الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مواجهات التيارات الإسلامية في المغرب

مواجهات التيارات الإسلامية في المغرب

قبل إجراء الانتخابات التشريعية في 25 نونبر 2011 ، كانت للإسلاميين رهانات خاصة بكل فصيل . فبالنسبة لحزب العدالة والتنمية كان يراهن على حركة 20 فبراير لتحقيق مكاسب سياسية تخدم تطلعه إلى احتلال صدارة الانتخابات ، ومن ثم قيادة الحكومة . لهذا حرص الحزب على التهديد بالنزول إلى الشارع والالتحاق بالحركة الاحتجاجية التي يقودها شباب 20 فبراير من أجل التغيير عند اصطدامه برفض مطالبه أو مقترحاته ، سواء فيما يتعلق بالتعديلات التي اقترح تضمينها الدستور الذي كان قيد المراجعة ، أو قوانين الانتخابات ؛ ثم ظروف إجراء الانتخابات بما يضمن الشفافية .

إذن الحزب كسب الرهان وها هو يقود الحكومة في أول تجربة له بفريق وزاري(12 وزير بمن فيهم رئيس الحكومة) يقارب نصف أعضاء الحكومة (31 – 5 = 26) إذا استثنيا الوزراء الخمسة الذين هم بدون انتماء ، أو ما بات يعرف بوزراء السيادة . أما جماعة العدل والإحسان فقد راهنت على حركة 20 فبراير لتحويلها إلى نواة ثورة شعبية ضد النظام تعم أرجاء الوطن ولا تتوقف إلا بإسقاطه . على هذا الأساس انخرطت الجماعة بفاعلية داخل الحركة محاولة اختراقها والتحكم فيها . نحن ، إذن، أمام رهانان : رهان التغيير التدريجي من داخل النظام وبالتنسيق معه ، ورهان التغيير الجدري من خارج النظام لإسقاطه .

وحين أدركت الجماعة أن مواصلة تواجدها داخل حركة 20 فبراير استنفذ مهامه وبات رهانا خاسرا ، قررت الانسحاب وتغيير أشكال الاحتجاج وأساليب الضغط بهدف تطويق حكومة حزب العدالة والتنمية بمشاكل لا قبل  لها بها حتى تضطرها إلى نهج نفس الأساليب التي اعتمدتها الحكومات السابقة في التعامل مع مطالب المعطلين والمهمشين ، أي أساليب القمع والتسويف  . الأمر الذي سيفقد الحكومة شعبيتها ويجعلها مثار سخط وتذمر واسعين .

انطلاقا من هذه الإستراتيجية الجديدة التي وضعتها جماعة العدل والإحسان ، والتي تقوم على تأجيج الاحتجاجات الاجتماعية والركوب عليها بما يزيد من قوة الضغط على الحكومة قد تتحول  ، على المدى القريب ، إلى انتفاضة شعبية ؛ انطلاقا من هذه الإستراتيجية وظفت الجماعة بعض عناصرها لجر المحتجين ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء وكذا المجازين المعطلين إلى مواجهات عنيفة مع القوات العمومية . وهذا ما تفطن إليه رئيس الحكومة  فوجه تحذيرا مباشرا للجماعة كالتالي (فمنطق التأجيج ومحاولة الركوب على الإشكاليات الاجتماعية الموجودة في المجتمع والتي جئنا إلى الحكومة بسببها لكي نعالجها هي أشياء غير مقبولة .

وأغتنم هذه المناسبة لكي أوجه للأخوة في جماعة العدل والإحسان رسالة مفادها أنه لا يجوز اللعب  بالنار .. فمن يشعل النار سيكون أول من يحترق بها . ولهذا يجب على البعض أن يعودوا إلى رشدهم قليلا .) . إن الوضعية الجديدة التي بات عليها حزب العدالة والتنمية جعلته في مرمى جماعة العدل والإحسان من زاويتين :

الزاوية الأولى : تتعلق بتحميل حزب العدالة والتنمية مسئولية إضاعة فرصة تاريخية على الجماعة لتغيير النظام الملكي عبر موافقته على الدستور الجديد ، وذلك في الرسالة التي وجهتها الجماعة للحزب وذراعه الدعوية حركة التوحيد والإصلاح حيث جاء فيها (أن تزكيتكم ودفاعكم عن هذا الدستور كانا مساهمة في الالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب، ومساهمة كذلك في تضييع فرصة ليست بالهينة، مع العلم أن الفرص الكبرى لا تدوم إلى الأبد ).

إلا أن رد الحزب لم يتأخر طويلا ، فجاء على شكل تهديد مباشر للجماعة على لسان رئيس الحكومة والأمين العام للحزب ، من أنه وحزبه وعموم المغاربة لن يسمحوا للجماعة ولغيرها باستهداف ثوابت الدولة المغربية . فالمسئولية الحكومية التي يتحملها حزب العدالة والتنمية تضعه في مقدمة من يتصدى لمخططات الجماعة تنبيها وتحذيرا كالتالي  ( ولهذا فالإخوة في العدل والإحسان .. عليهم أن يفهموا ويعرفوا أن هذه البلاد قائمة على أسس ، وأن هذه الأسس إذا أرادوا أن يتحاوروا في إطارها ويتمتعوا بحقوقهم فأنهم مرحب بهم ، ولكن إذا كانوا يتصورون أن الدولة ستترك أحدا يروم تقويضها بطريقة أو بأخرى فإنهم مخطئون ، وذلك حتى تكون الأمور واضحة بالنسبة لهم ولغيرهم .

نحن نؤمن بأن المغرب يقوم على ثلاث دعائم أساسية إضافة إلى واحدة أخذت اليوم مرتبتها كأنها أساسية ، الأولى هي الدين الإسلامي ، والثانية هي الوحدة الوطنية والترابية ، والثالثة هي الملكية الدستورية .. والآن هناك الديمقراطية .. أكرر قول هذا حتى تكون الأمور واضحة مع الإخوان في جماعة العدل والإحسان وغيرهم حتى لا يظنوا أن المغرب دولة يمكنها أن تهتز وأنها لم تعد فيها مسئولية ، بل على العكس المغرب له رجالاته الذين سيدافعون عن الأسس التي قام عليها ) الشرق الأوسط 9 فبراير 2012 

الزاوية الثانية : تتعلق بتعامل الجماعة مع حزب العدالة والتنمية كأداة  يوظفها النظام ضد الجماعة . وباعتبار الحزب يقود الحكومة الحالية ، فإنه لن يخرج عن الإطار الذي يحدده الدستور لكل حكومة ملزمة بفرض احترام القانون ضمانا للأمن وحماية للممتلكات العامة والخاصة .

من هنا توجه الجماعة على لسان فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسمها  اتهاما مباشرا لحزب العدالة والتنمية بكونه ينفذ أوامر النظام (من جانبنا ليست لنا مشاكل لا مع الحكومات السابقة ولا الحكومة الحالية لسبب بسيط هو اعتبارنا أن الحكومات في المغرب ليست هي التي تحكم إنما هي أداة تنفيذ في يد الجهات الحاكمة حقيقة. وكل تصرفات الحكومات اتجاهنا سواء في اتجاه التصعيد أو المهادنة فهو لا يخرج عن هذه الوظيفة التنفيذية). جريدة “أخبار اليوم” 10-02-2012 .

إن هذه المتغيرات على الساحة السياسية تعيد ترتيب أوراق الإسلاميين من جديد وتخضعهم لفرز جديد لكن على أساس اختلاف المواقع السياسية وليس وحدة المرجعية الدينية . إذ رغم الاختلاف بين الهيئتين في الاجتهادات ، لم يكن واردا دخولهما في مواجهة مكشوفة وإن كانت لازالت في بداياتها الأولى  ، لأن الجماعة لم تخف إصرارها على مواصلة الاحتجاج وتغيير أساليبه بما ينذر بالتأجيج والتصعيد طالما لم  يتغير جوهر النظام ، كما جاء على لسان فتح الله أرسلان ( وما حدث في تازة يحدث بشكل أو بآخر في كثير من المدن المغربية، وهو مرشح للتصاعد إن لم يتم التعامل معه بإرادة القطع مع سياسات وعقليات لم تعد مجدية مع الربيع العربي ونهج تغييرات حقيقية في جوهر الحكم عوض ترقيعات في القشور للإلهاء مع الإبقاء على أركان الاستبداد مستحكمة في كل مفاصل وشؤون الشعب).

فالجماعة تغير تكتيكاتها وأساليبها في مواجهة النظام وفق ما تراه يخدم إستراتيجيتها . فحين قررت المشاركة  في حركة 20 فبراير كانت لها أهداف محددة ، لكن حين تبين لها أن لا جدوى منها قررت وقف المشاركة مع مواصلة الاحتجاج وتنويع أساليبه وأشكاله . وقد أعلنت في نفس البيان الصادر في موضوع وقف المشاركة عن قرارها المتمثل في (  ثباتنا على مبادئنا في الدفاع عن حقوق هذا الشعب المستضعف بكل الوسائل المشروعة في وجه الظلم والقهر والاستبداد والفساد، إلى أن تتحقق سنة الله سبحانه في القوم الظالمين.) .

ومما يزيد من خطورة النهج التصعيدي الذي تتبعه الجماعة ، ما تداولته بعض الصحف في المغرب والجزائر من تقارير عن تلقي الجماعة دعما لوجيستيكيا  من طرف إيران عبارة عن معدات و آليات خاصة بالتصوير، متطورة و عالية الدقة من أجل استغلالها في حملتهم التي يقودونها ضد الحكومة في المغرب، وذلك باستعمال بعض الفيديوهات المفبركة باحترافية مُطلقة، لا تدع مجالا للشك فيها و في صحتها من أجل استفزاز شعور المواطنين المغاربة، و بالتالي دغدغة عواطفهم و اللعب على وترهم الحساس، بتشويههم للحقائق .
و الهدف من ورائها ، كما ورد في التقارير ،” هو إشعال نار الفتنة و الفوضى في آن واحد، و بالتالي النجاح في تحويل مخططهم الانقلابي إلى حقيقة، بافتعالهم لعدة بـُؤر توتر في شتى ربوع المغرب، الشيء الذي سوف يخلق نوعا من الإرباك المباشر للحكومة الإسلامية الحالية التي يترأسها السيد “بن كيران” . وقد نجح أعضاء الجماعة في تأجيج الاحتجاجات التي عرفتها مدينة تازة ، إذ تمت فبركة فيديوهات تتهم رجال الأمن بقتل المحتجين وتعذيبهم . من هنا فالتطورات التي تعرفها الساحة السياسية المغربية ، مفتوحة على مسارين اثنين :

المسار الأول : يكون سالكا في حالة تمكن حزب العدالة والتنمية ،الذي يقود الحكومة ، من إنجاز جزء هام من البرنامج الحكومي دون إفشال متعمد لتجربته . في هذه الحالة سيعزز الحزب خيار المشاركة بين أطياف التيار الديني بجناحيه السلفي والإسلامي . الأمر الذي سيحدث انقساما في صفوف هذا التيار ويجعل من خيار المشاركة قوة سياسية داعمة للنظام في إصلاحاته وخصما لخيار المقاطعة الذي ستتقلص كتلته وتنحصر شعبيته . وسيكسب النظام حليفا ينوب عنه في التصدي لخصومه  ديمقراطيا .

المسار الثاني : قد ينفتح في حالة فشل حزب العدالة والتنمية وأدرك أن النظام غير جاد في الإصلاح أو متردد في دعمه ، خصوصا وأن الحزب يراهن على محاربة الفساد كرافعة للإصلاح ومصدر لتمويل المشاريع المقترحة .

سيقاوم الحزب ما استطاع ، لكن قواعده لن تتردد في الدفع به إلى الالتحاق بجبهة الرفض وخيار المقاطعة إذا ما سدّت الأبواب في وجوههم . في هذه الحالة ستتقاطع مرحليا مصالح حزب العدالة والتنمية مع جماعة العدل والإحسان وكذا التيار السلفي الذين سيجمعهم الشارع العام للتعبير عن احتجاجاتهم ورفضهم للواقع السياسي الذي ينخره الفساد والاستبداد .

ولن يكون بمقدور أي طرف التحكم في مسار الاحتجاجات والأبعاد التي ستتخذها . وقد حذر مصطفى الرميد ، من داخل قبة البرلمان ، من هذا المآل الكارثي إذا استمر العنف أسلوبا للاحتجاج ضد المشاكل الاجتماعية بعيدا عن التظاهر السلمي ( الجميع ينبغي أن يطرح السؤال : ما الذي يقع في هذا البلد ؟

نضمن لكل مواطن حق الاحتجاج السلمي ، نضمن للمواطنين جميعا حق التظاهر المسئول . لكن العنف ما هو الدافع إليه؟ خصوصا أن هذا العنف إما على المؤسسات العامة ،إما على المواطنين ،إما على الذات . هذه أشياء ينبغي مراجعتها  ، وينبغي أن نفتح حوارا مسئولا حولها لنعيد الأمور إلى نصابها .

كدولة نريد الانتقال الديمقراطي الحقيقي . الدولة الآن ، إذا سارت الأمور على ما هي عليه ، ستقع اضطرابات لا أحد يريدها ، وستأتي على الأخضر واليابس ؛وتلك هي الفتنة التي يجب على الجميع أن يحرص على توقيها )  .

لهذا ، سيكون على النظام/الدولة الدفع بمسلسل الإصلاح وتمكين الحكومة الحالية من أدوات تنزيل  بنود الدستور وتطبيق الإصلاح بما يرجع الثقة لدى المواطنين في العمل السياسي  ويكسب المؤسسات الدستورية مصداقيتها المفقودة بفعل عقود التزوير والتجويف .

إن المصلحة العليا للوطن لم تعد تسمح بالخطأ في الحسابات السياسية ، خصوصا في هذه المرحلة التاريخية التي تشهد يقظة الشعوب وتحررها من سلطان الخوف ،وهي التي كانت تخشى هراوات البوليس فلم تعد ترهبها حتى دبابات الجيش وطائراته الفتاكة.لا خيار ، إذن ، أمام النظام وكل الفاعلين السياسيين إلا إنجاح الإصلاح  وتكريسه واقعا يعيشه المواطنون ويجنون ثماره.

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*