الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » متى يعود اليمن سعيدا مرة أخرى?

متى يعود اليمن سعيدا مرة أخرى?

منذ مدة طويلة والكثير من المراقبين يتحدثون عن كون اليمن يمثل نموذجا للدولة الفاشلة (Failed State) أو قريبا جدا منه. اليمن يعاني من مشاكل عميقة وتحديات متعددة لن تكون سهلة على الإطلاق على أي جهة تتصدر قيادته في المرحلة المقبلة

اليمن أحد أكثر البلدان العربية فقرا إن لم يكن على رأس القائمة، وتتزامن مع هذا الفقر مشكلة حقيقية في توفر الغذاء وانتشار الجوع، ويعتبر معدل سوء تغذية الأطفال المرتفع هناك الثاني عالميا بعد أفغانستان طبقا لمنظمة اليونيسيف التي أعلنت قبل مدة أن اليمن على شفا كارثة إنسانية، وأعلى معدل لوفيات الأطفال تحت ٥ سنوات عربيا هو في اليمن، حيث يوجد نصف مليون طفل معرضون للموت هذا العام.

عدد سكان اليمن اليوم ٢٤ مليون نسمة ومن المرجح أن يرتفع إلى ٤٠ مليونا خلال العشرين عاما المقبلة، حيث هناك أحد أعلى معدلات زيادة السكان في العالم وأكثر من ثلثهم من الشباب تحت سن ٢٤ عاما.

يضاعف من تأثير هذا الأمر كون نسبة الأمية هناك حوالي ٥٠٪ ونسبة البطالة ٣٥٪ بحسب تقديرات عدد من المنظمات الدولية. والاقتصاد اليمني يعتمد بنسبة ٧٥٪ على النفط الذي بحد ذاته على وشك النضوب، ورغم كون اليمن دولة زراعية بامتياز إلا أن اليمن يعاني من مشكلة مياه مؤخرا بسبب شح مصادرها والتي تضاعفها مسألة زراعة القات الذي يستهلك نسبة مياه كبيرة دون أن تكون له فائدة أو عائد اقتصادي.

وهذه التحديات بمجملها قائمة في بيئة منعدمة الأمن في ظل ضعف الدولة ومؤسساتها، الأمنية منها على وجه الخصوص، وكذلك مشكلة وجود تنظيم القاعدة وتغلغلهم في المجتمع اليمني، إضافة للأزمات السياسية القائمة سواء “الحراك الجنوبي” الداعي لانفصال الجنوب عن الشمال أو المسألة الحوثية.

 في خضم كل هذا والثورة التي قامت هناك جاءت المبادرة الخليجية كمخرج أتاح فرصة للحلحلة السياسية، والمبادرة الخليجية رغم اعتراض كثير عليها سواء داخل أو خارج اليمن أثبتت أنها الأكثر واقعية وفعالية في الحالة اليمنية، حتى إن صيغة مشابهة لها باتت تطرح كحل لما تمر فيه سورية.

وإجمالا يمكن القول إن المبادرة الخليجية حققت الهدف الرئيس لها وهو ووقف العنف وإيجاد مخرج يضع اليمن على طريق الحل السياسي. ولكن ما هي صيغة الحل السياسي الذي يمكن أن يخرج اليمن حقيقة من مشاكله الراهنة ويجعله قادرا على تجاوز تحدياته؟

 التحديات في اليمن في أساسها تحديات بنيوية (structural) تتعلق باليمن كدولة قبل أن تتعلق بالحكومة، وبغض النظر عن أسباب هذه المشاكل وعن كون النظام اليمني هو السبب الرئيس في هذه التحديات، فالواقع اليوم هو أن اليمن يعاني من هذه التحديات سواء جاءت حكومة ثورة أو حكومة نظام سابق.

إن منطق استبدال قيادة قائمة بأخرى جديدة مع القيام بإعادة هيكلة للطبقة الحاكمة لتكون أكثر تمثيلا للشعب سيظل منطقا قاصرا للتعامل مع التحديات اليمنية على المدى الطويل.

 في اليمن يوجد حوالي ١٣٥ ألف قرية كثير منها قرى نائية وجبلية يصعب الوصول لها يعيش فيها أغلب سكان اليمن، فعلى العكس من الحالة العربية العامة فإن أغلب سكان اليمن يعيشون في القرى والمناطق الريفية (rural) وأقل من ثلث السكان فقط يعيشون في المدن والمناطق الحضرية (urban)، ولذلك فالتجربة اليمنية أثبتت تاريخيا أن المحافظات لا تعتمد كثيرا على العاصمة، ومن ثم فمن الخطأ الاندفاع نحو فكرة الدولة المركزية في دولة تفرض عليها طبيعتها الجغرافية والسياسة وثقافتها الاجتماعية (القبلية) أن تكون دولة لا مركزية بامتياز.

هذا الأمر يطرح أهمية مناقشة مسألة إنشاء نظام فيدرالي في اليمن تتاح فيه للمناطق المختلفة قدرة الحكم الذاتي والاستعاضة عن دور الحكومة المركزية بحكومات أطراف قوية قادرة في كل منطقة على مواجهة تحدياتها المختلفة وعلى تمثيل قواعدها الشعبية على قدر اختلافاتها المتعددة.

 رغم كون هذه الفكرة مسألة تتعلق بالشأن الداخلي اليمني وما يتفق عليه اليمنيون مستقبلا، إلا أن أهمية طرحها من قبل دول الخليج تنطلق من نقطتين رئيستين:

 1- التحدي المتعلق بقضية الإرهاب وتنظيم القاعدة هناك، وهي مسألة لها أبعاد إقليمية ودولية ولا تتعلق باليمن وحده، فالفيدرالية هناك ستعني إمكانية إتاحة المجال للإرهاب للنمو بصورة أكبر، ولكن في المقابل فإن عدم إيجاد حلول حقيقية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية سيعني استمرار أسباب نمو الإرهاب رغم مركزية الدولة. الفيدرالية هنا أمر يمس الأمن القومي الخليجي ويمس مستقبل اليمن كذلك، ولذلك هي مسألة بحاجة للدراسة من أجل البحث حول سبل توفيق طرح فكرة الفيدرالية كحل بعيد الأمد لتحديات اليمن دون المساس بأمن الخليج.

 2- إن المبادرة الخليجية كانت هي الرافعة الأساسية لحلحلة الوضع في اليمن، وبالتالي فإن مستقبل النقاش السياسي في اليمن لا يمكن أن ينفصل لا عن المبادرة ولا عن دور دول الخليج، وهي الدول القادرة على الوساطة بين الأطراف أو الضغط عليها.
 
إن تبني دول الخليج لمقترح فيدرالية اليمن يمكن أن يكون دافعا كبيرا له، وفي النهاية فإن تدخل دول الخليج في اليمن من خلال المبادرة لا يجب أن يظل محصورا في فكرة تسكين أو تهدئة الأوضاع موقتا بل ضمن رؤية أكثر شمولية لحل بعيد المدى يتعامل مع المشاكل البنيوية التي يواجهها اليمن.

المبادرة الخليجية نجحت في هدفها التكتيكي الوقتي ولكن يظل الهدف الاستراتيجي طويل المدى غائبا وتظل الرؤية حوله ضعيفة، والمشاكل والتحديات الأساسية قائمة وستظل قائمة حتى بعد تنفيذ رؤية المبادرة الخليجية، وهو ما يستدعي توسيع نطاق رؤية المبادرة أو الخروج بمبادرة جديدة من أجل مستقبل اليمن.

إن الجغرافيا هي المعطى الوحيد في السياسة الذي لا يمكن تغييره، وسيظل اليمن جار الخليج الجنوبي موجودا بمشاكله وتحدياته، فإشاحة الوجه للجهة الأخرى لن تلغي وجوده.

  ——————–

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- سعود كابلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*