الجمعة , 9 ديسمبر 2016

نظرات توحيدية

 الإنسان يتطلَّع ابتداءً لمعرفة مَـنخَـلَـقَـهُ وأخرجه من العدم إلى الوجود، ولِـمعرفة مَن أوجدَ هذا العالَم الذي يطوف من حوله ، فلدَى الإنسان قُدْرةٌ وتَهيُّؤٌ خلْقِيٌّ لمعرفة الحق بالنظر والاستدلال الضروري، فهذه القُدْرَة على الاستدلال مَلَكةٌ مركوزة في الإنسان .

وقدأشار القرآن الكريم إلى هذا الاستعداد والتَّهيُّؤ في النفس الإنسانيَّة عندما قال: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: ( الفطرةالسلامة والاستقامة) 

وقال القرطبي في تفسيره : (وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة وشيخنا أبو العباس)

وقال ابن عطيَّة في تفسيره: ( والذي يُعتمَدُ عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخِلْقةوالهيئة التي في نفس الطفل، التي هي مُعَدَّة ومهيَّأة لأن يُـمَيِّز بها مصنوعات الله تعالى، ويَستدلُّ بها على ربِّه)

وقال أبو العباس القرطبي في كتابه الـمُفْهِم على صحيح مسلم : ( المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق ، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات ، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدْرَكَت الحق، ودينالإسلام هو الدين الحق)

فالإنسان مفطورٌ ضرورة على حالٍ من الاستعداد النفساني والتَّهيُّؤ العقلي لِلاستدلال على الحق، فإنه إذا نَظَرَ نظراً صحيحاً في دلائل التوحيد التي بثَّها الله في الكون،عَرَفها معرفة المؤثِّر حالَ رؤية أثره، ومعرفة النار حالَ رؤية شررها، ما لم يَحُلْ دون ذلك حائلٌ، مِن مؤثِّرٍ خارجيّ يحرفه عن رؤية الحق مِن تربيةٍ أو غيرها.

وبيان ذلك أن الله تعالى لَمْ يَكِلْنا إلى الأذواق ولا إلى المواجيد، فلا يصحُّ أن نجعلها سبيلاً أو دليلاً على عقائدنا، بل إنه سبحانه قد وَهَبنا مَلَكَةالقابليَّة للاستدلال على التوحيد، ثمَّ نثر في الكون دلائل ربوبيَّته وتوحيده، ثم أمر بالنَّظر والتَّدبُّر كما في قوله (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُواكَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) وقوله (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) .

وقد قال الشيخ أبو عبد الله بن القَوْبَع : 

تأمَّلْ صُحَيْفاتِ الوجودِ فإنَّها ********* من الجانب السَّامِي إليكَ رسائِلُ

وقد خُطَّ فيها إن تأمَّلْتَ رَسْمَها******** ألاَ كلُّ شيء ما خَلا اللهَ باطِلُ

وفي معناه قول الشيخ حسن البُورِينِيّ:

وَرَقُ الغُصُونِ إذا نظَرْتَ دفاتِرٌ********** مَشْحونَةٌ بأدِلَّةِ التَّوْحيدِ

بل قال الإمام الغزالي رحمه الله :دلالة الأثر على المؤثِّر أمرٌ مرتكز في طبيعة الحيوان .

وهذا الأعرابي لماَّ قيل له : بم عرفتربك ؟  لَمْ يعتمد في جوابه على ذوقهوَوِجْدانه ، وإنما استند إلى فطرته الإنسانيَّة، فقال: البعرة تدل على البعير،وآثار الأقدام تدل على المسير .

وقديماً قيل :

قديُستدَلُّ بظاهرٍ عن باطنٍ********** حيث الدخان فَثَمَّ مَوقدُ نار

فليس المراد بالفطرة ما فَهِمَهُ بعضُ مَن تكلَّم عن التوحيد مِن ترك دلالات العقول والإعراض عن النَّظر والاستدلال.

فالإنسان بحكم فطرته بحاجة إلى النَّظر وإلى الاستدلال، فالشأن فيه أن يسعى إلى إجالَةِ فِكْرِهِ وإلى إعمال نَظَره، فليس عبثاً أن نجد الآيات الكثيرة التي تدعو إلى التدبُّر والتفكُّر وتُبَرْهِنُ على ربوبيَّة الله سبحانه، فالإنسان وُلِدَ خالي

-- قيس بن محمدآل الشيخ مبارك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*