الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الانتخابات والأخلاق والدعوة

الانتخابات والأخلاق والدعوة

حين نتحدث عن الانتخابات يتبادر إلى الذهن معاني التنافس والمشاحنة والشعور بالنصر والزهو أو الشعور بالهزيمة والخسران، وتنتهي “المعركة” الانتخابية في الغالب بالحقد على الفائز، والندم على الخسارة.

 

وقد يصاحب ما سبق أخلاق مذمومة من قبيل تزوير الأصوات، والكذب على الناخبين، والذم والافتراء أحياناً على المنافسين، وربما يصل الأمر إلى اشتباكات قد تسفر عن قتلى وقطيعة بين الناس.

 

الإسلام والانتخابات

 

لكن الإسلام يصبغ جميع أعمالنا بالصبغة التربوية، والمقصود بالصبغة التربوية هو أن يُساهم العمل- مهما كان نوعه- في إحداث أثر إيجابي دائم في ذات المتلقي ينتج عنه تغيير في جانب أو أكثر من جوانب شخصيته الأربعة (المعرفية- الإيمانية- النفسية- السلوكية).   

 

فالأصل أن المسلم يقصد بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر .

 

وكذلك العمل في أوقات الانتخابات يُمكنه أن يؤَدَّى بطريقة تهدف إلى حشد أكبر عدد من الأصوات وفقط، ويُمكنه- بالإضافة إلى ذلك- أن يكون عملاً تربويًّا يؤثر في نفس من يؤديه، ويقوم بتغييره تغييرًا إيجابيًّا ولو في جزئية صغيرة من شخصيته ليكون بعد موسم الانتخابات شخصًا أكثر فاعلية، وأن يؤثر كذلك في عموم الناس ويأخذ بأيديهم ولو قليلاً إلى أعلى في سُلَّم الالتزام الحقيقي بالإسلام.

 

من هنا كان الفارق كبيراً بين رجال دعوة وأصحاب فكرة في خوضهم لغمار الانتخابات وبين غيرهم من رجال السياسة الذين يتحركون بنيات مختلفة على ما فيهم من خيرية كبيرة ولا سيما أصحاب الهم الإصلاحي منهم والذين تحركهم الغيرة على هذا البلد للقيام بما يقومون به من بذل وعطاء.

 

فالذي يحرك رجال الدعوة للمشاركة في الانتخابات وغيرها من مجال العمل السياسي منطلقهم العقدي والذي ينص على أن الإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعا. فهو: دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة، سواء بسواء.

 

من أخلاق الانتخابات

 

أولاً: تعميق الصلة بالله ، وترك معصيته 

 

وانظر لوصية الفاروق عمر رضى الله عنه يلقيها لسعد بن أبى وقاص فى إحدى غزواته وهو يودعه: ” يا سعد إنما ننتصر على عدونا بطاعتنا لله ومعصية عدونا له ، فإن استوينا فى المعصية كان لعدونا الغلبة علينا فى العدة والعدد ، يا سعد إن ذنوب الجيش أخوف علينا من عدونا “.

 

فالواجب على كل فرد من الإخوان أن يستشعر فى حركته فى الانتخابات وفى غيرها أنه على ثغر من ثغور الإسلام ، فلا يؤتى الثغر من قبله.. ليس فقط فى تقصيره فى الأخذ بالأسباب المادية لحماية هذا الثغر، وإنما – وفى المقام الأول – عليه بتعهد قلبه واستقامته وسلامته ، وصلته بالله سبحانه وتعالى فهى أول زاد وأقوى عدة وأعون صاحب على مصاعب الطريق.

 

ثانياً: عدم الركون للأسباب المادية

 

فالمؤمن مهما بلغ من الاستعداد والتنظيم وحسن الإدارة والتخطيط للمعركة الانتخابية، لابد أن يعلم أن كل ذلك عملاً بعبادة الأخذ بالأسباب، دون أن يركن إليها، إنما ركنه الركين هو الله سبحانه، وهو عز وجل ما يتوكل عليه ويلجأ إليه ويستعين به ويعتمد على حوله وقوته.

 

هذا الاعتقاد يغيِّرُ تماماً من نظرة المؤمن للأمور حين يتم التضييق عليه أو التآمر عليه فلا يجد حيلة إلا الله سبحانه وتعالى.

 

ثالثاً: التواضع

 

يقول تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص 83)، فالتمكين والنصر لا يزيد المسلم إلا تواضعا لله بمزيد من الذكر والدعاء والاستغفار والعودة لبيوت الله، وكذلك يزداد تواضعا ً للناس وذلك بالحب والاحترام والتقدير لهم، والسهر على خدمتهم.

 

رابعاً: الأمل

 

فالأمة الناهضة تحتاج إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمدَّ القرآن الأمة بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (سورة القصص 5).

 

الانتخابات والدعوة

 

إن قضيتنا مع المجتمع ليست فقط تكوين رأي عام يقتنع بالحل الإسلامي، بل لا بد من تربية الناس على الإسلام حتى يُناصروا هذا الحل عند المحكَّات العملية. 

 

إن الكثيرين من أفراد المجتمع يحبون الإسلام إلا أن حبهم لأنفسهم أشد، لذلك ففي أوقات الرخاء تجدهم يدافعون عن الإسلام وعن قضاياه، فإن حدث تماس أو تعارض بين مصالحهم الشخصية، وبين ما ندعوهم إليه فلن يكونوا معنا، بل قد ينقلبون علينا؛ لأنهم لم يتم تربيتهم على الإسلام وعلى التضحية من أجله.

 

وليس معنى ذلك أن نقوم بتربية الناس على جميع معاني الإسلام، ولكن المقصد هو تحقيق الحد الأدنى الذي ينقل المجتمع من حالة السلبية واللامبالاة والأنانية التي يعيش في أجوائها، وأن تسود فيه الأخلاق الإسلامية اللازمة لنهضة أي أمة من صدق وعفة وإيجابية، أو بمعنى آخر: ينبغي أن يكون من أهم أهداف العمل مع المجتمع تغيير العرف العام إيجابيًّا والانتقال به درجة- أو درجات- لأعلى في سُلَّم التحقق ظاهرًا وباطنًا بالإسلام ليكون ذلك عونًا- بإذن الله- على تحمل التضحيات تجاه الدين عندما تتطلب الظروف ذلك. 

 

مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا بالتربية والمعايشة والوجود بين الناس، وما الانتخابات بالنسبة لهذه الأهداف إلا إحدى الوسائل التي يستخدمها الداعية المصلح.

 

كل هذه المعالم عند رجل الدعوة تجعله الفائز الدائم في هذه المعركة، نال الكرسي أم لم ينله -فهو فائز فائز – ، فليس الكرسي مطمعاً ولا هدفاً، وإن أراده رجل الدعوة فهو لتبليغ دعوته ولمقاومة الظالمين والمفسدين ، أما تحوله لهدف مجرد وحده فهو ما يخرج رجل الدعوة عن دعوته لينضم في عداد رجال السياسة.

—–

من موقع علامات أونلاين 

-- مصطفى رياض

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*