الأحد , 4 ديسمبر 2016

ترميم القلوب أولاً

لا شك أن الأحداث طوال عام الثورة الشبابية الشعبية قد نكأها جراح وأوغر فيها ألم كبير كان ذلك نتاجاً لتمترس بحق أو باطل ولا عيب في الاختلاف، فقد يختلف الأب وابنه والزوج وزوجته، وقد اختلف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل اختلافهم إلى السيوف، ولكن العيب ألا نتفق، والعيب أن تستمر العداوة والفرقة والشقاق، وما يترتب على ذلك من الهلكة.

إذاً: لابد وقد انتقلنا إلى بداية عهد جديد من خلال الانتخابات الرئاسية المبكرة، وطوينا بذلك صفحة الماضي، وبما أن للشعب أولويات تتمثل باستتباب أمنه وقضاء حاجاته وترميم سياساته إلا أننا نقول: أن أولى الأولويات ترميم القلوب ويتمثل ذلك بالتصالح والتسامح والعفو والصفح؛ استجابة لأمر الله القائل: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40].

وقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199].

وقوله: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:14].

وقوله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22]

وقوله تعالى: {ولَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ} [الشورى:43].

كل هذا الحشد القرآني هو نداء رباني يجب أن نسارع لتلبيته، وإن كان لا بد من معاقبة المعتدين والمفسدين يجب أن يكون العقاب بالمثل دون اعتداء أو تجاوز للحد أو نضيق باب الثأر ونوسع باب العفو.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن وجهه جراء رمي قومه له بالحجارة وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

لم لا؟ وهو القائل: «ما زاد الله بعفوٍ إلا عز»، وفعلاً فقد أعزه الله، وأعز دينه، وأذل من اعتدى عليه، وقد تجلت عظمة تسامحه لمن قتل أقرباءه وأصحابه في بدر، وغيرها حين مكنه الله ممن قتلهم، فإذا به يعلن تلك الكلمات المجلجلة في سماء العفو والتسامح: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وقد فعل أخوه يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام من قبل حين قال لأخوته بعدما فعلوا به ما فعلوا: {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ} [يوسف:92].

لقد جاء الإسلام ليكفكف نزوات الإيذاء والظلم والتسلط والإساءة إلى الغير، ويقيم أركان المجتمع على العفو، وهي الكفيلة بترميم جراحات القلوب، وهذا ما يميزنا، ويميز ديننا عن الآخرين.

ومن أراد أن يجلب الناس إلى منهجه الحق فليكن هذا منهجه قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فُصِّلَت:34].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما عندك يا ثمامة! فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة! قال: ما قلت، لك إن تنعم، تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة! فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم».

وهذه هو المجتمع الذي ننشده في عهد اليمن الجديد.

—————–

المصدر: مأرب برس

-- محمد بن ناصر الحزمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*