة بات يقال معها إنه كان من الصعب لمن ينظر من الخارج التفريق بين من هو أرمني ومن هو تركي. من أجل ذلك كان الأرمن يوصفون بـ«الملة الصادقة» ويؤتمن عليهم إلى درجة تسليم الوزارات وخزانة الدولة ووظائف مهمة عالية. وكان الأرمن يعيشون في أمن وأمان مع جيرانهم المسلمين من أتراك وأكراد وطوائف أخرى متعددة.

ما الذي حصل حتى أدى الأمر إلى تهجيرهم؟

بعد منتصف القرن التاسع عشر نرى تحركا في صفوف الأرمن تجاه الدولة العثمانية، وذلك بدوافع خارجية وبواسطة مبشرين بريطانيين وأميركيين وفرنسيين وبدافع روسي بشكل خاص.

وباستفزاز غربي وروسي أسست جمعيات وأحزاب تهدف لإقامة دولة أرمنية مستقلة، ابتداء بتشكيل مجموعات وعصابات تشن الغارات على المسلمين.

جمعية الصليب الأسود (1878) والحزب الأميركي للثورة (1885) وحزب خينجاق للثورة (1887) وجمعية طاشناق سوتيون (1890)، وهي الحزب الحاكم حاليا في أرمينيا. هذه الجمعيات قامت بتنفيذ هجمات واعتداءات استهدفت القضاء على الصداقة القوية بين الأرمن والمسلمين. حتى وصلت العمليات الإرهابية إلى أن خططوا لاغتيال السلطان عبد الحميد سنة 1905 بعبوة ناسفة مؤقتة ونجا السلطان من الموت بتأخره عن ركوب العربة دقائق.

لم يكتفوا بهذا القدر، إنما واصلوا غاراتهم الإرهابية وقاموا بمجازر كثيرة وفقدت الثقة بهم تماما. انحازوا إلى روسيا بعد الحرب القائمة بين الروس والعثمانيين سنة 1877 ولما انتهى الأمر إلى هزيمة العثمانيين وصل الروس إلى مشارف العاصمة إسطنبول واضطر العثمانيون إلى توقيع اتفاقية صعبة الشروط تتقدمها المادة 61 التي تعتبر مادة وضع حجر أساس للدولة الأرمنية.

وحاول الأرمن، بعد ذلك، عدة مرات، القيام بعصيان مسلح – يمكن الاطلاع على التفاصيل في الكتب التاريخية؛ حيث لا مجال لنا للتفصيل هنا.

وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى وأخذت القوات الروسية تتوغل في الأراضي العثمانية وسَّعت هذه الجماعات عملياتها الإرهابية وأغارت على القرى المسلمة المحرومة من الدفاع وقاموا بمجازر رهيبة وقتلوا آلافا من المسلمين الأبرياء العزل.

وفي الوقت نفسه حاربوا دولتهم عبر القتال في صفوف الجيش الروسي، وكان عدد القتلى المسلمين على أيدي الأرمن والجيش الروسي المدعوم من طرف الأرمن 120 ألف مسلم.

الدولة العثمانية تحارب في عدة جبهات، منها: الجبهة الشرقية تجاه الروس، والأرمن منهم من لحق بالجيش الروسي يحارب العثمانيين، ومنهم من يقوم بغارات وهجمات تستهدف القرى المسلمة العزلاء، أي أن الدولة العثمانية وجدت نفسها أمام خيانة أرمنية شاملة تحاربها من الداخل والخارج.

أي دولة تسمح لجماعات بمحاربتها من الداخل بعصابات ومن الخارج بالانضمام إلى الجيش المعادي؟ وماذا تفعل دولة تجد البعض من مواطنيها يقاتلونها على هذا النحو من الداخل والخارج؟

بعدما تبين أن الأرمن يتضامنون ويتعاونون مع الجيش العدو من جهة ويجرون غارات على المسلمين العزل اتخذت الدولة تدابير عدة، منها إبعاد بعض الأرمن عن المناطق الحساسة، فأصدرت الدولة قانونا لنقل الأرمن من منطقة المعارك صونا لحياة المسلمين وتخلصا من دعم الأرمن للقوات الروسية، وكان عبارة عن قانون مؤقت لنقلهم إلى جنوب البلاد وإسكانهم هناك إلى أن يستتب الأمن ثم يعودون إلى أوطانهم.

بدأ نقل الأرمن في مايو (أيار) 1915 وانتهى في أكتوبر (تشرين الأول) 1916.

أثناء هذا النقل عانى الأرمن كثيرا ومات الآلاف نتيجة المرض والأوبئة، وكذلك قتل عدد كبير نتيجة هجمات عصابات، وذلك في ظروف الحرب العالمية الأولى، التي كانت الدولة العثمانية تحارب فيها على عدة جبهات بإمكانات ضئيلة جدا.

مع ذلك بإمكاناتها المحدودة بذلت الدولة قصارى جهدها لنقل الأرمن إلى الجنوب في أمان وكُلف عدد من الموظفين والعسكريين بإجراء النقل. ولما كشفت الدولة عن سوء معاملة بعض الموظفين للأرمن عاقبت نحو 1400 موظف بعقوبات شتى.

وهنا نسأل: كيف تقوم الدولة بإبادة وهي تعاقب موظفيها لسوء معاملتهم؟

وإلى جانب ذلك شكلت الدولة لجانا لتسجيل أموال المنقولين لكي تعيدها إلى أهلها عند العودة أو عند وصولهم إلى الجنوب.

ونسأل أيضا: كيف تقوم الدولة بالإبادة وهي تعتني بالحفاظ على أموال هؤلاء لإعادتها؟

ولو كانت نية الأتراك العثمانيين وقتها هي الإبادة لاستولوا على أملاك الأرمن وهجروهم كلهم. بالعكس، حافظت الدولة على أموالهم ولم يهجروا جميعهم بل نقل الأرمن من الولايات الشرقية فقط ولم يزعجوا الأرمن المقيمين في غرب البلاد.

فهل هذه الإجراءات تعتبر إبادة؟

وإضافة إلى كل هذه الإجراءات نرى الدولة العثمانية تقيم معسكرات في طريق النقل ومشافي لتسهيل النقل وتقديم خدمات صحية وغذائية.

وفي 22 ديسمبر (كانون الأول) 1918 أصدرت الدولة تعليمات لعودة المهجرين؛ حيث انتهت الحرب ولم يبق هناك أي سبب لبقاء الأرمن في المهجر، وخصصت الدولة ميزانية في تلك الظروف القاسية لصرفها في عودة الأرمن إلى أوطانهم. وكان المبلغ المصروف لتسهيل عودة المهجرين 120 مليون ليرة تركية، ما يقابل اليوم مليار دولار تقريبا. وحسب الإحصاءات الرسمية عاد قرابة 200 ألف أرمني إلى أوطانهم.

كيف تقيم الدولة إبادة وهي تصرف لعودة المغادرين ملايين الليرات؟

وإذا قسنا نقل الأرمن وإسكانهم مؤقتا في الظروف الحربية بالإجراءات التي لخصتها اتفاقية الإبادة التي اعتُرف بها في الأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1948 لا يمكن توصيف نقل الأرمن بالإبادة أبدا.

أما بالنسبة إلى الأرقام التي تدور في الإعلام والتي تدعي أن عدد القتلى يصل إلى مليون ونصف المليون فهي غير صحيحة أصلا؛ فهي عبارة عن دعاية أرمنية مدعومة من الغرب لتضليل الرأي العام، وذلك الادعاء يعود إلى دعاية أرنولد توينبي الإنجليزي الذي اعترف به في مذكراته. الإحصاءات كلها تتفق على أن عدد الأرمن الذين يعيشون في الأراضي العثمانية كان قرابة مليون ونصف المليون نسمة. والرقم الأكبر في عدد الأرمن 1.698.000 نسمة، حسب قول جوستين ماك كارتي. ولو قبلنا هذا الرقم الأكبر صحيحا لوجدنا أن ادعاء 1.500.000 قتيل كذب واضح وضوح الشمس.

لو قتل مليون ونصف المليون ينبغي أن يبقى قرابة مائتي ألف أرمني على قيد الحياة. والحقيقة غير ذلك؛ لأن عدد الأرمن سنة 1919 مليون وأربعمائة ألف نسمة بإجماع الإحصاءات.

كيف يقتل مليون ونصف المليون من مليون وسبعمائة ويبقى مليون وأربعمائة ألف أرمني؟ أليس هذا تناقضا؟

حسب الإحصاءات العثمانية كان عدد الأرمن نحو مليون ونصف المليون نسمة، وعدد المفقودين أثناء النقل قرابة ستين ألف أرمني. وهناك من لم يسجل في قائمة المهجرين في تلك الظروف؛ لذلك قد يصل عدد المفقودين، أكثر شيء، إلى مائة ألف. وإذا كان عدد الأرمن سنة 1919 مليونا وأربعمائة ألف فمعنى ذلك أن عدد المفقودين لا يتجاوز مائة ألف أرمني. ومعنى هذا أن قتلى المسلمين أكثر من قتلى الأرمن!

هذه الأرقام أذكرها لنرسم الصورة بشكل موضوعي. ولا نفرح لقتل أحد أبدا، نحن آسفون على القتلى، سواء أكانوا من الأرمن أم من الأتراك المسلمين.

هناك أوجاع يتألم بها الأرمن كما يتألم بها المسلمون، أقول «مسلمون» ولا أقول «أتراك»؛ لأن عصابات أرمنية لم تفرق بين أتراك وأكراد، إنما قتلت المسلمين بلا تفريق بينهم.

خلاصة القول: نحن آسفون لقتلى الأرمن، وينبغي للأرمن ومن يدافع عنهم أن يأسفوا لقتلى المسلمين أيضا.

ويجب أن نعرف أنه لم تكن هناك إبادة أبدا، إنما كان نقل الأرمن (الذين منهم من دعم جيش العدو، ومنهم من قام بعمليات إرهابية)، وإسكانهم في جنوب البلاد لزمن مؤقت. وأثناء النقل لقي عدد كبير من الأرمن حتفهم بسبب أمراض سارية وبغارات عصابات. ويجب أيضا أن نكون موضوعيين عندما نلقي الضوء على الأحداث، وكذلك يجب أن نكون عادلين في الحكم بينما ننظر إلى ما بعد النقل يجب أيضا أن ننظر إلى ما قبل النقل.

وأنا ألوم المسؤولين يومها لوما يفوق لوم الأرمن؛ لأنهم تسببوا بانهيار الدولة العثمانية العظيمة وتسببوا بابتعاد الأتراك عن العالم الإسلامي. وكان غضب الشعب شديدا جدا ولم يستطع أحد منهم أن يعيش في تركيا وكل واحد منهم فر إلى بلد ناءٍ وكلهم لقوا حتفهم على أيدي الأرمن!!

———–
نقلاً عن الشرق الأوسط

* نائب سابق في البرلمان التركي

-- رسول طوسون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*