الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جريمة الإفساد في الأرض

جريمة الإفساد في الأرض

الإصلاح في الأرض ونشر الأمن والسلام والطمأنينة بين الخلق هي الغاية التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وكان لسان حال الأنبياء ومقالهم لأقوامهم: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، وفي المقابل كانوا ينهون أقوامهم وشعوبهم عن الفساد في الأرض قائلين لهم: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

ولقد تنبهت ملائكة الرحمن في وقت مبكر قبل أن يخلق البشر وذلك عندما أخبرهم رب العزة بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون.

فكان الاختبار الأعظم والأكبر في هذه الدنيا هو من يصلح ومن يفسد ويسفك الماء ويخرب ويهلك الحرث والنسل.

ومنبع الفساد والشر كله ومصدره البعد عن منهج الله وشرعه واتباع الهوى واتباع غير منهجه وشرعه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: في قول الله تعالى ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها

 لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء لغير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله ومخالفة أمره فالشرك والدعوة إلى غيره وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع.

لقد ارتبط ذكر الفساد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع فئات وشرائح متعددة من الناس في مقدمتهم:

الحكام الظلمة المستبدين الذين يظلمون شعوبهم، قال تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب)

وهناك أهل النفاق، الطابور الخامس الذين تذبذبوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، قال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم لله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)

لقد التقى هؤلاء مرضى القلوب مع الطاغية فرعون في ادعاء الإصلاح ومحاربة الفساد، ألم يقل فرعون: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)  سبحان الله موسى مفسد وفرعون مصلح.

وها نحن اليوم نشاهد ونسمع التافهين والتافهات يكررون مقولة مرضى القلوب من أهل النفاق ومقولة الطاغية فرعون الخوف على مصر وتاريخ مصر وحضارة مصر أن تبدل وتغير بتطبيق شرع الله ومنهجه، وأن ذلك هو الفساد الذي سيعطل الإنتاج ويرجع بالبلاد إلى الوراء قرونا وسيدمر الاقتصاد والسياحة وسينتشر الخراب والدمار والظلام في كل مكان. إن من أفعال أهل الفساد التخريب للمنشآت ونهب الأموال وتدمير المباني وحرق السيارات وممتلكات الشعوب: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)

ومن فعل ذلك فهو محارب لله ورسوله وجزاؤه أشد العقوبة على جرائم الإفساد قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

إننا ونحن في هذه المرحلة الحرجة الحساسة من تاريخنا مرحلة الخروج من القهر والذل والاستعباد لأنظمة مجرمة مارقة عن الخير والحق والاحتكام لشرع أو عقل أو منطق، إلى مرحلة حرية وكرامة وعزة واستسلام لشرع الخالق ومنهجه، نعلم أن هناك الكثير من المتضررين من هذا التحول ولهذا هم كما قال ربنا يحاولون بين الحين والحين أن يوقدوا ويشعلوا نار الحرب والشر والفساد قال تعالى: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) والأية توضح أن إيقاد الحروب والشرور مركوز في جبلة المفسدين فهم مستمرون فيه وفي إضرامه وإشعاله، ولكن ما يبشرنا ويجعلنا نطمئن أن الله يطفئ هذه الحروب والشرور والفتن ولا يحب الفساد ولا المفسدين ولا يسوي بين الذين آمنوا وأصلحوا وبين المفسدين.

بإيماننا بالله وبتمسكنا بشريعته وببعدنا عن معصيته وبوعينا لما يدور من حولنا ويقظتنا ستفشل مؤمرات الإفساد والإجرام التي تحاك ليلا ونهارا: (بل مكر الليل والنهار)

تبين الرشد من الغي واتضحت الصورة ويجب أن ينكشف المخبوء ويعلم المفسد الذي يخرب في أرض الكنانة من أي طرف كان ويعاقب على جرائم الفساد من قتل للشباب وتخريب للمتلكات ونشر للشك والبلبلة والفتنة، ومحاولة للرجوع بنا إلى مرحلة الحكم الجبري البائد الفاسد وحفظ الله بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومن إفساد المفسدين ومن مكر الماكرين ومن ظلم الظالمين ومن عبث العابثين ومن إجرام المجرمين.
——-
المصدر : موقع علامات أونلاين

-- الشامي نصحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*