الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جذور الجماعات الجهادية في آسيا الوسطى

جذور الجماعات الجهادية في آسيا الوسطى

عمل المتطرفون في آسيا الوسطى على مدى سنوات عديدة على تحويل أنشطتهم من أعمال سرية منظمة إلى أنشطة علنية، وذلك عبر نشر المعلومات والتجنيد وتنفيذ الهجمات على الدولة.

إلى ذلك، بدا جلياً أن آسيا الوسطى أصبحت محط انتباه المنظمات الإرهابية الرئيسة التي اعتبرت دول تلك المنطقة الأضعف على صعيد الحوكمة والاقتصاد والبنى التحتية، ولا سيما طاجيكستان وقرغيزستان واوزبكستان.

وفي حين شهدت مدينة خوجاند في طاجيكستان هجوماً انتحاريٍاً ومدينة بشكيك الرياضية في قرغيزستان انفجاراً إرهابياً، تمكنت اوزبكستان أن تتفادى وقوع أي اعتداء خلال الموسم الماضي.

ولم يسارع أي من المنظمين الاعتياديين لمثل هذه الأعمال الإرهابية، أي الحركة الإسلامية في اوزبكستان واتحاد الجهاد الإسلامي، في الإعلان عن مسؤوليته عن تلك الاعتداءات. وفي قيرغيزستان، وللمرة الأولى، أعلنت السلطات رسمياً وقوف القاعدة خلف الاعتداء.

ويرى محللون استخباراتيون أن الهزائم التي واجهتها القاعدة في أماكن أخرى من العالم، إضافة إلى رغبة التنظيم في دعم المتشددين في دول آسيا الوسطى، شكلا عاملين دفعا بالقاعدة إلى التركيز مجدداً على تلك المنطقة.

وفي أحداث أخيرة، اتُهمت القاعدة وبعض عناصر المعارضة الطاجيكية المتحدة بالمشاركة في الاشتباكات العرقية التي وقعت في مدينة أوش الصيف الماضي، وفقاً لما أعلنه رئيس لجنة الأمن القومي الطاجيكي كينيشبيك دويشبايف. وتضم المعارضة الطاجيكية مئات العناصر الذين شاركوا في الحرب الأهلية الطاجيكية في تسعينيات القرن الماضي.

وقال دويشبايف إن نجل الرئيس السابق كرمان بك باكييف المدعو مكسيم وزانيش باكييف (شقيق الرئيس) التقيا بمفاوضين وقادة ميدانيين من الحركة الإسلامية في اوزبكستان والقاعدة والطالبان والمعارضة الطاجيكية المتحدة في شهر مايو/أيار في بلدة باخوراك بمحافظة بدخشان في أفغانستان. وقد اتفق المجتمعون على “مساعدة الحركة الإسلامية بزعزعة استقرار قرغيزستان مقابل مبلغ 30 مليون دولار تعهد مكسيم وزانيش بدفعه”.

وبعد هذا الاتفاق، قام 15 متشدداً محترفاً على الأقل، وبينهم قناصين وصانعين محترفين للألغام والعبوات، بدخول قرغيزستان عن طريق باكستان، وفق ما ذكره دويشبايف. وقضت مهمتهم بالقضاء على أسس المجتمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإشعال فتيل سلسلة من الصراعات العرقية والدينية، وأخيراً مساعدة إرهابيين آخرين في الإطاحة بالسلطات القيرغيزستانية بهدف إنشاء خلافة جديدة. ولا تعرف لجنة الأمن القومي الطاجيكي إلى أين اتجه هؤلاء المتشددون بعد الأحداث التي شهدتها مدينة أوش في يونيو/حزيران.

وقد وجهت الحكومة في قرغيزستان إلى مكسيم وزانيش باكييف تهمة التحريض على العنف على خلفية تلك الأحداث، إلا انه لم تتم بعد محاكمة الرجلين.

وبعد فترة غير طويلة، وفي لقاء جرى في جنوب وزيرستان، توصل ممثلون عن معظم الجماعات الإرهابية في المنطقة بالإجماع إلى إعلان قرغيزستان المكان المثالي لتنفيذ مخططاتهم التخريبية.

علاقة الحركة الاسلامية في اوزبكستان واتحاد الجهاد الاسلامي بالقاعدة

لا يزال موقع الحركة الاسلامية في اوزبكستان غير واضح في آسيا الوسطى. وتعتمد الحركة الاسلامية واتحاد الجهاد على تنظيم القاعدة وإن الجماعتين مستعدتان لتنفيذ المهام التي يحددها التنظيم، بحسب ما يقول محللون.

ومن غير الواضح ما إذا كانت الحركة الاسلامية تهدف إلى تقويض النظام الدستوري في البلدان الثلاثة، غير أن متشددين من الحركة لا يولون التنظيم ثقتهم الكاملة بعد فشل عمليات قتالية مشتركة مع الطالبان في أفغانستان وباكستان.

والمرجح هو أن قادة كل من الطرفين يحاولون تفادي الصراع مع بعضهم البعض وإيجاد أرضية مشتركة مع الجماعات الارهابية الصغيرة التي تشاركها الأهداف والخطوط الأيديولجية نفسها. وقد شكلت تفجيرات بشكيك وخوجند دليلاً دامغاً على وجود تلك الجماعات.

والحركة الاسلامية في اوزبكستان تملك عنصراً لا يتوفر لدى القاعدة ويتمثل في العدد الكبير للمخيمات في جبال قرغيز الجنوبية وفي غورنو بدخشان أوبلاست في طاجيكستان.

واجهة مبنى مجلس الوزراء في مدينة طشقند والأضرار التي لحقت بها إثر تفجير
 

فهناك يقيم الارهابيون بين فترات خروجهم الدورية، وهناك اختفى أثر المتشددين الطاجيك بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1997، وإلى هناك أيضاً هرب متشددون من الحركة الاسلامية بعد اعتدائهم على باتكن أوبلاست في قرغيزستان منذ 12 سنة. ويواجه المسؤولون الأمنيون المحليون صعوبة في تطهير المنطقة بسبب طبيعة الأرض الصعبة والشاهقة، والتي تصل بعض مرتفعاتها إلى 7000 متر فوق سطح البحر، بالرغم من المحاولات الدورية لحرس الحدود الطاجيك التي عادة ما تبوء بالفشل.

جذور الارهاب تمتد في “الإسلام الخاطئ”

إن الارهاب يستمد جذوره في الشباب غير المثقفين الذين يقعون تحت سحر “الإسلام الخاطئ” الذي يبشر بعدم التسامح. وإن طاجيكتسان التي تتشارك مع افغانستان حدوداً جغرافية طويلة، تتخبط في بحر من معتنقي الدين غير المثقفين لا بل المستعدين لحملات التجنيد التي يجريها الارهابيون ومخيمات التدريب التي يقيمونها في افغانستان وباكستان والشيشان وطاجيكستان نفسها.

وعلى المستوى الرسمي، ما من تبادل لطلاب المدرسة أو الدراسات الدينية بين افغانستان وباكستان. لكن عدد الشباب الذين يسافرون إلى باكستان للدراسة لا يحصى. ومن الأمثلة على ذلك، سافر والد مشياً على الأقدام مع ابنه من طاجيكستان عبر أفغانستان لتسجيل ابنه في مدرسة متطرفة في باكستان.

هذا ولا يغيب الأئمة المتطرفون عن آسيا الوسطى. ففي ديسمبر/كانون الأول، أقيل إمام في مدينة أوش من منصبه في أحد المساجد، إذ كشف مسؤولون أمنيون عن أنه تلقى تدريباً في أحد مخيمات الحركة الاسلامية في اوزبكستان ودرس في مدارس أجنبية وأدى عظات اتسمت بالتشدد. هذا وتمت الإفادة عن عدد من الحالات المشابهة في طاجيكستان.

وفي وقت لا ترد أي إحصاءات دقيقة عن عدد الشباب الذين تم تجنيدهم، فإن عدداً من المتشددين الذين تركوا الحركات الارهابية، قالوا إن مرة أو مرتين في الشهر كانوا يشهدون مجيئ عدد من المجندين الجدد في قواعد التدريب الإرهابية. وقد يصل عدد المجندين الجدد في كل مجموعة إلى 30 عنصراً. وباعتبار عدد القواعد الإرهابية التي تصل إلى العشرات في طاجيكستان وحدها، فإن الأرقام هائلة.

تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن المتشددين الذين قرروا تسليم سلاحهم، يجدون أنفسهم ملاحقين ويضطرون إلى الاختباء وعائلاتهم. والقليل منهم تمكن من النجاة.

مسؤولية الحكومات أن تعي مواطئ ضعفها

على الحكومات في آسيا الوسطى أن تعي نقاط ضعفها الخاصة. ويفيد محللون في مجال مكافحة الارهاب والدفاع عن حقوق الانسان بأن أحد الأسباب الرئيسة للتطرف هي غياب الفرص الاقتصادية وعدم الرضا عن الحكومات القائمة. فالناس غير راضين عن التضخم والفساد ومستويات العيش المتدنية وعدم توفر الكهرباء وشح المياه. ومع أن السطات الرسمية وضعت خططاً لتحسين الأوضاع المعيشية إلا أن سرعة تقدمها غير كافية.

وإن عواصم البلدان الثلاثة التي تناولناها تعيش حتى الآن وضعاُ مستقراً، غير أن سكان البلدات والقرى غير ممتنين لوتيرة التمدن البطيئة. ففي وقت يخسر الرئيس الأوزباكستاني إسلام كريموف والطاجيكي إيمومالي راخمونوف أي اعتبار في نظر سكان القرى، لا تزال السلطات في قرغيزستان بعيدة عن نيل مصداقية أمام شعبها. هذا ويزيد غياب الحوار المنتظم بين قادة المناطق من حدة الموقف.

حتى الآن، لا يسعنا الكلام عن القاعدة ووجودها في آسيا الوسطى إلا باعتبار أنها تتعرف على المنطقة وتسعى في جهودها لإقامة اتفاقات مع “زملائها”. وإن أي دليل على دعم مادي من القاعدة إلى التنظيمات الإرهابية تلك لم يظهر بعد، غير أن ذلك لن يحتاج إلى الكثير من الوقت. ومن ناحية أخرى، فإن انتقال المتشددين من تنظيم إلى آخر مؤكد بالفعل، لا سيما مع السفر الدائم لمقاتلين ورجال دين متشددين.

وما نعرفه هو أن الحركة الاسلامية في اوزباكستان مستعدة للقتال باسم القاعدة والقاعدة مستعدة بالمثل. وإن الإرهابيين يقومون بتجنيد الشباب من قرغيزستان وطاجيكستان واوزبكستان وحتى كزخستان. وقد أصبح من العادي أن تتشارك الجماعات الارهابية مجموعات من المرتزقة. وهذا أمر يصب في مصلحتها لا سيما وأن المرتزقة لا يهمهم العميل ولا الضحية، بل يضعون عنواناً لأعمالهم مشيئة الدين والله.

تعدّ يفجنيا نورنسكايا لشهادة دكتوراه بالعلوم السياسية من جامعة قرغيز الوطنية، وقد تخرجت من جامعة جوسوب بالاساجين الوطنية بتركيز على الدراسات الشرقية، كما علّمت مادة العلوم السياسية في عدد من الجامعات في قرغيزستان وطاجيكستان.
——————

المصدر :موقع الشرفة

-- يفجنيا نورنسكايا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*