السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » رحيل أمريكا وصعود طالبان في أفغانستان

رحيل أمريكا وصعود طالبان في أفغانستان

تشير مجموعة من المعطيات أن إنسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان سيكون صادما ومؤلما لسياسة واشنطن وموقعها على الساحة الدولية بصورة أكبر مما تصوره أكثر المتشائمين داخل مراكز القرار في الدولة التي انفردت بالهيمنة على الشؤون الدولية لسنوات بعد إنهيار الكتلة السوفيتية مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين.

خلال الأسابيع الأولى من سنة 2012 راكمت القوات الأميركية ومعها ما يسمى القوة الدولية للمساعدة على إرساء الأمن في أفغانستان “ايساف” بقيادة الحلف الأطلسي “الناتو” جرائم أو ما يسميه خبراء أخطاء قاتلة من شأنها التعجيل بموعد إنهيار المخطط الذي بدأ في نهاية سنة 2001 بإحتلال القوات الأميركية لبلاد الهندوكوش حيث تشمخ قمم الجبال إلى أكثر من 7960 متر فوق سطح البحر.

يوم فاتح مارس 2012 جاء في تقرير لوكالة فرانس برس كتبه الصحفي جوريس فيوريتي من العاصمة الأفغانية كابل: بعد ثلاثة أيام لم تسجل فيها أعمال شغب مناهضة للأميركيين أو هجمات، قتل جنديان أميركيان في جنوب أفغانستان برصاص عسكري ومدني أفغاني، في حادث يقول ضباط في الجيش الأميركي أنه يخشى أن يؤدي إلى إضعاف مستوى التعاون بين الأفغان والأجانب في هذا البلد.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جورج ليتل “بذلك يرتفع إلى ستة عدد العسكريين الأميركيين الذين قتلوا برصاص زملائهم الأفغان خلال أسبوع منذ بدء الاحتجاجات على حرق مصاحف في قاعدة باغرام الأميركية والتظاهرات العنيفة جدا المناهضة للأميركيين التي تلتها.

واعلن نياز محمد سرهادي مسؤول اقليم زاري حيث وقع الحادث ان “مدرسا افغانيا اخذ سلاح جندي وفتح النار على أميركيين فقتل اثنين منهم. ورد الجنود فقتلوا الأستاذ وعسكريا أفغانيا”.

ووقع الهجوم في ولاية قندهار جنوب البلاد التي تعتبر أحد أهم معقل لحركة طالبان. ومنذ حرق المصاحف في قاعدة باغرام العسكرية شمال كابول ليل 20 إلى 21 فبراير، شهدت افغانستان ستة ايام من اعمال الاحتجاح العنيفة بلغت حصيلتها حتى يوم الأحد 26 فبراير 30 قتيلا وأكثر من 200 جريح في صفوف المدنيين الأفغان.

وقتل اربعة جنود اميركيين في ذلك الأسبوع بينهم مستشاران يوم السبت 25 فبراير في مكتبهما في وزارة الداخلية في كابل، أحد الأماكن التي يعتبرها الحلفاء الغربيون الأكثر أمانا في البلاد.

القرآن

قال محلل غربي أن ما حدث يوم 25 فبراير في مبنى وزارة الداخلية الأفغانية حيث قتل ضابط أفغاني إثنين من كبار المستشارين الأميركيين يمكن أن يلخص حالة العلاقة بين الأفغان والقوات الأجنبية. ففي ذلك اليوم كان المستشاران مع ضابط أفغاني يشاهدون شرائط فيديو عن تظاهرات في كابل. وكان المستشاران المستاءان يهزآن من المحتجين ويشتمانهم، ووصفا القرآن بأنه كتاب سيء ولا يأسف أحد لحرقه، وعندما أحتج الضابط الأفغاني هدداه”. وقد حصل شجار بينهم. ثم فقد الضابط الأفغاني أعصابه فأطلق النار عليهما”.

وأوضح مصدر أفغاني رسمي “تم العثور على ثماني طلقات فارغة قرب الجثتين” اللتين اكتشفتا بعد ساعة على حصول الحادث، لان الغرفة التي كانا بداخلها مجهزة بعازل للصوت، موضحا انه تم الحصول على هذه المعلومات بفضل مشاهدة شريط المراقبة.

في مطلع فبراير 2012، إعترف مسؤول في البنتاغون أمام الكونغرس الأميركي بوقوع 42 حادثا تورطت فيها قوات افغانية حكومية دربتها وكونتها ومولتها واشنطن ضد قوات “الناتو” منذ مايو 2007. وقتل في هذه الهجمات حوالي 70 عسكريا من التحالف وجرح 110 آخرون، كما قال.

ويؤكد مراقبون أن هذه الحوادث تعمق فقدان الثقة بين القوات الحكومية الأفغانية والأجنبية، في حين أن يقول التحالف الغربي أنه يحاول بناء جيش وشرطة أفغانيين بهدف تسليمهما مسؤولية الأمن في البلاد بحلول نهاية 2014.

وفي صفوف السكان، لم تكن العداوة حيال الولايات المتحدة قوية إلى الحد الذي هي عليه الآن في غضون عشرة أعوام من النزاع.

ويندد الأفغان بدون استثناء تقريبا حتى هؤلاء الذين جاءت بهم قوات الغزو إلى السلطة، باستمرار بالجرائم أو بالأخطاء التي يرتكبها الحلف الأطلسي الذي يقتل في غالب الأحيان مدنيين، إضافة إلى قضايا تدنيس مختلفة او اعمالا تعتبر مسيئة للإسلام.

وفي محاولة تهدئة أعلن الرئيس باراك اوباما في مقابلة متلفزة ان “الحرب أمر صعب للغاية، ولا تجري ابدا على الوجه الأكمل. لكني أثق، بفضل مثابرة فرقنا، في أننا سنتمكن من البقاء على طريق سيشهد انسحاب جنودنا من الآن وحتى نهاية 2014 من دون أن يكون علينا العودة إلى دور قتالي”.

وبشأن حرق المصاحف، دافع اوباما عن تقديمه اعتذارا واعتبر أن ما قام به أدى إلى “تهدئة الأمور”. وكان نواب أميركيون قد انتقدوا تقديمه للاعتذار.

واضاف أوباما “لم ينقض الأمر بعد، ولكن أيا كان القرار الذي اتخذه بناء على توصيات من هم موجودون على الأرض فسيكون ذلك من اجل توفير أفضل حماية لجنودنا وتمكينهم من إتمام مهمتهم”. وردا على الانتقادات التي تعرض لها من بعض خصومه الجمهوريين، “قال اوباما ان “هذا التسييس لا يقلقني”. واضاف “بالرغم من الصعوبة التي واجهناها في أفغانستان فقد حققنا تقدما بفضل تفاني جنودنا وجندياتنا”.

الأخطر ولإدراك حجم استخفاف ساسة بناة الإمبراطورية العالمية الجديدة ببقية شعوب العالم أنه يوم 26 فبراير، اتهم ريك سانتوروم الذي يسعى إلى الحصول على ترشيح حزبه الديمقراطي لانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2012، الأفغان ب”المبالغة في رد الفعل” على حرق المصاحف.

وقال سانتوروم في لقاء مع شبكة “ان بي سي” الإخبارية إن اعتذار اوباما “جعل الأمر يبدو وكأنه يوجد شيء يجب الاعتذار عنه، بينما لم يكن هناك عمل يحتاج إلى اعتذار”.

وقال “اعتقد أن رد الفعل هو الذي يحتاج إلى اعتذار من كرزاي والشعب الأفغاني، لمهاجمتهم وقتلهم رجالنا ونساءنا في الجيش، والمبالغة في رد الفعل على غلطة غير مقصودة. هذه هي الجريمة الحقيقية وليس ما فعله جنودنا”.

التقرير القنبلة

يوم الأربعاء الأول من فبراير 2012 كشفت صحيفة “تايمز” البريطانية جزء من تقرير عسكري أميركي سري أفاد إن طالبان بدعم من باكستان تقترب من استعادة السيطرة على أفغانستان بعد أن تنسحب القوات الأجنبية.

وإعترف اللفتنانت كولونيل جيمي كامينغز وهو متحدث باسم قوة “إيساف” بوجود الوثيقة لكنه حاول التقليل من أهميتها حيث قال إنها ليست دراسة استراتيجية للعمليات.

ورفض التعقيب على التقرير كل من المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الخارجية البريطانية.

قدر محللون أن التقرير الذي سرب للاعلام يمثل إحراجا للناتو، ومع انه لا يمثل موقفا الا ان مجرد تسريبه سيترك أبعادا خطيرة خاصة في ظل قرار الرئيس الفرنسي سحب القوات الفرنسية من أفغانستان بعد مقتل اربعة جنود على يد جندي أفغاني شهر يناير 2012.

وقد لا يعتبر قرار ساركوزي مرتبطا بالتقرير لكن الأوضاع على الأرض تظهر ان طالبان على الرغم من موافقتها على محادثات السلام وفتح مكتب لها في الدوحة لا ترى في المفاوضات طريقا لحل الأزمة وإنما وسيلة لبلورة نصرها العسكري، وهي ترى في مواصلة القتال طريقا لتحقيق النصر. وقد أعد التقرير جنرالات اميركيون بناء على شهادات اربعة الاف أسير من طالبان ونتاج 27 الف جلسة تحقيق.

واظهر التقرير تغيرا في استراتيجية الحركة ومحاولتها لكسب عقول والافغان بالعودة الى جذورها الاولى قبل ان تسيطر على الحكم وانها استفادت من اخطاء التجربة الاولى. فمن الاساليب الجديدة التي اشار اليها التقرير ان ملا محمد عمر اصدر تعليمات للمقاتلين حول التعامل مع المواطنين، وتجنب معارك في مناطق تؤدي الى ضحايا مدنيين وممارسة عقوبات قاسية عليهم. وقامت الحركة بـ “فتح خط ساخن” من اجل أن يقدم المواطنين شكاويهم حول معاملة القادة لهم، كما أرسلت لجان تحقيق من مركزها في كويتا. واكدت هذه الاجراءات شهادات مدنيين اعتقلهم الاميركيون في عمليات اعتقال جماعية حيث تحدثوا عن المعاملة الحسنة والكفاءة العالية التي تتميز بها محاكم طالبان مقارنة مع مؤسسات الحكومة القضائية التي يستشري فيها الفساد.

عودة محتومة

عن ثقة طالبان بالعودة للسلطة يقول التقرير “يعتقد قادة طالبان وبشكل متزايد مع أطرهم أن عودة سيطرتهم على أفغانستان محتومة، على الرغم من الخسائر التي تكبدتها الحركة في عام 2011 الا ان قوتها، وكفاءتها وتمويلها، ما زالت قوية”، ويضيف التقرير ان قادة طالبان “وان كانوا قلقين من استمرار الحرب، فان لا يعولون على المفاوضات لانهائها، وعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها الحركة الا ان الاستسلام ليس جزءا من تفكيرها، وفي الوقت الحالي يؤمن قادة طالبان انهم بمواصلة الحرب وادارة المناطق التي يسيطرون بشكل جيد سيصلون إلى النصر الكامل”، حيث اشار التقرير الى ان عمليات التجنيد والتبرعات المالية قد زادت في عام 2011، وقدم ادلة عن هذه الزيادة. كما وتحدث عن ايمان المقاتلين بان حركتهم قادرة “على قهر القوات الأمنية الافغانية”.

وصف الصحفي سيمون تسيدال في مقال له في صحيفة “الغارديان” البريطانية اثر نشر التقرير المدمر بأنه مثل إلقاء قنبلة يدوية في غرفة مزدحمة بالناس، وأكثر من ذلك فان ما جاء في التقرير عن استمرار الاستخبارات الباكستانية “اي اس اي” في دعم طالبان ستؤثر بشكل سلبي على العلاقات الأميركية الباكستانية.

وعلى الرغم من الحديث المستفيض عن تعاون طالبان مع المخابرات الباكستانية الا ان التقرير يظهر ان هذه العلاقة بين الطرفين لم تكن طيبة في كل الأحوال حيث اظهر أن عددا من قادة طالبان نظروا بعدم الثقة إلى المخابرات الباكستانية. ويتهم التقرير الباكستانيين بأنهم يعرفون مكان إقامة قادة طالبان خاصة عائلة حقاني التي يقال إنها تعيش قرب مكاتب “اس اي اس”.

ومع ذلك فان قادة طالبان يعتقدون حسب التقرير أن الباكستانيين لن يسمحوا للحركة بالعمل باستقلالية عنهم. وبنفس السياق يشير إلى أن نظرة طالبان للباكستانيين دائما ما تتلون بعدم الثقة وبكون الباكستانيين يريدون التلاعب بهم ويكثرون من المطالب.

ويعتقد تسيدال ان من تداعيات التقرير المضرة هي انه سيشجع الملا محمد عمر زعيم الحركة وبقية الفصائل الاخرى على تكبيد القوات الغربية المنسحبة من أفغانستان افدح الخسائر قدر الإمكان.

تكذيب للاميركيين

ويناقض التقرير ادعاء الأميركيين حول تراجع العنف واثره على المدنيين حيث قال ان عام 2011 شهد زيادة في العنف وانه وصل مستويات عالية منذ الغزو عام 2001 والوضع مرشح لزيادة العنف مع انسحاب “الناتو” من أفغانستان، كما ان حالة الجيش الافغاني وقوات الامن في وضع مهلهل وتعرضت لانتقاد في التقرير. وسيجد حامد كرزاي، الرئيس الافغاني وجيشه في وضع لا يحسد عليه خاصة بعد تصريحات وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا ان واشنطن ستقلص من اعداد جنودها البالغ عددهم 90 الف جندي بحلول عام 2013. بل ان التقرير مدمر لسمعة الجيش الافغاني لكشفه عن نجاح حملة كسب العقول والقلوب والتي لا تقنع فقط المواطنين الافغان بل وتدفع جنودا ومسئولين في الحكومة للانضمام لطالبان.

ويفيد التقرير أنه في المناطق التي تتراجع فيها قوات “الناتو” يقوم الجنود بالتعاون مع طالبان.

حتى المخابرات الافغانية

في الوقت الذي يتحدث فيه التقرير عن ان معظم الافغان يهيئون انفسهم لعودة طالبان، يشير إلى أن عددا كبيرا جدا من الجنود والضباط في الجيش الأفغاني تواصلوا سرا مع طالبان “على الرغم من استمرار الحكومة بالتأكيد على استعدادها لمواصلة القتال”.

وهذه العلاقة مع طالبان هي التي أغضبت الأميركيين بشكل كبير حيث قال “إن صور طالبان تظهرهم وهم يركبون علانية سيارات خضراء للجيش الأفغاني “فورد رينيجر” و”بيكبس” مضيفا أن هذه العربات أما “باعها أو تبرع بها” الجنود الأفغان لهم. فقد شهد سوق في ميران شاه في شمال وزيرستان زيادة في عدد البنادق والمسدسات والمعدات الثقيلة التي تقوم القوات الأمنية ببيعها.

ويقول التقرير ان “طالبان كانت في السابق تغنم العربات والأسلحة في المعارك، ولكنها الآن تباع او يتم التبرع بها”. ويضيف التقرير أن طاقم حامد كرزاي وتحالف الشمال الذي يحكم معه يقومون بإطالة أمد الحرب كي يستمر الدعم الأجنبي وإخضاع القبائل البشتونية. والأسوأ من هذا هو ما يتحدث عنه التقرير من تعاون بين الاستخبارات الأفغانية وحركة طالبان لنصب كمائن للقوات الأميركية.

ومن هنا فان التقرير يثير تساؤلات حول السياسية الأميركية التي تفيد أن عملياتها العسكرية ضد طالبان ستزيد من دعم الأفغان لقوات “الناتو” ومن أن القوة الأميركية المتفوقة ستجبر طالبان على الاستسلام وان أي عملية انسحاب لن تؤثر على الوضع بسبب ما تقوله عن تطور أداء القوات الأفغانية.

لا علاقة مع القاعدة

ومن أهم النقاط التي جاءت في التقرير أن طالبان ابتعدت عن تنظيم القاعدة حيث كانت العلاقة هذه سببا لتبرير واشنطن غزو أفغانستان.

وتظهر التحقيقات مع الأسرى أن طالبان تخلت عن تحالفها القديم مع التنظيم وتوقفت عن تقديم الدعم اللوجيستي والمالي له، ويقول التقرير ‘لم يعد قادة طالبان في معظم اقاليم افغانستان يبدون اهتماما في الارتباط مع القاعدة”، وسبب الابتعاد هذا هو أن “العمل مع القاعدة يعني استهدافها من قوات التحالف، كما أن قادة القاعدة ومقاتليها لم يعودوا بتلك الكفاءة التي كانوا عليها”. ويضيف ان جماعة حقاني خاصة الفرع الباكستاني لم تجر اتصالات مع القاعدة منذ عامين، وأن هناك شكوكا كثيرة حول القاعدة والجهة التي تستفيد من نشاطها.

التقرير سالف الذكر ليس الوحيد الذي يسجل حجم الإخفاق الأميركي.

بحث آخر قامت بإعداده وكالة أمنية أميركية حذر من أن الأجزاء الأكبر من الجيش الحكومي الأفغاني وأجهزة الأمن ستنتقل إلى مساندة طالبان بمجرد أن ينسحب ما يكفي من القوات الأجنبية بحيث لا يمتلك من يبقى على الأرض الأفغانية منها تفوقا عسكريا خاصة من حيث قوة النيران والسيطرة على الجو، لأنه بغير هذا التحول يكون الانضمام إلى حركة طالبان غير مجد ولا مفيد خاصة وأنه سيسمح لقوات الناتو بتدمير جزء هام من القدرة العسكرية البشرية غير الموالية لها.

قاعة الأوهام

ذكر محلل عسكري ألماني أن الساسة والعسكريين في واشنطن يعيشون في داخل غرفة الجزء الأكبر من جدرانها من صنع وتجسيد أحلامهم، وهم لذلك يهرعون بغباء إلى تصديق ما يمكن أن يحفظ ماء وجههم، وفي الحالة الأفغانية وكما سبقها في حرب العراق تصور هؤلاء الذين يرسمون سياسة البيت الأبيض أنهم يعتبرون محررين من طرف شعبي هذين البلدين، بينما الأمر غير ذلك تماما.

في كتابه “نقاط قرار” يقول الرئيس السابق جورج بوش الأبن: “في إحدى المرات، تحدثت إلى الرئيس الروسي بوتين وقلت له: “هذا الشيء، أفغانستان، ربما ينحل مثل سترة رخيصة”. وكان يقصد أن غزو أفغانستان ليس بالمهمة شديدة الصعوبة. ويشرح بوش قائلا: “لقد تفككت سريعا. لقد فر أفراد حركة طالبان من كابل واختبأوا بين الجبال في الشرق والجنوب. خرجت النساء من منازلهن، ولعب الأطفال بطائراتهم الورقية وحلق رجال لحاهم ورقصوا في الشوارع”.

خلال الثلث الأخير من شهر يناير 2012 تطرق الجنرال المتقاعد، حميد غول، رئيس جهاز الاستخبارات العسكري الباكستاني السابق في حديث لعدد من وسائل الإعلام عن أوهام الساسة الأميركيين، فذكر أن أحد الأسباب الكبرى التي تقف وراء فشل السياسة الأميركية في أفغانستان هو اعتماد إدارة واشنطن تماما على مقاولين ومتعاقدين خصوصيين في عملية جمع المعلومات الإستخبارية داخل باكستان وأفغانستان.

وأضاف: “هؤلاء المتعاقدون الخصوصيون الذين يؤدون الأعمال الاستخباراتية للأميركيين مهووسون بكسب الدولارات. وفي الوقت الحالي، يزود هؤلاء المتعاقدون الخصوصيون الإدارة الأميركية بنوع المعلومات القليلة القيمة أو المعلومات المضللة التي يرغبون في سماعها”. وتابع قوله: “في لغة الاستخبارات، نستخدم مصطلحات خاصة لوصف هذا النوع من المعلومات المضللة التي تقدم للحكومة من أجل إرضاء صانعي السياسات”.

وأضاف إن المعيار الأول الذي يجب أن يقوم على أساسه صانع السياسة بدراسة المعلومات الاستخباراتية، في مهنة الاستخبارات، هو التأكد مما إذا كانت المعلومات المقدمة له تبدو منطقية من عدمه”.

ويشير خبراء في قوات للناتو في أفغانستان أن البنتاغون يعتمد في كثير من قراراته على ما تقدمه له مجموعة “إكليبس” الاستخباراتية الخاصة التي يديرها عسكريون أميركيون سابقون ومسئولون في وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية.

صراع بين الواقع والخيال

يوم 3 مارس 2012 قال جنرال بالجيش الحكومي الافغاني ان طالبان لديها نظام متقدم لاختراق قوات الأمن الأفغانية وان التدقيق في اختيار المجندين يجب ان يكون مشددا للغاية.

وذكر الجنرال عبد الحميد قائد المنطقة الجنوبية بالجيش الأفغاني “زرع أشخاص مارقين داخل الجيش تم التخطيط له جيدا بواسطة الأعداء. طالبان قدمت لهم تدريبا جيدا”. واضاف “يجب ان نعزز جمع المعلومات بشأن تحركات المجندين والتنصت على هواتفهم المحمولة ويجب أن نعرف إن كانوا على اتصال بجهات خارج الجيش”.

وذكر مسؤول بوزارة الدفاع ان الحجم الكبير للجيش والشرطة الافغانيين، نحو 250 الف فرد، جعل من الصعب وقف الاختراق.

يعتقد عدد من المحللين أن تصاعد النكسات التي تلحق بالمخططات الأميركية في أفغانستان يثير مخاوف الأشد تحمسا من المحافظين الجدد في واشنطن من إنتصار هؤلاء الداعين إلى إنسحاب كامل وليس عملية تمويهية.

وهكذا كتب السفير الأميركي السابق لدى أفغانستان من عام 2005 حتى عام 2007 في صحيفة الواشنطن بوست نهاية شهر فبراير 2012:

“أثارت تصريحات وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، عن تحول مهمة القوات الأميركية في أفغانستان إلى مهمة استشارية، سوء تفاهم كبيرا. وأشارت التقارير الإعلامية حول تعليقات بانيتا إلى أن هذا يعني تعجيل القوات الأميركية انسحابها من تلك الدولة، في الوقت الذي لم يتخذ فيه البيت الأبيض أي قرار في هذا الصدد، وما زالت الاستراتيجية الأساسية للانتقال كما هي ولم تتغير.

وما زاد من حالة الارتباك سوء الفهم من جانب الرأي العام للسياسة الأميركية الحالية تجاه أفغانستان، والتي تتمثل أهم استراتيجية بها في تسليم “المسؤولية الأمنية” إلى الأفغان في نهاية عام 2014. ولا يعد تسليم المسؤولية الأمنية بمثابة جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية بالكامل، بل السياسة هي أن يتولى الأفغان الجانب الأكبر من المسؤولية الأمنية بعد عام 2014، في ظل وجود مستشارين من الخارج في العمليات الأمنية. ولا يزال من المتوقع أن تستمر القوات الأميركية في تقديم الدعم الجوي والمدفعية والإخلاء الطبي والدعم اللوجيستي بعد عام 2014 لعدم القدرة على توفير هذه الخدمات محليا قبل عام 2016 على الأقل. سيتغير دور الولايات المتحدة، لكن من الضروري أن ندرك أنه أثناء التحول إلى مهمة هدفها بالأساس تقديم المشورة والدعم، أيا كانت المسميات، ستظل قواتنا منخرطة في العمليات القتالية على أرض الواقع قبل وأثناء وبعد عام 2014.

أوضح بانيتا هذا الطرح في الرابع من فبراير 2012 خلال مؤتمر ميونيخ للأمن حين قال: “سنظل منخرطين في العمليات القتالية مع الأفغان كلما استدعى الأمر” بعد عام 2014.

لذا تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها قضيتين مهمتين، الأولى والتي ركز عليها بانيتا هي كيفية تسليم المسؤولية الأمنية بنجاح، والقضية الثانية تتضمن تأمين أفغانستان بعد تسليم المسؤولية الأمنية. وفي الوقت الذي حققت فيه قوات المساعدة الدولية التابعة لحلف شمال الأطلسي نجاحا ملموسا في جنوب أفغانستان، لم تفعل ذلك في شرق البلاد، حيث يسيطر المتمردون على بعض المناطق هناك رغم نفي قوات الأمن هذا القول، ويجب أن تسبق عمليات قوات المساعدة أي تسليم للمسؤولية الأمنية. ويجب تعديل استراتيجية تسليم المسؤولية الأمنية للتوافق مع هذه المواقف المختلفة، ففي بعض المناطق سيكون للأفغان حق قيادة العمليات الأمنية دون التخلي عن استشارة الولايات المتحدة مع وجود تشكيلات قتالية أميركية أكبر لتقديم الدعم عند الحاجة. أما في المناطق الأخرى التي تحتاج إلى عمليات أكثر قوة من أجل تطهيرها، ستستمر القوات الأميركية في قيادة المهام الأمنية لبعض الوقت.

يجب أن يبدأ تبادل الأدوار التدريجي الذي أشار إليه بانيتا قبل عام 2014 لأن ذلك سيحتاج إلى تنسيق وتناغم خلال كل الخطوات. وسيتعين على المسؤولين الأميركيين تسليم المسؤوليات إلى القوات الأفغانية التي لن تكون في مستوى كفاءة القوات الأميركية ليمنحوها فرصة لارتكاب الأخطاء، لكن مع دعمهم في حال حدوث أي مشكلات. وسيكون الجنود الأفغان على ثقة في الحصول على المساعدة في حال تطور الأمور إلى الأسوأ. وفي الوقت الذي يجب فيه دفع الأفغان نحو تحمل المسؤولية، من المحتمل أن تبوء جهودهم بالفشل إذا لم تأخذ العملية وقتها الكافي ويتم التعجيل بتحميل الجنود الذين يفتقرون إلى الخبرة المسؤولية.

على مدى السنوات الثلاث المقبلة، سيتعين على القادة العسكريين التمتع بمرونة في تحديد مكان وموعد تسليم المسؤولية الأمنية، وكذلك أماكن وجود قوات المساعدة للتعامل مع الأخطاء الحتمية أو مواجهة انتصار العدو. وتتطلب هذه القرارات الصعبة احتياطي قوات مرنا، لهذا تحتاج وزارة الدفاع بقاء 68 ألف فرد من القوات الأميركية في أفغانستان بعد الانسحاب المقرر أن يتم عام 2012. ويجب أن تكون تلك القرارات الخاصة بالعمليات على أساس الواقع لا على أساس جدول زمني نظري.

ولم يقرر البيت الأبيض عدد القوات التي ستظل في أفغانستان بعد عام 2012، لكن تتطلب الاستراتيجية التي أشار إليها بانيتا الحفاظ على عدد القوات الأميركية إلى ما بعد منتصف عام 2013 وإلا سيكون هناك احتمال بالفشل.

وينبع الارتباك من كلمات لم يتم التفكير فيها جيدا، لكن نظرا للحاجة إلى تبني قوات حلف شمال الأطلسي القرارات الأميركية وهو ما لن يتأتى حتى موعد اجتماع القمة في شيكاغو في مايو 2012. وهذا يزيد من غموض التصريحات لعدم القدرة على الإعلان عن السياسة الأميركية تجاه أفغانستان بوضوح قبل مناقشتها مع حلفائنا. ويجب علينا وعليهم تحديد عدد القوات اللازم وجودها في أفغانستان خلال المرحلة الانتقالية فقط، بل أيضا معالجة أمر آخر مهم وهو شكل الوجود من الناحية المالية والعسكرية خلال فترة ما بعد 2014. يجب أن تتجنب الولايات المتحدة خفض تمويل القوات الأفغانية وهم في أمس الحاجة إليه.

نحن بحاجة إلى تحديد نياتنا والتزاماتنا بعد عام 2014 ليكون هدف الفترة الانتقالية محددا وواضحا، لا عثرة في طريقنا. وربما يوضح ما تنتهي إليه المفاوضات الحالية حول الشراكة الاستراتيجية غرضنا إذا لم تؤد فترة الجمود الحالية إلى انهيارها. وسوف يحدد وضوح وثبات غرضنا ما إذا كانت القوات الأفغانية سوف تركز على تحسين وتطوير قدراتها أم ستهدر الوقت في القلق من كيفية البقاء في حال الإسراع بانسحابنا. وتتطلب استراتيجية تسليم المسؤولية من القادة اتخاذ إجراءات مهمة حاسمة ملتزمة شجاعة.

إن توقع الوضوح والحسم من القادة السياسيين حق مشروع. وعلى الرئيس أوباما توضيح استراتيجيته للأميركيين، لا التحدث عن مواعيد انسحاب القوات.

بحر نفط بلاد الرافدين

عندما أتمت الإدارة الأميركية مشروع إحتلال العراق في 9 أبريل 2003 تصور قادة البيت الأبيض أن بلاد الرافدين بنظامها الجديد ستقوم خلال سنتين على أكثر تقدير بتصدير ما يناهز 9 ملايين برميل من النفط يوميا، مما سيقود الأسعار العالمية إلى النزول حتى مستوى ما بين 25 و32 دولار للبرميل وبالتالي سيساهم في توفير الأرضية لقفزة إقتصادية أميركية جديدة. هذا الحلم لم يتحقق.

في أفغانستان هناك سراب مشابه.

ذكر مجلس السياسة الخارجية، وهو معهد دراسات أميركي يقدم توصيات للبيت الأبيض والبنتاغون وغيرها من الأجهزة الأميركية في نهاية سنة 2011: “تدفع الولايات المتحدة، التي ينتشر مائة ألف من جنودها في أفغانستان وتنفق أكثر من سبعة مليارات دولار شهريا على الحملة في أفغانستان، باتجاه استراتيجية “طريق الحرير الجديد”. وتهدف هذه الخطة، إلى تحويل أفغانستان إلى محور تجاري عبر تنمية التجارة والبنية التحتية.

وقال المعهد إن المحرك الاقتصادي الرئيسي الذي يتم الترويج له هو الثروة المعدنية الضخمة، واحتياطيات خامات الحديد والليثيوم والنحاس والمعادن النادرة التي لم تستثمر حتى الآن والتي تبلغ قيمتها ما بين الف مليار و3000 مليار دولار.

وبحسب تقرير البنك الدولي يتوقع أن يدر منجم آيناك للنحاس ومنجم حاجيغاك للحديد ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار في استثمارات التعدين. وسوف يجذب كل منجم ما يقارب من 5 مليارات دولار كاستثمارات في البنية التحتية.

لكن آرين بيكر كتب في مجلة “تايم” يشير إلى أن الثروات المعدنية الأفغانية هي بالكاد رصاصات فضية، وتتطلب قدرا هائلا من البنية التحتية وحكومة قادرة على إدارة العائدات بشفافية وكفاءة. من جانبه قال كوتشينز، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في مقال بمجلة “فورين بوليسي”: “إن أي استراتيجية تنمية اقتصادية لأفغانستان بحاجة إلى مزيد من المشاركة من ممثلي القطاع الخاص كي تنجح”. وقد أوصى البنك الدولي الحكومة الأفغانية بتدعيم أنظمة إدارة التمويل العام ومعالجة الميزانية والحد من الإسراف، والتسريبات في تحصيل الإيرادات. كما أشار البنك أيضا إلى أن الحيوية المالية تتطلب استمرارية تمويل غالبية الأجور وغير الأجور في قطاع الأمن الأفغاني على المدى المتوسط، بتكلفة تصل إلى 7 مليارات دولار سنويا خلال الفترة من 2014 وحتى 2021. وحسب دراسة الاقتصادي إدوين دولان حول المستقبل الاقتصادي لأفغانستان والمساعدات والتوقعات بسقوطها ضحية لعنة المورد في مدونة “إكونومونيتور”، فإن أفغانستان تملك موارد ضخمة يمكن استثمارها في السنوات المقبلة.

أنه وهم مثل ري عطش الاقتصاد الأميركي من بحيرة نفط بلاد الرافدين بأبخس الأسعار.

————-

نقلاً عن ميدل إيست

-- بقلم: عمر نجيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*