الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كفوا أيديكم ولا تعبثوا بأمن البلاد واستقرارها

كفوا أيديكم ولا تعبثوا بأمن البلاد واستقرارها

من الأمور اللافتة للنظر أن الشعوب العربية والإسلامية تتمتع بميزة لا تجدها في شعوب العالم قاطبة وهي أنها تتمتع بخاصيتين متناقضتين التناقض كله في آن واحد معاً:

1- خاصية الرشد والعلم والمعرفة عندما تختار العلمانية منهجا للحكم وإدارة شئون البلاد.

2- وخاصية السفه والجهل والطيش وعدم النضج وذلك عندما تختار هذه الشعوب شريعة الإسلام لتكون حاكمة.

مع كل أسف هذا ما نلاحظه من كل التعاملات على مدى عقود ممتدة من جميع من يملكون السلطة والإعلام في أي نظام كانوا في بلاد المسلمين.

لو عدنا للوراء قليلاً لوجدنا أن الدستور المصري لعام 1971 نص على أن الرئيس لا يجوز أن يترشح لأكثر من دورتين متتاليتين ونوهت وسائل الإعلام بذلك بحسبان أن ذلك يسمح بتداول السلطة ويقضي على الاستبداد، ويبدو أن ذلك النص كان في أول الأمر وسيلة لكسب التأييد ذلك أن السادات في ذلك الوقت كان ضعيفا نظراً لبقية رموز الحقبة الناصرية في الحكم، وعندما أوشكت الفترة الثانية على الانتهاء وأوشك السادات على الخروج من السلطة بحكم الدستور سارع النظام بتغيير في الدستور يسمح بترشح الرئيس لمدد متتالية وخرجت وسائل الإعلام لتسوغ ذلك فتشرح وتوضح لماذا كان هذا التعديل ومما جاء فيها أن الشعب أصبح رشيداً ولا يجوز الحجر عليه وتقييده في حرية الاختيار فالشعب يملك التمييز بين من يصلح أن يعيد انتخابه ومن لا يصلح ومن ثم فلا معنى لتقييد حريته في ذلك.
وتم إقرار التعديل فالشعب تحول وصار رشيداً لما كان الاعتراف بذلك يصب في مصلحة النظام، وعندما ارتفعت بعض الأصوات تطالب في أيام المخلوع ببعض من الحرية وكسر احتكار السلطان وكان فتح الباب ولو مواربة للحرية كفيل بأن يدخل منه الإسلاميون مما يؤذن بتغيير المعادلات ولو على المدى الطويل خرج أحفاد بلعام بن باعوراء في الإعلام والسياسة ليقولوا: إن الشعب لم يصل بعد لتلك المنزلة، وأنه غير قادر على معرفة مصلحته ومن ثم فما تراه السلطة هو الأصلح والأنفع للشعب واستمر حرمان الشعب من حريته ، ثم قدر الله ونزع المخلوع من سلطانه وكان المأمول أن تتغير المعادلة وينظر أصحاب السلطان الجدد إلى الشعب -بعدما خلع أعتى طاغية في ظل ثورة أذهلت كل المتابعين على مستوى العالم- على أنه رشيد قادر على إدارة نفسه ووضع النظام الذي يناسبه.
لكن  لما  كان من الأمور المتوقعة جداً لكل متابع أن الحرية التي كسبها الشعب المصري ستتيح للإسلاميين أن يتمتعوا بالأغلبية في أي عملية انتخابية قادمة فوجئنا بالعودة إلى الصوت النشاز الذي يحقر من مكانة الشعب وعقله ورشده إما تلميحاً وإما تصريحاً، ولو كان الأمر عكس ذلك أي أن الليبراليين أو العلمانيين سيحصدون الغالبية لبتنا ليل نهار ونحن نسمع القصائد والأشعار والأهازيح والمدائح والمحاضرات والمواعظ عن أهمية الصندوق الانتخابي وأنه الفيصل في كل خلاف وأن هذا رأي الشعب وإرادته، و لو حدثناهم في تلك الحالة عن حكم الله ورسوله وذكرنا لهم الأدلة من القرآن والسنة لقالوا: الحكم بيننا وبينكم الصندوق، فالصندوق جماد وهو محايد ومن أتى به الصندوق فهو الأحق بالحكم وبكتابة الدستور، فسبحان من بيده قلوب العباد يهدي إليه من علم صلاحهم وإخلاصهم، ويضل عن سبيله كل مسرف كذاب.

محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية:

جرت عدة محاولات للالتفاف على الإرادة الشعبية فمن ذلك:

 1- الدعوة لكتابة الدستور أولا أي قبل الانتخابات البرلمانية حتى لا يكون للإسلاميين المتوقع فوزهم في الانتخابات أي دور في كتابة الدستور وصبغه بالصبغة الإسلامية، لكن إزاء المعارضة لهذا الكلام والضغط لعدم حصوله ظهر الرضوخ لهذا الأمر.

 2- لكنه كان هناك أمر بيت بليل لتحقيق الهدف نفسه عبر مسمى جديد وهو مسمى المبادئ فوق الدستورية، وهذه المبادئ تعلو على الدستور فلا يحق لمن يضع الدستور أن يخالفها أو أن يضمن الدستور مادة تخالف ما جاء في تلك المبادئ، وكانت تلك المبادئ منحازة إلى علمانية الدولة تحت مسمى مدنية الدولة، وكان معنى ذلك تغليب إرادة فئة من الشعب لم يخترهم أحد على إرادة الشعب التي أتت بمن ينوب عنها.
وإذا علمنا أن الدستور يضعه الشعب عن طريق نوابه الذين يختارهم بإرادته الحرة، وأن هذه المبادئ فوق الدستورية وضعها مجموعة من الناس لهم توجه أيدلوجي معين كان معنى ذلك غل يد الإسلاميين المختارين من الشعب عن صياغة الدستور إلا وفق ما تسمح به هذه المبادئ فوق الدستورية التي وضعتها حفنة من الناس غير مختارين من الشعب ولهم توجه أيدلوجي مخالف لما عليه عامة الشعب، وإذا جاز أن تكون هناك مبادئ فوق دستورية فكان المفروض أن من يضعها يكون فوق الشعب لأن الدستور يضعه الشعب، فما فوق الدستور يضعه من هو فوق الشعب، ولا يصدق هذا إلا على الله تعالى فكان المفترض أن تكون هذه المبادئ فوق الدستورية مأخوذة من الشريعة التي أنزلها رب الشعب لتحكم المجتمع في شأنه كله، لكن أنى هذا وهم ما فعلوا ذلك إلا للحيلولة بين حاكمية الشريعة والمجتمع.

3- لم يكد هذا الخيار يسقط من أيديهم حتى أدخلوا الساحة السياسية فيما يريدون عن طريق اختراع مسمى المبادئ الحاكمة للدستور ثم المبادئ الحاكمة لاختيار اللجنة لوضع الدستور، والشيء الغريب أن هذا المسلك لا يستقيم حتى حسب الديمقراطية التي يؤمنون بها ويدعون الناس لالتزامها، إذ كيف يحكم فرد أو عدة أفراد قلوا أو كثروا غير منتخبين على إرادة وتصورات النواب المنتخبين الذين اختارهم الشعب بحرية تامة ليكونوا نوابا عنه يعبرون عن رغباته وتطلعاته للنظام الذي يريد أن يحكمه.

4- ثم التأخير المتعمد لإطالة الفترة الانتقالية، لعل هذا التأخر يغير شيئا في المعادلات وخاصة في ظل الحملات الإعلامية غير النزيهة ضد الحضور الإسلامي في السياسة إذ لا يظهر مسوغ للتأخير غيره.

طيب حتى لا تتعبوا الناس في الجري وراءكم أعلنوها بوضوح وصراحة وقولوا: لا للإسلام لا لحكم الشريعة ولا تنسوا أن تذكروا أهذا اختياركم أم أنكم مكرهون على ذلك ومن الذي أكرهكم.

5- ثم جرت الانتخابات وحدث ما كان متوقعاً وحصد الإسلاميون في جولة الانتخابات الأولى الغالبية التي فاقت الـ60%، وفي المقابل خرجت التصريحات الرسمية التي مؤداها أن ما جرى لم يكن ليغير شيئاً حتى وإن حصدتم الأغلبية، ومن ثم فإن الإسلاميين ممنوعون من أن يكون لهم أثر في سياسة البلد.

1- فأول التصريحات في ذلك أن المجلس المنتخب من الشعب ليس له الحق في تشكيل الحكومة لأن النظام رئاسي وتعيين الحكومة وإقالتها من صلاحيات الرئيس حسب الإعلان الدستوري، وهذا وإن كان صحيحا من الناحية النظرية إلا أن المجلس النيابي وضعه أقوى بكثير جداً من الإعلان الدستوري في النظر السديد من الناحية الحقيقية لأمور:

الأول: أن المجلس النيابي جاء نتيجة إرادة شعبية حرة نبعت من انتخابات نزيهة شملت الشعب المصري كله بينما الإعلان الدستوري لم يتحقق له عشر معشار ذلك حيث جاء بإرادة فردية ليست شعبية لم ينتخبها أحد (سواء كانت من شخص واحد أو مجموعة فإن ذلك لا يخرجها عن الفردية).

الثاني: أن الإعلان الدستوري لا يتمتع بقدسية أو حصانة ضد التغيير، فإنه قد تم تعديل بعض مواده بالطريقة التي وضع بها وهي إرادة فردية .

الثالث: مثل هذا التصرف يهدر مكانة الشعب ويجعله كالمهمل إذ كيف لا يكون هناك وزن لنتيجة تصويت شعب مكون من عشرات الملايين الذين يحق لهم الانتخاب وكيف تقدم إرادة فئة أو مجموعة على الإرادة الشعبية.

الرابع: إن المسوغ الذي جعل للمجلس العسكري هذا الوضع هو إقامة مؤسسات الدولة، فمتى ما قامت مؤسسة واكتمل بنيانها فلا معنى لإعاقتها عن القيام بدورها، فإن إعاقة مؤسسات الدولة عن القيام بواجباتها ليست من صلاحيات أحد، ولا ينبغي لأحد أن يدعي أن له الحق في ذلك.

وثاني التصريحات وهو تصريح غريب وغير مقبول حيث بدأ الحديث بما يشبه أننا سوف لا نمكن الإسلاميين من تشكيل الحكومة ولا وضع الدستور وسوف نتدخل في كل ذلك ونفرض رؤيتنا الشخصية على رؤية الملايين الذين أدلوا بأصواتهم لصالح الإسلاميين، وكان التصريح الذي أدلى به أحد أعضاء المجلس العسكري حيث قال : البرلمان المقبل لن يكون ممثلاً لكل أطياف المجتمع والانتخابات وإن كانت نزيهة وحرة.
لكنها بالطبع ليست ممثلة لكل قطاعات الشعب، ومن ثم سيكون هناك مجلس استشاري معين كي يساعد في اختيار اللجنة التأسيسية والمساعدة في صياغة الدستور، وكأن أكثر من 500 شخصية سوف يختارها الشعب بملء إرادته الحرة في حاجة لمثل هذا المجلس الاستشاري، فكأن الشعب لا يحسن الاختيار وكأن أعضاء المجلس المختارين مجموعة من العوام أو محدودي التعليم، وأقسم بالله غير حانث لو أن الدورة الثانية والثالثة من الانتخابات أسفرت -لا سمح الله- عن تفوق كاسح للاتجاهات الليبرالية والعلمانية وانحسر الإسلاميون ولم يصيروا أغلبية في المجلس لتوقفت كل تلك المحاولات.

وهذا الكلام الذي أدلى به عضو المجلس العسكري غير صحيح وإذا صح هذا الكلام فإنما يصح في حق المجلس العسكري نفسه فإنه هو الذي يصدق عليه ذلك الوصف فالمجلس العسكري لم يختره أحد ممن له حق الاختيار، والمجلس العسكري في وضعه الجديد لا يمارس أمورا عسكرية وإنما يمارس سياسة، والسياسة لا يمارسها إلا من اختاره الشعب، فما الذي يجعل لبضعة وعشرين شخصا ولو كانوا من أفضل الأمة وأخلصها الحق في فرض رؤيتهم عل الشعب بأكمله.

إن من أعجب القول إن يقال إن المجلس النيابي لا يمثل الشعب كله، وهذا في الحقيقة مغالظة كبرى لأن هذا الكلام لا يصح إلا في حالة أن يكون المجلس النيابي مفروضا على الشعب، أو أن النواب قفزوا على المقاعد ودخلوا عنوة أو أنهم جاءوا عن طريق التعيين، أما إذا كان الشعب هو الذي اختار المجلس عبر انتخابات نزيهة فلا مجال لهذا القول، حتى وإن كان أعضاء المجلس النيابي جميعهم ينتمون-في هذه الحالة-لتيار واحد.
أليس الذي جاء بهذا التيار الوحيد هو الشعب أليس هذا اختياره، ثم إذا كان الشعب لم يثق إلا في تيارات معينة فمنحها ثقته واختارها، فبأي حق يفرض عليه آخرون من لم يثق الشعب فيهم ولم يمنحهم ثقته. كل ما تقدم يبين أن هناك قرارا متخذا وهو ألا يكتب الإسلاميون الدستور أو لا يكون لهم تأثير في منع العلمانية والحيلولة دون صبغه بالصبغة الإسلامية، هذا هو القرار وأما آليات التنفيذ فهي تتغير بين كل فترة وأخرى حسب مقتضيات الحال، لذا لا عذر للإسلاميين في أن يتنازلوا عن حقوقهم التي اكتسبوها وعن ثقة الشعب فيهم الذي رأي فيهم المخرج من الفساد والاستبداد الذي مارسه الطغاة على مدى أكثر من 60 عاماً.

وأخيرا هل يريد هؤلاء تخريب البلاد وإحداث ثورة دموية لا تبقي ولا تذر، فلو كان هؤلاء يريدون الخير والاستقرار لبلادهم ولو كانوا مستقلين في قراهم ولا ينفذون أجندة خارجية معادية لدين الأمة لكان من أول قراراتهم عدم التدخل في قرارات الشعوب وعدم فرض الوصاية عليهم فلا يصح أن يأتي فرد أو عدة أفراد يعدون على الأصابع ليفرضوا رؤيتهم على عشرات الملايين وكأن هؤلاء الأفراد أوتوا من العلم والرشد ما لم يؤته الملايين التي تضم في ثناياها عشرات الآلاف الذين تلقوا تعليما عاليا راقيا يفوق ما تلقاه هؤلاء الأفراد.

لذلك يقول كل مخلص ومحب لاستقرار البلد وتقدمها لمن يعبث بأمن البلاد ومستقبلها: كفوا أيديكم، والدنيا لا تبقى لأحد وملك الموت على الأبواب.

اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأسبغ فضلك ورحمتك على مصر وأهلها وسائر بلاد المسلمين.
—————-

نقلاً عن موقع مجلة البيان

-- محمد بن شاكر الشريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*