الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المألوف والمخيف لأهل الخليج من الجار الإيراني

المألوف والمخيف لأهل الخليج من الجار الإيراني

مع صعود التوتر الإيراني الغربي إلى مستويات عالية، ترتفع مخاوف أهل الخليج من تحول السياسات الإيرانية المعادية لهم من الكلام إلى الفعل، نيابة عن العداء للغرب، أو أصالة لتسريح الضغوط الداخلية الإيرانية.

والموقف في الخليج تجاه إيران يتلخص في قول جامع وهو الكره للسياسات الإيرانية، وحب في نفس الوقت للإيرانيين، وبما أنه هو حب من طرف واحد، فالإيرانيون كأفراد ليسوا غرباء على أهل الخليج، حيث نزح العديد منهم من إيران إلى شواطئ الخليج خلال النصف الثاني من القرن الماضي وحتى اليوم على مر سنوات طويلة، وأصبحوا مواطنين فاعلين، كما أن العمالة الإيرانية المختلفة قد وجدت لها ملاذا في دول الخليج لفترة طويلة من الزمن وما زالت، بسبب الفرص المتاحة جراء استخراج وتسويق النفط، فالإيراني مألوف وجوده في دول الخليج، على عكس العربي في إيران فهو إن كان مواطنا من أصول عربية أو له انتماء مذهبي مختلف عن السائد، ينظر إليه كمواطن إيراني من الدرجة الثانية، أو معادٍ محروم من المواطنة المتساوية. تكمن المشكلة الأساسية في انعدام الثقة الطويل والتاريخي بين أهل الضفتين الذي زادته السياسات الأخيرة، وخاصة التوجه الإيراني نحو التدخل العملي في الشؤون الداخلية للجوار الخليجي، تدهورا وتوجسا، مما أصبح معه الهاجس الأمني من جهة، ومحاولة الفهم من جهة أخرى تتسابق فيما بينها، تزيد السؤال القديم «الجديد» تعقيدا، وهو هل إيران بالنسبة لدول لخليج عدو يجب الحذر منه، أم صديق يجب الاستفادة منه؟

ولعلي ألمح خمس خصائص في الموقف الإيراني تجاه دول الخليج والعرب بشكل عام تتحكم في شكل العلاقات القائمة اليوم، وإن لم تقتصر عليها، هي على وجه الخصوص العوامل الخمسة الكبرى الآتية:

أولا: هناك شعور تاريخي وثقافي متأصل لدى الفرس، وهم ليسوا كل الإيرانيين اليوم، ولكن الأغلب القابض على السلطة في الجارة الكبيرة، بأن العرق الفارسي هو عرق متفوق على العرب، ليس مهما هنا الحقائق العلمية المؤصلة أن الناس سواسية، ولكن المهم هنا هو الشعور الجمعي، فحتى وقت متأخر، أي قبل الثورة الإيرانية الأخيرة، كان يشار إلى دخول الإسلام إلى فارس على أنه «الاحتلال العربي»، وما زالت الفكرة مستمرة، وهي معتمدة على بقايا حلم الإمبراطورية الفارسية وعقدة العظمة الإيرانية.

ظن بعض المتابعين في الخليج، وبسبب حماسهم الأولي للثورة الإيرانية في الثمانينات، أن ذلك الشعور سوف يتراجع أو يضمحل تحت شعار إسلامي جامع، ولكن ذلك الظن لم يتبلور، فالشعور في إيران تجاه العرب ككل، وعرب الخليج على وجه التحديد، هو شعور قومي ذو نكهة كثيفة مليئة بالاستعلاء، مما يجعل أي تقارب عربي – إيراني من الواجب وجود عنصر التبعية فيه لا الندية، هذا عامل مهم من عوامل فقد الثقة أو صعوبة بناء الثقة بين الطرفين الخليجي والإيراني.

ثانيا: الموقف القومي المغلف بالشعار الإسلامي منع السياسات الإيرانية المتعاقبة في مرحلة الثورة الإيرانية، من النظر إلى دول الخليج كمجموعة واحدة، فهي تفضل أن تتعامل معها كدول صغيرة تحتاج إلى شيء من حماية الدولة الكبيرة، وأيضا هذا لم يكن اكتشاف الثورة الإيرانية، بل امتداد لسياسة قومية سابقة، عندما كان شاه إيران السابق يقول في المحافل الدولية، بل وفي اللقاءات الصحافية الخليجية، إنه حامي استقرار الحكام في منطقة الخليج. من هنا نجد اليوم أنه كلما وصلت إيران إلى مكان متقدم في خلافها مع الغرب، هددت بضرب دول الخليج ومنعها من الشرب أو الغذاء، عن طريق إغلاق مضيق هرمز أو التعامل المباشر عسكريا مع منشآتها الحيوية، وإيران تفعل الكثير من أجل التدخل الناعم في شؤون الخليج الداخلية عن طريق خلق تعاطف مباشر مع طروحاتها، بصرف النظر عن انتماء المجموعات المتعاطفة تلك إلى طائفة أو مذهب، فمن تعتقد طهران أنه محقق لسياساتها، يمكن التعامل معه كمشروع لامتداد نفوذها ولا تبخل عليه بالتأييد المعنوي أو حتى المادي الذي تقتطعه من قوت شعبها.

ثالثا: تستفيد إيران من موقفها المعلن المعادي لإسرائيل لكسب بعض القطاعات العربية، كما تستفيد من موقفها مع ما تسميه الأدبيات الإيرانية «المستضعفين» لإثارة شعور شبه طبقي، كما أنها لا تتأخر في استخدام القوة الناعمة مقرونة بالمال إن أمكن أو بالتجارة لفتح علاقات متميزة لها في كل من آسيا وأفريقيا، بجانب قطاعات عربية مختلفة في بعض بلدان العرب، تصورا من متخذ القرار الإيراني أن ذلك يحمي بقاء الحكم القائم، وإرضاء لذلك الشعور القومي بالتفوق.

رابعا: ازدواجية الخطاب الإيراني الذي وقعت فيه تجاه أحداث الربيع العربي؛ فمن جهة باركت إيران الأحداث في كل من تونس ومصر بقوة واعتبرتها بفخر امتدادا لتكتيكات الثورة الإيرانية السابقة، ثم جاءت أحداث البحرين في فبراير (شباط) 2011 لتستعد إيران بقرب خلق «إيران صغيرة» في وسط الخليج مع ما صاحبها من ضجة إعلامية، إلا أن الصدمة سرعان ما حدثت عندما انفجرت أحداث سوريا في مارس (آذار) بعد أسابيع من أحداث البحرين، فنكصت السياسة الإيرانية ليس فقط بالنظر إلى أحداث سوريا على أنها شغب وانقلاب على النظام ومجموعات مسلحة ومدفوعة أيضا بقوى غربية! ولكن أيضا بالمساعدة العملية في محاولة تصفية الثورة السورية وإرسال المدد والبوارج أيضا. هذه الازدواجية في الخطاب والسلوك الإيراني أضعفت الحديث الشعاراتي في الوقوف مع المستضعفين ونصرتهم، فلا أكثر استضعافا من مواطنين عزل يقصفون بالمدافع والراجمات، كما يحدث في المدن والقرى السورية!

خامسا: لأربعة عقود أو أكثر استفادت إيران الثورية من موقف الرأي العام العربي، والمعادي إلى حد كبير للسياسات الأميركية، والمشمئز إلى حد الثمالة من السياسات الإسرائيلية ضد إخوانه وأهله في فلسطين مع ضيق كبير بأوضاع اقتصادية مؤلمة، استفادت من كل تلك العوامل لتكسب الرأي العام العربي وتشيع أملا كاذبا في الخلاص، إلا أن فشل العقد الاجتماعي السياسي الداخلي في إيران والذي بشرت به الثورة الإيرانية شعبها، خاصة في تقديس سياسي لصاحب الولاية المطلقة، الذي وافقت عليه النخبة الإيرانية إبان الحماس الأول لقائدها، ولكن باستمراره سرعان ما اكتشفت النخبة الإيرانية المثالب القاتلة في تولي الفقيه لشؤون السياسة المتغيرة من خلال منظور متجمد، وسرعان ما عرفت المأزق الذي حرمها من الحرية والنمو اقتصادي، فانقلبت النخبة الإيرانية في الثورة الخضراء بعد انتخابات 2009 على ذاك النمط من الحكم، وسرعان ما أخمدت بلا رحمة وبقوة قاهرة.

إلا أن الأحداث في الداخل الإيراني معطوفة على أحداث الربيع العربي جعلت البعض يتوقع ربيعا إيرانيا قريبا أيضا. هذا التوقع هو الذي يضع السلطة الإيرانية في مأزق مستقبلي ليس له من مخرج غير الفرار إلى هدف وطني قومي جامع هو القوة النووية التي يمكن التحشيد خلفها، وهي التي تخيف أهل الخليج حتى الذعر، لا بسبب امتلاك قوة نووية عسكرية، وهو مخيف بحد ذاته، ولكن بسبب احتمال الصدفة الجيويولوجية المحتملة عن طريق تسرب الإشعاعات النووية، كون إيران على خط الزلازل، أكانت زلازل سياسية أم طبيعية، وتلك كارثة الكوارث.

لا يبدو في الأفق المنظور أي تطور إيجابي بين إيران والقوى الغربية الكبرى، أو بينها وبين دول الخليج العربية القريبة، بل المتوقع هو ارتفاع في حدة التنافر التي قد تجلب أشكالا جديدة في ساحة الصراع.

آخر الكلام:

بتصاعد المجازر المروعة التي تحدث في سوريا وحمص بالذات، فإن إسرائيل ستكون أكثر اطمئنانا على حدودها سواء مع سوريا أو لبنان لفترة طويلة، حيث إن الدماء السورية المراقة حتى الآن فاقت ضحايا حرب 2006 في لبنان، بيد ليست غريبة هي يد الجيش السوري ومناصريه!

المصدر: الشرق الاوسط

-- محمد الرميحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*