الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ودمـعٌ لا يكَفكفُ يا دِمشقُ

ودمـعٌ لا يكَفكفُ يا دِمشقُ

من الذي لم يزر دمشق ويشم عبق زهورها وجريان نهرها الذي أذهل الشعراء وأذاب وصف البلغاء، ساحت في جوانحي أحاديث شتى وأنا أستمع وأشاهد إلى طلق الرصاص ودوي المدافع تزمجر بين جنبات دمشق العتيقة. دموع تنساح في دمشق وأرواح تزهق في حمص وحماة وأدلب ودير الزور ودرعا. 

كيف اختطفت تلك المدينة العربية الأصيلة فأزهقت عروبتها بفارسية العجم وهي التي ظلت طوال قرون تعتلي شموخ العروبة ذلك «لأن العز أوله دمشق» . 

إنها صناجة العرب منذ طلائع القرن الأول. قارعت التتار وصدت ووقفت للصليبيين. 

إذارغب أحد في شمشمة رائحة العرب المجيدة فهي دار أمية العربي المخزومي، منها ابتدأت أول خلافة خارج المدينة المنورة. 

أي دمشق هذه اليوم ؟ التي سعى نظام الأسد إلى إزهاقها وجعلها رقيقة في يد الفرس وإيران. 

كنت أقرأ في مذكرات الطنطاوي المطبوعة وهو يحاكي الزمان عن دمشق التي أبعد وطرد منها قسرا بعدما ترعرع في كنفها وشب بين جدرانها.

يصف جبل قاسيون وصعوده له ووصفه للغوطة الدمشقية وصفا بديعا تدمع العين لحرقته. 

فكيف لو رأى اليوم دمشق وهي تغتال في وضح النهار روعت حرائرها وأزهقت إرادتها. 

اقرؤوا معي هذا الوصف الجميل عن دمشق وهي تطعن اليوم صباح مساء حيث يصف الشيخ الأديب الراحل علي الطنطاوي رحمه الله فيقول: «دمشق.. وهل توصف دمشق.. هل تصور الجنة لمن لم يرها.. كيف أصفها وهي دنيا من أحلام الحب وأمجاد البطولة وروائع الخلود.. من يكتب عنها وهي من جنات الخلد الباقية.. بقلم من أقلام الأرض فان.. دمشق التي يحضنها الجبل الأشم الرابض بين الصخر والجبل المترفع عن الأرض ترفع البطولة العبقرية.. الخاضع أمام السماء خضوع الإيمان الصادق. 

دمشق التي تعانقها الغوطة الأم الرؤوم الساهرة أبدا.. تصغي إلى مناجاة السواقي الهائمة في مرابع الفتنة وقهقهة الجداول المنتشية من رحيق بردى.. الراكضة دائما نحو مطلع الشمس..

دمشق التي تحرسها الربوة ذات الشاذراوان وهي خاشعة في محرابها الصخري تسبح الله وتحمده على أن أعطاها نصف الجمال حين قسم في بقاع الأرض كلها النصف الثاني..

دمشق أقدم مدن الأرض قدما وأكبرها سنا وأرسخها في الحضارة قدما كانت عامرة قبل أن تولد بغداد والقاهرة وباريس ولندن وقبل أن تنشأ الأهرام وينحت من الصخر وجه أب الهول وبقيت عامرة بعدما مات أترابها واندثرت منهن الآثار وفيها تراكم تراث الأعصار.. وإلى أهلها اليوم انتقلت مزايا كل من سكنها من سالف الدهر ففي نفوسهم من السجايا مثل ما في أرضها من آثار التمدن وبقايا الماضي.

واصعد جبل دمشق حتى تبلغ قبة النصر التي بناها برقوق سنة 877 للهجرة ذكرى انتصاره على سوار بك (هدمها المستعمرون في الحرب الثانية وكانت رمز دمشق، أما القبة الثانية فقد بناها الأمير سيار الشجاعي وسميت باسمه) ثم انظر وخبرني هل تعرف مدينة يجتمع منها في منظر واحد مثل ما يجتمع من دمشق. لقد تعاقبت المحن والبلايا على دمشق طوال قرون ومع ذلك تخرج منها متعافية مستعيدة عروبتها وصمودها كلما حاول أحد أن يقطع الصوت العربي المتهدج وهو يعلو بأذانه من المسجد الأموي.

كيف غيبت الشام وسوريا ودمشق عن العرب وخنقت في إطار طائفي ضيق وباعت العرب بود إيران التي تضمر الشر لدمشق وأهلها. 

تلك الفواجع التي تنهال على دمشق وإزهاق تلك الأرواح صباح مساء على يد الشبيحة ونظام الأسد فروعت الصغار وقتلت الكبار صوبت على المساجد والمنابر ودكت الحصون والأبنية والآثار والأديرة لن تركع دمشق لحصار الذل الذي لا يرضاه أهل الشام وشعارهم شعار العربي منذ انطلاق ثورتهم «الموت ولا المذلة». 

d-almushaweh@hotmail.com

فاكس : 014645999

———-

نقلاً عن عكاظ

-- محمد بن عبدالله المشوح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*