الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أعمـال المقاصـد في العقائـد والأخـلاق والتشريع

أعمـال المقاصـد في العقائـد والأخـلاق والتشريع

لقد شاع إعمال المقاصد بجزء من التشريع وهو المعاملات حتى أورد الإمام الشاطبي في موافقاته: “الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلَّف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني.

أما الأول، فيدل عليه أمور: منها الاستقراء؛ فإنا وجدنا الطهارة تتعدى محل موجبها، وكذلك الصلوات خُصت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة، إن خرجت عنها لم تكن عبادات، ووجدنا الموجِبَات فيها تتحد مع اختلاف الموجِبَات، وأن الذكر المخصوص في هيئة ما مطلوب، وفي هيئة أخرى غير مطلوب، وأن طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة بغيره، وأن التيمم – وليست فيه نظافة حسية- يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر، وهكذا سائر العبادات؛ كالصوم والحج وغيرهما.

وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني، فلأمور:

أولها: الاستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدرهم بالدرهم إلى أجل، يمتنع في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس، يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم نجد هذا في باب العبادات مفهوما كما فهمناه في العادات” (الموافقات: 2/513-517).

 وإذا كانت العبادات خارج نطاق علم المقاصد، فمن باب أولى علم الأخلاق وأصول العقيدة، لكنا هنا نجد الإمام العز بن عبد السلام يجعل من أصول العقيدة والأخلاق ميدانًا رحبًا لتطبيق المقاصد.

المقاصد في العقيدة

أما في جانب العقيدة فالكتاب يمتلئ بهذه النظرات الفريدة التي تجعل من أصول العقيدة ميدانا، ومن الأمثلة على ذلك في كتاب شجرة المعارف ما يلي:

“1- فثمرة معرفة الرحمن: أحوال عليَّة، وأقوال سَنيَّة، وأفعال رضية، ودرجات أخروية” (شجرة المعارف، ص17).

“2- وثمرة معرفة أحكام الله: اجتناب الطغيان، واتباع الرضوان” (شجرة المعارف، ص17).

“3- وثمرة معرفة الوعد والوعيد: الاعتبار بما أصاب أهل العصيان، والإقبال على الطاعة والإحسان” (شجرة المعارف، ص17).

“4- وثمرة معرفة نفاسة الآخرة وبقائها: الإقبال عليها والابتدار إليها”(شجرة المعارف، ص17).

“5- ثمرة معرفة القهار سبحانه الخوف الشامل والوجل الكامل”(شجرة المعارف، ص 40).

“6- التوجع لعذاب الله وسيلة إلى دفعه بالتقوى” (شجرة المعارف، ص 83).

“7- الجزع وسيلة إلى ترك كثير من الطاعات” (شجرة المعارف، ص 121).

المقاصـد في الأخـلاق

أما الأخلاق فإنها تبنى على معرفة الخلاَّق، فليست مبنية على الذوق الفردي فقط والاستملاح الشخصي والعرف الاجتماعي، بل أصلها عنده معرفة الله والتخلق بصفات الرحمن؛ ولذا كان الباب الأول بعد المقدمات بعنوان: “التخلق بصفات الرحمن على حسب الإمكان” وساق في هذا الفصل 45 مسألة من أعجب ما يقرأ الإنسان عن عمق العقيدة المُفضية إلى صدق التزكية وصلابة الخلق، فيؤسس العز بن عبد السلام أن الأخلاق الإيمانية تبدأ بمعرفة الله عز وجل فيقول:

“1- المعارف كُوى (جمع كوة وهي الطاقة أو النافذة التي ينظر منها الإنسان إلى مكان آخر) ينظر منها بالبصائر إلى عالم الضمائر، فتشاهد القلوب ذاته وصفاته، فتعامله بما يليق بجلاله وجماله، ثم تأمر الأعضاء والجوارح بأن تعامله بما يليق بعظمته وكماله؛ فالقلوب بحضرته تعظمه، والجوارح على أبواب القلوب توقره وتعبده، فلا يصلح أحد منهم لموالاته ومصافاته، إلا أن يتخلق بآدابه ويتصف بصفاته، تذللا بعباداته، وتجملا بصفاته، فأفضلهم في ذلك أكرمهم عليه، وأقربهم إليه” (شجرة المعارف، ص25).

2-  ويقول: “الحياء وازع من كل قبيح؛ فمن لاحظ جانب العباد استحى منهم، ومن لاحظ جانب الله استحى منه، ومن لاحظ الجانبين أعطى كل واحد منهما حقه من الحياء، ومن اطَّرح الحياء صنع ما شاء من القبائح والسيئات” (شجرة المعارف، ص126).

3- ويقول: “الشح والبخل وسيلتان إلى منع الحقوق، وسفك الدماء، وقطع الأرحام” (شجرة المعارف، ص128).

لقد مزج الإمام مزجًا لطيفًا بين الأخلاق والعقيدة من جانب، والشريعة من جانب آخر؛ فيعقد الباب الأول بعنوان: “التخلق بصفات الرحمن” ويورد فيه 10 مسائل، والباب الثاني: “التخلق بالأسماء والصفات” ويورد فيه 45 مسألة، والباب الثالث بعنوان: “ما تشتمل عليه القلوب من الصفات والأخلاق”.

ولا أبالغ إذا قلت: كل صفحات الكتاب تؤسس لأرقى المكارم الأخلاقية مرتكزة إلى العقيدة القوية والأحكام الفقهية أما عن ارتباطها بالعقيدة فمن ذلك قوله: “لا يصلح لولاية الديان من لم يتأدب بآداب القرآن، ولم يتخلق بصفات الرحمن، على حسب الإمكان؛ فإنه محسنٌ أمر بالإحسان، مفضلٌ أمر بالإفضال،….. فمن تخلق بصفات ذاته صلح لولايته ورضوانه” (شجرة المعارف، ص25).

ويعمق أساس الأخلاق بما سبق ذكره: “المعارف كوى ينظر منها بالبصائر إلى عالم الضمائر، فتشاهد القلوب ذاته وصفاته، فتعامله بما يليق بجلاله وجماله، ثم تأمر الأعضاء والجوارح بأن تعامله بما يليق بعظمته وكماله، فالقلوب بحضرته تعظمه، والجوارح على أبواب القلوب توقره وتعبده، فلا يصلح أحد منهم لموالاته ومصافاته، إلا أن يتخلق بآدابه ويتصف بصفاته، تذللا بعباداته، وتجملا بصفاته، فأفضلهم في ذلك أكرمهم عليه، وأقربهم إليه” (شجرة المعارف، ص25).

أسماء الله وصفاته أساس الأخلاق

ثم يُفصِّل فيجعل من صفات الرحمن وأسمائه أساسًا لكل خُلق فيقول: “وأما التخلق به: فالتكلم بكل ما دلَّك عليه، وأرشدك إليه، مما يزلفك لديه، من ذِكره، وشكره، وتلاوة كتابه، وإفهام خطابه، وتعليم كل ما أمرك بتعليمه، وتفهيم كل ما أمرك بتفهيمه، والأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر”(شجرة المعارف، ص35)، ومن التخلق باسمه الوهاب سبحانه وتعالى يقول الإمام العز: “الوهاب؛ ثمرة معرفته رجاء أنواع هباته وصلاته، والتخلق به بكثرة الهبات والصلات مقدِّمًا للآباء والأمهات، والبنين والبنات” (شجرة المعارف، ص49).

المقاصد في جانب التشريعي

أما في الجانب التشريعي فالكتاب يذخر بالأمثلة العديدة، لكنه عرض في الباب 18 لأساليب تُعرِّف المصالح والمفاسد وما يقدم منها عند التعارض فيقول: “ونقدم في الحروب الأشجع، والأنفع فالأنفع في معرفة الحروب ومكايد القتال، ونقدم قتال أضرّ الكفار على المسلمين فأضرِّهم، فإذا لقيناهم بدأنا نفتك ذوي الرأي منهم والأبطال، ونؤخِّر الأسرى إلى آخر الأمر، ونقدم الجهاد المتعيِّن على بر الآباء، وبر الآباء على جهاد لم يتعين” (شجرة المعارف، ص353).

ويقول في باب “ترتيب المصالح والمفاسد”: “والصدق، الذي لا يضر ولا ينفع مباح؛ فإن أضر كان فيه إثم ذلك الإضرار على اختلاف مراتبه، فمن دلَّ ظالما على مال معصوم، أو بُضعٍ، أو نفس، أو غير ذلك من الحقوق، فلا إثم عليه، من جهة كونه صادقا، وعليه إثم الدلالة على ذلك الإضرار” (شجرة المعارف، ص357).

هذه نماذج قليلة من أمثلة عديدة وفيرة تملأ العقل بفقه مقاصدي نادر، لكنه يتسع باتساع الوحي القرآني الذي يشمل العقائد والأخلاق والتشريع؛ مما يوجب أن تتوسع معه ميادين علم المقاصد كما فعل العز بن عبد السلام
==============
نقلاً عن موقع علامات أونلاين

-- بقلم: أ.د صلاح الدين سلطان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*