الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإسلاميون في الثورة السورية!

الإسلاميون في الثورة السورية!

لا يكتمل الحديث عن الثورات العربية عموما والسورية خصوصا إلا بقراءة أحوال الإسلاميين ودورهم فيها، وهو حديث عن مروحة واسعة من القوى السياسية والجماعات الدينية، والأهم عن فئات شعبية واسعة وجدت في الملاذ الديني عزاء روحيا يعينها على مواجهة واقع قائم على الاستبداد والفساد وأوضاع تنموية ومعيشية مزرية كرست تباينا صارخا بين قلة من ملاك الثروة وجموع غفيرة يكويها الفقر والتخلف والجهل. يحتل «الإخوان المسلمون» الموقع الأبرز بين الأحزاب الدينية في سوريا، ليس فقط لأن التنظيمات الأخرى غير مؤثرة أو وازنة، كحزب التحرير الإسلامي الذي لا يزال ضعيف الحضور والانتشار، وزادته ضعفا حملة الاعتقالات التي طالت، مطلع الألفية، أهم كوادره في دمشق وحمص وحلب، وإنما أيضا لأن «الإخوان المسلمين» كانوا الشغل الشاغل للبلاد في غير مناسبة ولم يغيبوا عن المشهد السياسي، ولأنهم استطاعوا بعد سنوات الملاحقة والقمع الشديد الوقوف نقديا من الماضي وتجديد حضورهم عبر رؤية سياسية جديدة استندت إلى مطالب الناس في الحرية والكرامة ودولة المواطنة، مما أهلهم للمشاركة في أكثر من ائتلاف سياسي معارض، في إعلان دمشق ثم جبهة الإنقاذ، وأخيرا في المجلس الوطني السوري!

إن تمسك «الإخوان المسلمين» بسلمية الثورة وروحهم التشاركية وانضوائهم في صفوف المعارضة السياسية، إذ يدل على عمق مراجعتهم النقدية وما خلصوا إليه حول احتكامهم للعملية الديمقراطية والأساليب اللاعنفية، فإنه لم يقنع الجميع، وثمة من لا يزال يطعن في صدقية مواقفهم ويثير الشكوك حول جدية تحول جماعة دينية تميزت تاريخيا بعصبيتها الآيديولوجية وبأساليبها العنفية نحو الديمقراطية، خاصة أنها لا تزال تحمل اسما ذا مدلول طائفي يجعلها ساحة خصبة لنمو اجتهادات واندفاعات تهدد خيارها الديمقراطي، ويعتقد هؤلاء أن هذا التنظيم يضمر عموما غير ما يظهر، وأنه لبس رداء المدنية والسلمية لإعادة بناء جسور التواصل شعبيا وسياسيا بعد هزيمته في مطلع الثمانينات، وأنه غير مرة أظهر براغماتية مقلقة في الموقف من النظام السوري، آخرها تجميد نشاطه المعارض إبان أحداث غزة، محذرين من المستقبل، ومن أنه لن يمر وقت طويل حتى تتكشف حقيقته، وتعود حليمة لعادتها القديمة، لنقف أمام مشروع سياسي ديني وما يترتب على ذلك من نتائج مدمرة للمشروع الديمقراطي.

في المقابل، ثمة إسلاميون هم أشبه بجماعات تلتف حول بعض المشايخ وعلماء الدين وتمنحهم الولاء والثقة، منهم من تمايزوا على أساس نهجهم الداعي للسلمية واللاعنف، ومنهم من اقتدوا بنجاح النموذج التركي الذي حفر عميقا في البيئة الإسلامية السورية مشجعا نمو جماعات على صورته ومثاله، عرفوا باسم التيار الإسلامي الديمقراطي، ومنهم من انساقوا خلف رؤى سلفية أو أفكار جهادية، لعبت بعض القنوات الفضائية الدينية دورا في نشرها والتأثير على الحراك الشعبي، خاصة أن لديهم ما يكفي من التأويلات للنصوص الدينية لإضفاء الشرعية على أهدافهم وأساليبهم في ظل احتقان غير مسبوق للغرائز ولده العنف السلطوي المفرط. ولم يضعف حضور هذه الجماعات النقد الذي تعرضت له من أحزاب إسلامية بأنها قد أساءت للحراك الشعبي وأفقدته تعاطف الناس وجرته إلى تحديات خطرة كان في غنى عنها، فالحق يقال، إنه واطرادا مع ازدياد شدة القمع والتنكيل والانزياح الطائفي، ازدادت الدعوات للتطرف والجهاد، وازداد الرصيد الشعبي لهذه الجماعات، بجانب التفاف الكثيرين حول شعاراتها ورموزها، خاصة أولئك الذين لم تعد لديهم قدرة على تحمل المزيد من القهر وفقدوا الأمل في أي معين، محلي أو عربي أو أممي، يرد عنهم بعض الأذى والضرر!

من جهة أخرى، هناك الإسلام الشعبي الذي ينمو وينتشر في القرى والأرياف وأحزمة المدن الفقيرة، والذي يثير بطقوسه وشعائره الجمعية حالة من التضامن والتكافل بين الناس تعينهم على ما هم فيه، خاصة أن الدين يشكل لدى عموم السوريين أحد عوامل الضبط والتماسك الاجتماعيين، ويعد عند الكثيرين المعيار القيمي الذي يحول دون الانفلات والتردي الأخلاقي، وهذا النوع من الإسلاميين لا يخضع عادة لأحزاب دينية ولا يحكمه مشروع أو برنامج سياسي محدد، بل يشكل عادة ميدانا للتنافس والصراع بين قوى وتنظيمات الإسلام السياسي، وبالفعل كان لهؤلاء دور عفوي كبير في انطلاق الحراك السوري وفي مده بأسباب الاستمرار وبالتضحيات الثمينة، خاصة مع بروز هم جامع وملح لدى غالبيتهم حفزته الثورات العربية على إحداث تغيير في المجتمع يضمن لهم كرامتهم وحقوقهم، ويزيل التمييز والفوارق من كل الجوانب الحياتية التي عانوا منها طيلة عقود، وما عزز حضورهم ومشاركتهم الاختيار الرمزي ليوم الجمعة من أجل تسخين الاحتجاجات واعتماد المساجد محطات للتجمع وانطلاق المظاهرات، ولجوء المحتجين إلى بعض الهتافات والشعارات الدينية في مواكب التشييع، والأهم أثر القمع المعمم والعنف المفرط في كسر حياد الكثيرين منهم وجرهم جرا لخوض غمار هذا التحدي!

ومع أخذ ما سبق بعين الاعتبار والتفهم، فمن العدل والإنصاف القول إن الرصد الموضوعي لقوى الإسلام الشعبي في الثورة السورية يكشف اليوم تجاوزا للعفوية وحضورا لأوساط ذات مصداقية من المتدينين والإسلاميين المستقلين، احتلوا الصفوف الأمامية وتصدوا ببسالة للقمع والتنكيل، ينتمون إلى فئات شبابية لا تسيرها قيادات سياسية أو مواقف آيديولوجية محددة، ترى في عقيدتها الدينية ما يحفزها للدفاع عن قيم الحرية والكرامة والمساواة وما يقطع مع الأساليب القسرية والتسلطية! والحال أنه أيا كان وزن الإسلاميين على اختلاف أطيافهم في الحراك الشعبي، وأيا كان دورهم، فإن عليهم مسؤولية كبيرة لا تحتمل التأجيل في خصوصية المجتمع السوري وطابع مكوناته، تتمثل في محاربة كل أشكال التعصب والتطرف وإثبات عمق التزامهم بقيم الثورة في الحرية والكرامة واحترام حقوق الإنسان، للرد على محاولات الطعن في صدقيتهم، ولدحض هواجس ومخاوف تتنامى لدى الناس من حالات الفرز والاصطفاف الديني أو الطائفي.

————

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- أكرم البني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*