الأحد , 4 ديسمبر 2016

( ويل للمطففين )

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا حادا وجنونيا في القيمة الإيجارية للوحدات السكنية، يلازمها ارتفاع كبير في أسعار بعض المواد الغذائية، ومستلزمات المدارس ومعظم احتياجات الأسرة، وهو ما جعل تكلفة المعيشة مرتفعة للغاية وبخاصة لمتوسطي ومحدودي الدخل.

 الغريب أن الارتفاع ليس له مبررات اقتصادية منطقية فالأسعار مستقرة عالميًا وهو ما يعني أنها انعكاس لبعض حالات الاحتكار والمغالاة والطمع والغش والتدليس التي يدفع ثمنها البسطاء.

 «الرسالة» ناقشت القضية مع بعض أطرافها من خبراء في الاقتصاد وعلماء في فقه البيوع والمعاملات وأعضاء في مجلس الشورى.. وفتشت في عقول تلك النخب عن الطريقة المثلى للتعامل مع هؤلاء التجار المتلاعبين بالأسعار في ظل عدم جدوى الإجراءات العقابية للمخالفين كالغرامات المالية والتشهير، وكيفية إعادة الاستقرار للسلع والخدمات في الأسواق وفق منهج السماء بحيث تتحقق العدالة النسبية بين المنتجين والمستهلكين وتخمد نار الأسعار. 

في البداية أكد وزير الحج سابقًا الدكتور محمود سفر ضرورة التزام كل أفراد المجتمع بقيم التراحم فالمجتمع المسلم بطبعه متراحم ويقوم على أساس المحبة والإخاء: «ولكن للأسف هناك عدد محدود من أبناء هذا المجتمع استشعر قدرته على رفع الأسعار ومضايقة الآخرين من الاحتكار وما شابهه دون مسؤولية أخلاقية وإيمانية».

 وبين سفر أن هؤلاء لا يمثلون المجتمع المسلم الطيب بعدما انصاعوا لأهوائهم ولأنفسهم فكانت النتيجة الحالية، معربا عن أمله في أن يعودوا إلى رشدهم ويدركوا أن ما يفعلونه ليس في صالحهم أولًا من الناحيتين الدينية والدنيوية وليس في صالح مجتمعهم كذلك: «ولهذا عليهم أن يعودوا إلى صوابهم».

 وأكد أنه على ثقة تامة بأن هذا المجتمع سيعيد هؤلاء إلى وضعهم الطبيعي من حيث الالتزام بقيم الإسلام في حياتهم اليومية وينسجم سلوكهم مع المنهج الرباني في تعزيز قيم التراحم والتسامح ورفض كافة إشكال المغالاة والطمع والاحتكار.

 يضر بالمستهلكين والمنتجين أيضا

 أما الاقتصادي المعروف ورئيس كليات إدارة الأعمال الأهلية عضو مجلس الشورى سابقا الدكتور عبدالله دحلان فانتقد بشدة جرى البعض وراء الكسب السريع برفع الأسعار للسلع والخدمات بطريقة تضر بجمهور المستهلكين، وقال: «أنا كرجل أعمال ومواطن ومسلم، أتوجه بالدعوة الصادقة لكل التجار بتقوى الله في البيع والشراء فرفع الأسعار بطريقة عشوائية ضار بهم على المستوى التجاري لان الطلب سوف يتراجع حتما لعدم القدرة الشرائية لشريحة من الناس، وعليهم الالتزام بالكسب الخلال ولو كان قليلا».

 وبين أن هذا الجشع يساهم في إلحاق الضرر بالمجتمع، واعتبر ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر يدخل في إطار الغش التجاري، ويكون أكبر المتضررين منه الفقراء وذوي الدخل المحدود.

 ودعا دحلان تجار المملكة بأن يقبلوا بهوامش الأرباح المعقولة والتي هي مطبقة في العديد من الدول النامية والفقيرة: «رغم أن الأسعار في بلادنا ما زالت في إطار الأرخص مقارنة ببعض الدول التي تفرض ضرائب على السلع والخدمات، إلا أن هامش الأرباح لدينا عال جدا في بعض السلع، وينبغي إعادة النظر فيه».

 واقترح التوسع في إنشاء الجمعيات التعاونية التي تستهدف تغطية التكاليف فقط في عملية بيع وتوزيع بعض المنتجات: «وأمنيتي من زملائي التجار أن يتعاملوا مع الموضوع من زاوية مخافة الله وهي الأساس، وأن تحقيق الأرباح على حساب الفقراء من وجهة نظري، هو ضرر لمصلحة الآخرين من المسلمين، ونبينا الكريم يقول: لا ضرر ولا ضرار».

 وشدد على ضرورة عدم المغالاة في السلع والخدمات الأساسية للإنسان مثل المأكل والمشرب والملبس والعلاج والمسكن: «وأخص أيضا المستشفيات والمراكز الصحية، التي تعنى بصحة الإنسان، أما الكماليات فباب المنافسة التجارية فيها كبير جدا، ومن يبحث عن الأرخص فالأسواق فستكون هناك البدائل، وأتمنى من وزارة التجارة أن تكثف من دورها في مراقبة الأسعار».

 التشهير عقاب لهم 

من جهته أوضح عميد المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجامعة أم القرى وأستاذ القضاء المشارك الدكتور خالد الشمراني أن مظاهر الجشع والمغالاة التي بدأنا نراها حاليًا لها أسبابها وهي الرغبة للحصول في أكبر قدر من الربح سواء أكان ذلك حلالا أم حراما.

 وبين أن الجشع هو الاندفاع إلى الربح بغض النظر عن مشروعيته، حيث يكون ضحية هذا الجشع (الفقراء)، مشيرا إلى أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أكد أن هذا الأمر محرم كما جاء في صحيح مسلم بقوله: (مَن احتَكَرَ حَكرَة يريدُ أن يُغلي بِها على المُسلمينَ فهُو خاطئ وقد بَرِئت مِنهُ ذِمَّةُ اللّهِ ورَسولِهِ).

 وأكد الشمراني أن مثل هذه الأمور ستكون سببا في عدم طيب المكسب، مشيرا إلى انه ليست العبرة في كثرة الربح وإنما بطيبه، ونصح جميع أطراف العملية التسويقية بتقوى الله عز وجل وأن يطيبوا مآكلهم، وأضاف: «وأتمنى من الجهات الرقابية والمسؤولة أن يضعوا التدابير والوسائل الخطيرة لمعالجة الاحتكار، وذلك بسن الأنظمة التي تؤدي للقضاء على هذه الظاهرة وتخفيفها، ومعاقبة من يقوم بذلك والتشهير به بعد عرضه للجهات القضائية».

 التوجه للجهات الرسمية

 وعن الرؤية الشرعية لظاهرة رفع أسعار السلع والخدمات، أشار عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بن سعود الإسلامية بالرياض الداعية الدكتور ناصر الحنيني إلى أنه ينبغي للمسلم في المقام الأول أن يتحرى في ماله ومكسبه وقوته الطيب الحلال، وأنه مسؤول شرعا عن كل ما يقوم به.

 وقال انه من المفترض أن يكون هدف التاجر المسلم من تجارته هي الكسب الحلال المشروع من غير مبالغة، فالعبرة تأتي ببعده عن استغلال الضعفاء والعبرة في بركة المال لا بكثرته، وكان السلف يتبرعون من أرباحهم البسيطة ويتقون الله في تجارتهم حتى لا يلحقوا الضرر بالفقراء والضعفاء. 

وطالب الحنيني التجار باستشعار مخافة الله وأنه سيكون غدا بيد الرحمن ولن يجد آنذاك من يدافع عنه ويكون محاميا عنه سواء في أقواله وأفعاله، وأنه سيحاسب على كل كلامه وأفعاله، مسترسلا بقوله: «على التاجر أن يضع نفسه مكان المشتري وأن يعامله كما يحب أن يعاملوه إذا كان واحد منهم، فهو لن يرضى على نفسه بالجشع والزيادة في الأسعار، بل عليه أن يكون قنوعا بما كتب الله له، وأن يضع أمام ناظريه القاعدة القائلة: (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك).

 واستطرد الحنيني قائلا: «إذا رأينا استغلالا في الأسواق فيجب التوجه للجهات الرسمية ممثلة ووزارة التجارة، فكما قيل: (يؤخذ بالسلطان ما لا يؤخذ بالقرآن) وكذلك الآية القرآنية: (فشرد بهم من خلفهم)، فينبغي تدخل الجهات المسؤولة ضد استغلال هؤلاء التجار المستهلكين للضعفاء، وردعهم بما يمكن بالعقوبات المشددة.

 الويل في الآخرة

 أما رئيس حملة السكينة المتخصصة بتصحيح الأفكار المتطرفة الشيخ عبدالمنعم المشوح فأشار إلى أن الشريعة الإسلامية عندما وضعت الحدود الفقهية في البيع والشراء والتعاملات المالية لم تجعلها حدودا جامدة وقوانين مفرّغة من المحتوى الأخلاقي، بل راعت الجوانب الإنسانية والأخلاقية فكما أنها حثت التاجر على الكسب وتنويع الدخل وسهلت له الشريعة التوسع في البيع، راعت المستهلك وحفظت له حقوقه وصانت له وضعه الاجتماعي.

 وأوضح أن التحذير الشديد جاء في كتاب الله جل وعلا بقوله: (ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) وقال إن هذه قاعدة شرعية ونص إلهي عظيم ينطبق على جميع أنواع البيوع والمعاملات المالية وهي قاعدة تحمل العدل والتوازن، فكما أن التاجر يبحث عن الربح والمكسب كذلك لابد أن يوفي حق المستهلك ولا يبخسه ولا يظلمه ولا يغشه امتثالا لقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم).

 وأشار إلى أن رفع الأسعار والمغالاة فيها يعد من أكل الأموال بالباطل ومن التطفيف والظلم،: «نلاحظ قوله سبحانه (عن تراض منكم) فالمعاملات المالية يجب أن تخضع لهامش إنساني وتحقق رغبة الطرفين دون ظلم لأحدهما، فلا يكون مكسب التاجر على حساب المستهلك المحتاج».

 وذكر المشوح أن رفع الأسعار بلا سبب مقنعٍ وواقعي لمجرد الجشع واستغلال حاجة الناس يدخل في باب «الإضرار بعموم المسلمين» والتعدي عليهم في معيشتهم وهذه جريمة شنيعة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دخل في شيءٍ مِن أسعار المسلمين ليُغلِيَه عليهم فإنَّ حقًّا على الله أن يقعِدَه بعظمٍ من النار يومَ القيامة) رواه أحمد، وكما أن الربح مطلوب وتدعمه الشريعة لكنه محدود بالربح الذي لا يصل إلى مضرة الناس ولا يتعدى الحدود التي تعارف عليها أهل البيع والشراء. 

وأكد أن هذه الجوانب الأخلاقية في عمليات البيع والشراء خاضعة لسلامة نية ومقصد البائع وسموّ أخلاقه وصلاحه في ذاته، مذكرا بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشتَرى وإذا اقتَضَى). 

منظومة متكاملة

 وارجع العام المساعد للندوة العالمية للشباب الإسلامي بمنطقة مكة المكرمة الدكتور عبدالوهاب نور ولي الخلل في العلاقة بين المنتج والمستهلك او البائع والمشتري، مشيرا إلى أن المسألة تعود في الأساس لمنظومة متكاملة، فالتاجر لا يعمل وحده وإنما مع مجموعة تجار مع بعضهم البعض، وبين أنه يستبعد فكرة أن يكون تاجرا واحدا له القدرة على رفع السعر ولكن هناك تحالفًا تجاريًا شعارها الجشع والطمع تقوم بذلك.

 وطالب نور ولي بتعزيز دور الجهات الحكومية والغرف التجارية لمواجهة ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مبينا في الوقت ذاته أنه من الصعوبة إلقاء اللوم على جهة واحدة فقط: «ونقول بأنها هي المتسببة في ما نراه من جشع».

 واختتم حديثه بأن المشكلة تشمل جميع أطراف العملية التسويقية، وأنه يجب عليهم جميعا الاشتراك في وضع أسس سليمة لمعالجة هذه المشكلة وأنه لا بد من برنامج إعلامي في الناحية الاستهلاكية يوضح البضائع المستوردة والمحلية وكذلك جودتها وأسعارها وبدائلها.

 ممنوع قانونا

 والى ذلك أوضح رئيس قسم الفقه المقارن في المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض الدكتور عبدالعزيز بن فوزان الفوزان أن الله جل وعلا اخبرنا في كتابه بأن المؤمنين إخوة وأنه امتن علينا بأن جعلنا جميعا كنفس واحدة، فكما قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ًانَّ اللّهَ كَانَ بًكُمْ رَحًيمًا). 

وأشار إلى أن الله تعالى جعل المؤمنين كالإخوة وأنهم كالنفس الواحدة، وبين محمد صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وقال أيضا: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى)، فهذه الصورة التي يريدها الله سبحانه وتعالى في التلاحم والتعاون والتراحم فيما بيننا.

 وشدد الفوزان على التسامح والإحسان لقوله سبحانه وتعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، فهذا يشمل إحسان التعامل مع الله عز وجل وإحسان عبادته والإخلاص له وكذلك الإحسان لعباده سبحانه: ولهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد). 

وبين الفوزان أن المال لله وجعل فيه حقًا واجبًا على الأغنياء للفقراء كما قال الله عز وجل {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} وهذا يشمل الزكاة الواجبة وكذلك النفقات الواجبة عليهم في أهليهم وقرابتهم وكذلك الصدقات بأنواعها، مشيرا إلى أن المسلم مأمور أيضا بالتيسير على المسلمين والتخفيف عنهم وعدم المغالاة في البيع والشراء معهم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى).

 وحول نصيحته للمغالين قال: «نصيحتي لهؤلاء التجار أن يتقوا الله عز وجل في إخوانهم وألا يغالوا في الأسعار مغالاة تضر الناس وأن يكتفوا بالربح المعقول وسيبارك الله «سبحانه وتعالى» لهم في القليل ويجعله كثيرًا، ثم أن أيضًا المعاملة الطيبة تجلب لهم الزبائن وتحقق لهم الرواج عند الناس».

 وضبط الأسواق في شريعتنا الغراء 

سبقت الشريعة الإسلامية الغراء كل المواثيق الدولية المعاصرة التي جاءت بها منظمة التجارة العالمية World Trade Organization. والمعروفة اختصارا بـ في مجالات تنظيم التجارة الخارجية والداخلية، حيث أوصد الشارع الكريم كل الطرق الموصلة لهذه الظاهرة المشينة بتحريم التلاعب بالأسعار على أساس الجشع والطمع والإضرار بالناس، فعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقًّا على الله أن يقعده بعظم من النار». أخرجه أحمد.

 وأولت الشريعة الإسلامية التجارة والتجار عناية كبيرة، بينت لهم حدود التعامل وقوانين البيع والشراء، وأباحت لهم الربح الحلال، وجعلت طلب الربح الحلال والسعي في الأرض قرين الجهاد في سبيل الله: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [المزمل: 20].

 وفي المقابل حذّرت التجار من التعسف والجور والظلم والشطط واستغلال حاجات الناس، فجاء في الحديث عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر التجار: إنكم تبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق». وهذا استثناء من الرحيم -عليه الصلاة والسلام- لأولئك التجار الذي يخافون الله، أهل الصدق والبر والإحسان، الرحماء بإخوانهم المسلمين الذين يأخذون كفايتهم دون جشع أو طمع؛ ولذا جاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء». رواه الترمذي.

 ومما حذرت منه الشريعة الإسلامية الكسب المحرم؛ كالذي يقوم على الغبن والغرر والإضرار بالناس والمغالاة واستغلال حاجة المساكين وضرورة المضطرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29]، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «كل لحم نبت علمن سحت فالنار أولى به». وأغلق المنهج السماوى كل مما قد يكون سببًا لغلاء الأسعار النجش، وهو رفع سعر السلعة أكثر مما تستحق ممن لا يريد شراءها ليخادع الناس بالمغالاة؛ ولذا جاء النهي عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: «ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يحقره». وجاء وعيد الناجش شديدًا على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «الناجش آكل ربا خائن».

 ومن الصور التي حرمتها الشريعة والتي قد تكون سببًا في رفع الأسعار: بيع الحاضر على البادي، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يبع حاضر على بادٍ»، كما نهت الشريعة عن تلقي الركبان خارج الأسواق، فقد جاء في الحديث: «لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق». متفق عليه. 

ومن الحكم في ذلك: عدم الإضرار بالمستهلك لكثرة الوساطة بينه وبين السلعة، ولكي لا يُؤتى بالسلعة إلى الأسواق فتباع بأكثر من ثمنها المستحَقّ. ومن بين المحرمات بهدف ضبط الأسواق إنفاق السلعة بالحلف الكاذب؛ لأن الحلف الكاذب قد يكون سببًا في بيع السلعة بأكثر من ثمنها تغريرًا وتدليسًا وكتمًا وكذبًا على المشتري، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة»، ومن الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة منفق سلعته بالحلف الكاذب.

 وبلغ حرص الشارع على ضبط الأسواق السوق في تحريم حبس السلع عند حاجة الناس إليها لتشحّ من الأسواق فيغلو ثمنها، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «لا يحتكر إلا خاطئ». أخرجه مسلم.

 وأمرت الشريعة بالتيسير والتسهيل وطلب الربح اليسير دون العنت والمشقة على الناس، بل جعلت هذا بابًا عظيمًا من أبواب الرحمة والإحسان، يأتي في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى». أخرجه البخاري.

 أبلغ عنهم «التجارة» فورا

 خصصت وزارة التجارة والصناعة رقمًا مجانيًا (8001241616) لاستقبال شكاوى المواطنين المختلفة والإبلاغ عن حالات ارتفاع الأسعار. وقال مدير عام الإدارة العامة للتموين في وزارة التجارة والصناعة صالح الخليل إن الوزارة حريصة على أن تقوم بدورها في مراقبة كل الأسواق المحلية وعدم المغالاة في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية. وأضاف قائلًا: (نأمل ألا تكون هناك زيادة في الأسعار كما نأمل تعاون كل التجار في الحد من هذه القضية التي باتت حديث الجميع).

 المبارك: خير وسيلة للقضاء على جشعهم توفير البضائع ورواجها في الأسواق 

بداية أوضح عضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور قيس المبارك أن جشع التُّجار وغلاء الأسعار من المفاسد التي حذَّر الشرعُ الشريف منها، ولذا فإن من مقاصد الشريعة الإسلامية رواج الأموال وذلك بتيسير دوران المال في أيدي الناس بحالٍ يمتنع معه احتكاره وكـزه، ومن أجل هذا المعنى حضَّ الشارع الحكيم على المسامحة في البيع والشراء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَحبَّ الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، وقال: تلقَّت الملائكةُ روحَ رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعمِلْتَ من الخير شيئا؟ قال: لا، قالوا: تذكَّر، قال: كنت أُداينُ الناسَ فآمرُ فِتْياني أنْ يُنظروا المعسر ويتجوَّزوا عن الموسر، قال: قال الله عز وجل: تجوَّزوا عنه. وبين المبارك أنه من أجل ذلك أيضا نهى الشارع عن جُمَلٍ من البيوع لاشتراكها في علَّة واحدة وهي تعطيل رواج الأطعمة واحتكارها إضرارًا بالناس، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي السلع حتى تهبط الأسواق، وقد ذكر الإمامُ مالك رحمه الله أن المقصود من النهي عن تلقِّي السلع ألا ينفرد المتلقِّي بِرُخْص السلعة، دون أهل الأسواق، ورأى لذلك ألا يُسمح لأحدٍ من جالبي البضائع أن يبيع مِن بضاعته شيئًا حتى تدخل السوق، وذكر الإمام الشافعي رحمه الله أن في ذلك حفظ كذلك لحقِّ البائع لئلا يُخدع بالثمن فيَغبنه المُتَلَقِّي، لأن البائع يجهل سعر البلد. ونوه المبارك بأن خير وسيلة للقضاء على الاحتكار والغلاء هي توفير البضائع في الأسواق، والعمل على رواجها بتسهيل تسويقها، وهو ما يُسمَّى قديما الجلب والتَّجْر، وقد قال المحدَّث الملهَم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أيُّـما جالبٌ فذلك ضَيْفُ عمر) مشبها ما حدث بقول الإمام مالك رضي الله عنه (كان من العيب الذي يُعَابُ به مَن مَضى، ويرونه ظلمًا عظيمًا: مَنْعُ التَّجْر) ويقصد بِمَنْع التَّجْر، أن تقوم الأسواق على نظامٍ يسهِّل تداول السِّلَع، وتوفيرها للعموم، ويحول دون احتكارها، هذا الاحتكار الذي يشكوا منه النظام الرأسمالي، لافتقاره إلى كثير من الضوابط التي ترفع الاحتكار.

 السدلان: أطالب بالتشهير بهم لإيقافهم عن جشعهم ومغالاتهم

 من جانبه أوضح أستاذ الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور صالح بن غانم السدلان أن الحل الأمثل لإيقاف هؤلاء التجار المحتكرين والمساهمين في غلاء الأسعار هي معاقبتهم بأشد العقوبات والتشهير بهم كي يكونوا عبرة لغيرهم ولا يتكرر هذا الأمر في المستقبل، منوها إلى أن هذا المثل ينطبق على هؤلاء بقوله: (من أمن العقوبة أساء الأدب)، منوها بأن هناك أمرين قد ساهم في غلاء التجار وجشعهم وهي عدم وجود المتابعة الدقيقة لأوامر وزارة التجارة وكذلك عدم وجود الموظفين الكافين لتغطية هذا الموضوع. متحسرا في الوقت ذاته على بضع التجار الذين يعتقدوا بأن غلاء الأسعار هي من الشطارة وأنهم لا يراعون وجود أناس حالهم المادي ضعيف جدا وأنهم هم المتضررون من هذه العملية، والأهم من هذا كله أنه أمر لا يجوز شرعا لما فيه مضرة لغيره من المسلمين.

 السفياني: على المسؤولين في الدولة كبح جماح غلاء الأسعار 

من جهته أوضح عميد كلية الشريعة في جامعة نجران عضو مجلس الشورى السابق الدكتور عابد السفياني على ضرورة تضافر جهود العلماء وتعاونهم على مناصحة التجار المغالين والمحتكرين للبضائع، وبين السفياني بأنه يجب على الجميع المشاركة في هذا الجانب الحيوي والمهم ودعوتهم لتطبيق الأحكام الشرعية في تعاملاتهم التجارية، وأن يتقوا الله في المسلمين خصوصا الضعفاء والمساكين والفقراء وفي ذلك مصلحة شرعية ووطنية وإنسانية. وأضاف بقوله: التجار ليسوا على صنف واحد، فمنهم من يعي مصلحة المسلمين ويراعي أحوالهم ولديه انتماء ديني ووطني عال، أما القسم الآخر فقد أصابهم الجشع ووقعوا في الظلم، مضيفا بأن نصيحة العلماء وحدها لا تكفي، بل لابد من وجود إجراءات صارمة وقوية تكبح جماح غلاء الأسعار والتضخم من قبل المسؤولين في الدولة، خصوصا ونحن نرى أن هناك خطوات فعالة وإيجابية في هذا المجال. وطالب الدكتور السفياني الاقتصاديين وأصحاب الأقلام من الكتاب والمثقفين أن يولوا هذا الجانب اهتماما كبيرا ويساهموا عبر آرائهم ومقترحاتهم وكتاباتهم في مناصحة التجار، مشددا على ضرورة حث المسؤولين بالإسراع باتخاذ قرارات وإجراءات صارمة بحق التجار الجشعين والمغالين والمحتكرين ومحاولة إيجاد الحلول لقضية غلاء الأسعار، مضيفا بأن هناك أسبابا عديدة لغلاء الأسعار أولها عالمية، وثانيها شجع التجار واحتكارهم للسلع، وثالثها انتشار الذنوب والمعاصي والآثام بين الناس. وأكد السفياني أن ارتفاع الأسعار عقوبة ربانية وجرس إنذار وتذكير للناس لمراجعة حساباتهم والعودة إلى الله، داعيا العلماء والدعاة للقيام بأدوارهم في هذا المجال من خلال تذكيرهم بخطر الذنوب والمعاصي دنيويا وأخرويا، وأهمية التقوى والإيمان (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) دون إغفال الحلول الأخرى من ضرورة رفع المستوى المعيشي للمجتمع من خلال جملة من الحلول من ضمنها إعادة التنظيم المعيشي والاستهلاكي للناس من خلال الاعتماد على البدائل الرخيصة وعدم الإفراط في الاستهلاك من الكماليات والعودة إلى الله بصدق وشفافية وبنية صالحة.

 الميمن: لن يرتدع هؤلاء إلا بإيقاع العقوبات عليهم

 أما مستشار مدير جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ونائب مدير مركز التميز البحثي لقضايا الفقه المعاصرة الدكتور إبراهيم بن محمد قاسم الميمن فقد أوضح أنه يفترض سن قوانين وتشريع عقوبات قانونية من قبل وزارة التجارة والمسؤولين في الدولة لأمثال هؤلاء التجار؛ حتى يكونوا عبرة لغيرهم. منوها على أنه أمر غير جائز شرعا ومطالبا من العلماء مناصحة التجار بقوله: لا يمكن الحكم بالتعميم على جهود العلماء في مكافحة الغلاء، خاصة أن عددا كبيرا من العلماء والدعاة والمشايخ قد انبروا لمناصحة التجار، ودعوتهم للخوف من الله، والرحمة بالمسلمين، وألا يغالوا في الأسعار، ويرضوا بالربح خاصة في المواسم وغيرها، وبين الميمن أن بعض العلماء بادر وتحدث مع المسؤولين لإيجاد حول لهذه المشكلة، مشددا على أن مكافحة غلاء الأسعار مسؤولية مشتركة بين الدولة والتجار والعلماء، مشيرا إلى وجود جهات لديها الاستعداد لتقديم الحلول الكاملة بشكل علمي وإحصائي دقيق. مضيفا بأنه لن يرتدع بعض المغالين إلا بإيقاع العقوبات والجزاءات عليهم، منوها بأنه للأسف فإن بعض التجار بدل أن يكون عونا للناس فإنهم يرفعون الأسعار عليهم ولا يراعون أحوالهم وقلة دخل بعضهم وهذا أمر غير جائز لا شرعا ولا من الجانب الإنساني.

-- تحقيق: عبدالرحمن الشهراني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*