الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الانتفاضات العربية: الماضي أفضل من الآتي..!

الانتفاضات العربية: الماضي أفضل من الآتي..!

لا يعتري المتابع شك في أن النظام البعثي في سوريا قد دخل مرحلة الموت السريري, إلا أن ثمة فرصة له ليعيش فترة أطول, نتيجة لما تمده به المعارضة السورية المشتتة, والمنقسمة على نفسها, من أوكسجين صناعي يبقيه حياً إكلينيكيا فترة مقبلة, تطول أو تقصر. مع ذلك, فإن الاستقراء السياسي والفكري للمزاج العربي والإسلامي لا يشيئ بما يمكن أن يطمئن السوريين على مرحلة ما بعد سقوط النظام. بل إني لا أستنكف أن أزعم أن السوريين ربما سيعذرون “الحجاج البعثي” عند مقارنته بخلفائه من ملوك الطوائف المنتظرين, من سلف وإخوان, وآخرين من شكلهم أزواج, وما على السوريين إلا أن ييمموا وجوههم شطر المحيط العربي , مشرقاً كان أم مغربا, لئلا تصيبهم بعد سقوط النظام معرة بغير علم!

جميع الانتفاضات والتغييرات العربية أفرزت نظماً أشد ديكاتورية, وأمضى استبداداً من تلك التي ضحت بدمائها زكية في محاربتها, واقتلاعها من جذورها, فأحالت «الثائر» العربي ليكون كالمنبت الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع!

جميع الانتفاضات والتغييرات العربية أفرزت نظماً أشد ديكاتورية, وأمضى استبداداً من تلك التي ضحت بدمائها زكية في محاربتها, واقتلاعها من جذورها, فأحالت “الثائر” العربي ليكون كالمنبت الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع! العراقيون مثلاً, شربوا من مرارات حزب البعث, وخاصة أثناء فترة حكم صدام حسين, سنين عددا, وكانوا يتمنون في سرهم وخلواتهم أن يذهب الله عنهم الرجس البعثي, ويطهرهم من أدرانه تطهيرا, ولكن ما أن انجلى غبار معركة الإطاحة برأس البعث العراقي, حتى خلفه خلْف طائفي أذاقهم ضعف الحياة وضعف الممات, ثم لم يجدوا عليه نصيراً إلا الترحم على صدام وأيامه وأهل بيته! ذاك الخلف الذين لم يكتف بإزاحة حزب البعث من السلطة, بل سن قانوناً سموه “اجتثاث البعث”, فيما لا يستنكف في الوقت ذاته أن يدعم فصيله الثاني في سوريا, لكأن الاثنين لم ينفلقا من بذرة شيطانية واحدة, هي بذرة ميشيل عفلق وصلاح البيطار وجلال السيد وأكرم الحوراني, ومن لف لفهم من شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا!

في مصر, كانت الانتفاضة ضد مبارك تتوشح أردية الديمقراطية والحرية والمدنية, وما أن انقلب مبارك على عقبيه وغادر المشهد, حتى تداعى الأكلة الأصوليون على القصعة السياسية وهم يتهارشون تهارش الحمر, ولن يمضي وقت طويل حتى يتنادى المصريون : وامباركاه, بعد أن يخلفه خلفاؤه الأصوليون في شعبه شر خلفة!. في ليبيا عانى الليبيون من جنون القذافي لما ينيف على أربعين سنة عجافا, ولم تكد تربة قبره تجف بعد أن قتله الثوار غيلة, حتى بدأت نذر الصوملة تحوم حول الأرض الليبية, بعد أن انقسم الثوار إلى طوائف, لكل منها ميليشيات تمر بالمنضمين تحت لوائها على جيف الكلاب!, بالإضافة إلى أن جنوب البلاد أصبح مهدداً بالانفصال وتأسيس دويلة جديدة عاصمتها مدينة سبها, لتكون شوكة في خاصرة دويلة الشمال, على غرار شمال السودان وجنوبه.

تونس مهد ما يسمونه “الربيع العربي”, وبيت العقلانية العربية تتآكل فيها مشاهد الحرية والانفتاح لصالح طوائف دينية تريد أن تختزل ثمرة الثورة في إعادة الحجاب وأسلمة البنوك وأسلمة السياحة! بل إن تونس التي طردت ابن علي في ليلة ظلماء, فغادر بلاده خاسئاً وهو حسير, لا يتورع رئيسها “الليبرالي!”: (المنصف المرزوقي) أن يعلن استعداد بلاده لاستضافة طاغية الشام, وهو ذاك الطاغية الذي لا يعدو ابن علي أن يكون تلميذاً صغيراً في مدرسته ومدرسة أبيه.

الانتفاضات العربية لم تفعل شيئاً سوى أنها استبدلت ديكتاتورية الفرد, بديكتاتوريات الطوائف, كل منها يصيح: هلموا إليَّ فأنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وسوريا لن تكون بدعاً من المشهد العربي, ذلك أن القيم التي ينطلق منها “الثائر” العربي, هي نفس القيم التي ينطلق منها المستبد الذي يراد له أن يغادر المشهد.

الثورة السياسية قبل الثورة الفكرية, لا تعدو أن تكون شكلاً من أشكال وضع العربة أمام الحصان, ذلك أن القيم الاجتماعية والثقافية التي تتحكم في مفاصل المجتمع, وتحدد له خياراته, وتحدد له الحرام والحلال, إذا لم تمسسها رياح التغيير أولا, فإن أي تغيير سياسي لن يكون أكثر من استبدال مستبد بمستبد آخر, وفي الحالة العربية والإسلامية, استبدال مستبد فردي علماني يحكم بقانون” ما أريكم إلا ما أرى”, إلى مستبد ديني يسم الناس سوء العذاب تحت يافطة عريضة تحمل شريعة الله!

ولعل المناسبة تقتضي أن أعيد ما قلته سابقاً من أنه في ظل هذه الاحتياجات والعواصف التي لا تخلف إلا فتناً كقطع الليل المظلم, تبقى أنظمة الحكم الملكية، خاصة العريقة منها، والتي انبعثت من الوطن، وانبث أريجها في كل مناحيه، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من نسيجه، أَمَنَة لمجتمعاتها من أن يأتيها ما توعد. وها هي المجتمعات التي كفرت بأنعم الله فتخلت عن أنظمتها الملكية, أصبحت اليوم، وبعد أن مرت عليها مع الأنظمة الجمهورية التي خلَفَتْها، سنين كسني يوسف، ذاقت فيها لباس الجوع والخوف, لمَّا تزل تحن إلى تلك الأيام التي كانت فيها الأنظمة الملكية ملء السمع والبصر. بل إن الحنين إلى الأنظمة الملكية لم يعد قصراً على دول العالم الثالث, بل تعداها إلى دول العالم الأول، يتضح ذلك من عزو المؤرخ البريطاني (ليزلي ماكلوكلن) ضخامة حجم المتابعة الجماهيرية العالمية لزفاف الأمير (وليام) نجل ولي العهد البريطاني، إلى عروسه (كيت ميدلتون) بأن “ثمة حنيناً إلى المَلَكية في أمريكا وفرنسا, وفي كل أنحاء أوروبا”. ويبدو لي أن ثمة رابطاً من نوع آخر يقف خلف هذا الحنين، ذلكم هو ما يمكن وصفه بالرابط السيكولوجي الذي يربط الشعوب بالأسر المالكة, وهو رابط يتجاوز الرابط السياسي. ذلك أن هذه العلاقة بين الطرفين, تحولت بفعل العراقة و الاستمرارية وسلاسة انتقال السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة، وانتفاء المنافسات السياسية السلبية المدمرة، كتلك التي تقع بين أعضاء الأحزاب السياسية، وقدرتها على تجاوز خلافاتها العارضة, ومن ثم انعكاس ذلك كله على استقرار البلد, وضمان أمنه وأمانه، إلى نوع من العلاقة الأسرية الخاصة, ومن ثم فالشعوب المنضوية تحت لواء الملكية لا تتصور الملك إلا أباً رحيما, وملجأً حصيناً يُتحصن به من طوارق الليل والنهار. ولقد دلل المؤرخ البريطاني الآنف الذكر على وجود هذه الرابطة السيكولوجية بتذكيره بأن الجمهور البريطاني توجه تحت وطأة قصف الطائرات الألمانية للعاصمة البريطانية: لندن خلال الحرب العالمية الثانية، إلى القصر الملكي في (بكنجهام)، بدلاً من التوجه إلى مقر الحكومة في (عشرة داوننج ستريت).

ونصيحتي للشعوب العربية المحكومة بأنظمة ملكية ألا تنزع يداً من طاعة, وأن تراهن على إصلاحات داخلية متدرجة تضع على رأس أولوياتها بقاء النظام الملكي فيها كصمام أمان لا يمكن التفريط به. أما “الثائر” العربي في الأنظمة الجمهورية القائمة, فأحسب أنه بحاجة إلى من يذكره بالمثل النجدي الدارج:” امسك قردك لا يجيك أقْرَد منه!!”

=============

نقلاً عن الرياض

-- يوسف أبا الخيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*