الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مدى شرعية فرض الرأي على الآخرين

مدى شرعية فرض الرأي على الآخرين

نزل الله القرآن الكريم باللغة العربية الفصيحة، ونطق النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة وبالعربية الفصيحة، فهو أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم.

ومع ذلك فإن بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حملت أوجه بمعنى أن الأفهام تختلف في فهم المراد، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن من الصحابة من فهم قول الله عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228]، فمنهم من فهم أن القرء هو الحيض، ومنهم من فهم أن القرء هو الطهر.

وفي السنة المطهرة على سبيل المثال قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريضة»، فحضرت صلاة العصر وهم في الطريق، فمنهم من صلى العصر في الطريق، وقالوا: إنما أراد منا الإسراع، ومنهم من لم يصلها إلا لما وصل إلى بني قريضة، فلما أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لم يعنف أياً من الفريقين بل لم يحدث بين الفريقين أي إنكار ولا تعنيف ولا تبديع ولا مقاطعة.

والشاهد من ذلك: وجود مساحة لخلاف الأفهام بين الصحابة رضي الله عنهم.

ولقد تجسد هذا المفهوم في زمن الخلفاء الراشدين، فكم من خلاف حصل بينهم ولم تذكر السيرة أو التاريخ أن أحداً منهم فرض رأيه على الآخر، وهذا عمر رضي الله عنه كان قد سافر هو وعمار بن ياسر فأجنبا في الطريق ولم يكن معهم ماء فتمرغا في التراب كتمرغ الدابة ثم صليا، فلما وصلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهما كيفية التيمم، وهي ضربة واحدة للوجه والكفين، ثم أن عمر نسي هذا فكان عمار يفتي بعد ذلك حسب السنة في التيمم، وهذا في خلافة عمر، وكان عمر لا يرى ذلك فقال عمار: “يا أمير المؤمنين إن شئت أن لا أفتي بهذه القضية فعلت، فقال عمر: لا، ولكن نولك ما توليت، ولم يعنف عليه مع أنه هو الخليفة وله أن يمنعه”.

وفي زمن الإمام مالك أراد جمع من الخلفاء في زمانه أن يفرضوا على الأمة مذهبه وكتابه الموطأ فرفض رحمه الله وقال: “لا، فإن الناس قد اختلفوا، وهكذا كان الأئمة الأربعة مختلفين، إلا أن ذلك الاختلاف لم يعكر صفو المودة والإخاء، ولم يحدث بينهم قتال رغم أن بعض المذاهب وصل إلى سدة الحكم، بل كان كل من الأئمة يثني على صاحبه ويحترم اجتهاده بل ويتهم نفسه، وهذا الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

لكن ما نراه اليوم من فرض الرأي بالقوة من قبل الحوثيين في صعدة، وحجة خروج عن الطريق السوي ولم تألف الأمة مثل هذا الأسلوب، بل إن السنة تعايشوا مع الزيدية قروناً فتصاهروا واندمج بعضهم ببعض، وصلى الشافعي وراء الزيدي والعكس، غير أن هذه الفئة التي تبنت فكر الرفض الطائفي الإقصائي لا تريد التعايش مع من خالفها حتى ولو كان من أقرب الناس إليهم، فهاهي مئات من الأسر الصعدية هاجرت من صعدة لا لشيء إلا لكونها سنية، فهدمت دورها، ونهبت أموالها ومزارعها، وصاروا اليوم يطالبون بحق العودة كما هو حال الفلسطينيين، فهل سيسمح لهم الحوثيون بالعودة، ويعيدون لهم ممتلكاتهم ويعوضونهم عن الخسائر التي نتجت عن تهجيرهم..

ولما حاصروا طلبة العلم في دماج أكثر من ثلاثة أشهر بالرغم من أنهم هناك منذ نحو ثلاثة عقود لم يشتك أحد من أهل صعدة منهم، ولم يريقوا أو يتسببوا بإراقة قطرة دم..

والسؤال الذي يطرح نفسه؟ هل الحوثيون مواطنون يمنيون أم هم دولة!

—————-

المصدر: مأرب برس

-- الشيخ عقيل المقطري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*