السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » برقة .. وتحوّل تأريخي في ليبيا

برقة .. وتحوّل تأريخي في ليبيا

في تحدٍ جديد لوحدة ليبيا عقب الإطاحة بالرئيس السابق معمر القذافي أعلن زعماء قبائل وسياسيون ليبيون في مدينة بنغازي منطقة برقة في شرق ليبيا “إقليما فيدراليا اتحاديا” واختاروا الشيخ أحمد الزبير الشريف السنوسي رئيسا لمجلسه الأعلى، وهو ما رفضه المجلس الانتقالي.

فبعد مرور أكثر من عام على الثورة الليبية التي أطاحت بالقذافي بعدما أزهق الآلاف من أرواح شعبه الذين تطلعوا إلى الديمقراطية والحرية، وكانت نهايته أن قتل شر قتلة وترك شعبه وكله أمل في ليبيا ديمقراطية ومستقرة لكنهم لم يكن يخطر ببالهم أن يواجهوا خطرا جديدا يهدد بلادهم وهو التقسيم والتفتيت ، حيث تسعى الكثير من القبائل إلى تكوين فيدراليات مما يهدد بدخول البلاد إلى دوامة من العنف والحرب الأهلية.

وأثار إعلان منطقةََ برقة “إقليما فيدراليا اتحاديا” من قبل زعماء قبائل وقادة الميليشيات في ختام مؤتمر عقدوه في مدينة بنغازي تحت عنوان “ليبيا الموحدة”، ردود فعل متضاربة بين الليبيين بين مؤيد ومعارض ، ولم تقتصر ردود الافعال داخل ليبيا فقط بل امتدت لخارجها.

بداية مؤامرة

فمن جانبه وصف المستشار مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي ما حدث في المؤتمر التأسيسي الذي تم خلاله اختيار أحمد السنوسي رئيسا للمجلس الانتقالي، والذي عقد بإقليم برقة شرق ليبيا، بأنه “بداية لمؤامرة على ليبيا والليبيين”.

وطالب عبد الجليل الليبيين إلى التحلي بالصبر والرؤى الثاقبة وأن يتبصروا لمستقبلهم حول ما طرح هذا اليوم بمدينة بنغازي.

وقال رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي :”إن إعلان ما سمي بـ”مجلس برقة” يعد أمرا خطيرا يهدد الوحدة الوطنية للأراضي الليبية، والتي ناضل من أجلها الشرفاء والآباء والأجداد في التاريخ الليبي في السابق وانتفض لها الثوار الليبيون لتخليصها من نظام الحكم الليبي السابق، والذي كان على رأسه الطاغية معمر القذافي”.

وأكد المستشار عبد الجليل أن المجتمع الدولي لن يسمح بتقسيم ليبيا أو تركها غير آمنة أو كدولة غير ديمقراطية.

وأضاف أن المجلس الانتقالي الليبي يتعجب من الأصوات التي تنادي بتقسيم ليبيا، واصفا ما جاء في بيان مؤتمر دعاة الفيدرالية بأنه “بداية مؤامرة على ليبيا وعلى الليبيين”.

ودعا الليبيين إلى الالتفاف حول المجلس الوطني الانتقالي الليبي صاحب الشرعية المحلية والدولية كممثل شرعي ووحيد للشعب الليبي.

وأوضح عبد الجليل أن الحكومة الانتقالية تسعى جاهدة إلى تأسيس دولة لا مركزية قوامها أكثر من 50 مجلسا محليا في كل ليبيا.

خروج على الشرعية

وأكد الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني الانتقالي الليبي محمد الحريزى أن الإعلان عن أن نظام الاتحاد الفيدرالي لليبيا يعد خيارا لإقليم برقة يعد خروجا عن الشرعية والمجلس الوطني الانتقالي الذي اعترف به الليبيون ودول العالم والمنظمات الدولية على أنه الممثل الرسمي والشرعي للشعب الليبي.

وقال الحريزي :”إن هذا الإعلان لا يمثل المنطقة الشرقية التي خرج سكانها في مدن بنغازي والبيضاء ودرنة والكفرة وطبرق ضد الفيدرالية والتقسيم، وأعلنوا أنهم مع الوحدة الوطنية وليبيا موحدة”.

وأضاف “لا نعتقد أن الشارع الليبي سائر في هذا الاتجاه، ولا يجب أن نحمل المنطقة الشرقية ما حدث، لأن الشارع حاليا في بنغازي والبيضاء وكل مدن ليبيا يعبر عن رفضه لهذا بالكامل، ومعظم مؤسسات المجتمع المدني ترفض هذه الفكرة أيضا.

مصالح شخصية

وفي الاطار نفسه أكد نائب المندوب الليبي في الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي أن من يقود الدعوة إلى إقامة أقاليم في ليبيا تدفعه مصالح شخصية فقط ولا يبالي بمصلحة البلاد.

وقال الدباشي في تصريح خاص لراديو “سوا” الأمريكي :”إن الدعوة لا يوجد أي مبرر لها على الإطلاق إلا إذا أخذنا في الاعتبار بعض الطموحات الشخصية لبعض الأشخاص وبعض أصحاب الأموال الذين للأسف لا يقدرون الوضع الحرج الذي تمر به ليبيا ويريدون خلق المزيد من المشاكل لها”.

وأضاف الدباشي :”إن هؤلاء ليسوا زعماء القبائل وإنما أشخاص من قبائل مختلفة، ولا أعتقد أن هذه الدعوة لديها أية قاعدة شعبية عريضة في المنطقة” ، مشيرا إلى أنهم “يعطون مبررا لذلك مسألة تهميش مناطقهم ويقولون إنهم يريدون أن تصل الخدمات إلى جميع القرى في مناطقهم”.

وأكد الدباشي أن السلطة المحلية للدولة ماتزال في المناطق الشرقية ، ولكنها ستتصرف في الوقت المناسب إذا أصبحت تلك المطالب تشكل تهديدا على أمن البلاد.

وأعرب الدباشي عن خشيته من أن تكون هناك أطراف أجنبية وراء المطالب لتقسيم ليبيا .. وقال “كما أخشى أن تكون هناك أجندة أجنبية تحركهم لتقسيم البلد ولكن نحن حتى الآن نعتبره رأيا لجزء من أهلنا في ليبيا ومن حقهم أن يعبروا عن رأيهم في أي شكل من أشكال الدولة يريدونه ، ولكن ليس بإمكانهم أن يفرضوا شيئا على الشعب الليبي”.

استباقا لشكل الدستور

ويرى محمد ابْعـَيّـُو المحلل السياسي الليبي من طرابلس، أن سكان المناطق الشرقية ربما يعبرون في إعلانهم هذا عن شكل الحكم الذي يرغبون به، وأضاف “ليبيا أولا في مرحلة الخيارات المتراطمة والمرتبكة. الشعب الليبي لم يحدد شكل الدولة التي يريدها بعد، وكنا بانتظار الدستور لكي يحدد هو شكل الدولة فيدرالي أو اتحادي. لكن الإخوة في المنطقة الشرقية استبقوا الدستور وعبروا ربما عن رأي عام شعبي إلى حد ما، لبناء ليبيا على أسس فيدرالية كما كانت في الدستور السابق دستور عام 1951”.

ووصف ابْعـَيّـُو إعلان منطقةََ برقة إقليما فيدراليا، بأنه مستعجل وأعرب عن خشيته من أن يتسبب بتورط المؤتمر الوطني القادم.

وأضاف :”إن الإعلان يعد خطوة مستعجلة واستباقا لشكل الدستور الذي لا أعتقد أنه سيكون فيدراليا حسب قراءتي البسيطة، على الليبيين أن يتعاملوا معه بالحوار وبالتفاهم وليس بالشدة والعنف”.

من جهته يرى البروفيسور محمد فراغ الزيدي أن الفيدرالية لا مكان لها في ليبيا، وأوضح موقفه بالقول إن “الفيدرالية تقوم بين دول أو دولة تعاني من تفكك أو من تركيبة طائفية أو إثنية أو غيرها ونحن الحمد لله شعب واحد”.

مظاهرات معارضة

وفي طرابلس، تظاهر عدد من المواطنين احتجاجا على التحركات المطالبة بالفيدرالية في بعض مناطق البلاد واعتبروها أداة لتقسيم ليبيا.

وقال محمود بلقاسم وهو من سكان العاصمة إنه “معارض للفيدرالية والسبب أنها سترجعنا عشرات السنين إلى الخلف. ما أتى به الاستعمار من تقسيم برقة وفزان وطرابلس وهذه بدايتها بالفدرالية ونتمى ليبيا وحدة وطنية”.

من جانبه أعرب عبد السلام محمد وهو أيضا من سكان طرابلس عن مخاوفه من تقسيم ليبيا.

وقال إن “الفيدرالية ستسبب تقسيم ليبيا عاجلا كان أم آجلا. زعماء القبائل يبحثون عن موقعهم بعد أن أصبحت ليبيا دولة ستعتمد على الأحزاب السياسية وبرامجها الحزبية. زعماء القبائل يريدون أن يسرقوا الثورة”.

كما تجمع عدد كبير من نشطاء المجتمع المدني والمثقفين وأئمة المساجد بميدان التحرير بمدينة بنغازي للتعبير عن رفضهم المطلق لما أقره دعاة الفيدرالية في مؤتمرهم .

تهديد أمن مصر

ويبدو ان مخاطر التقسيم لن تقتصر على ليبيا فقط بل ستمتد إلى جارتها مصر وفي هذا الاطار يؤكد اللواء حسن اللبيدي الخبير العسكري والاستراتيجي ان الذى حدث فى ليبيا من إعلان زعماء قبائل وسياسيين ليبيين منطقة برقة شرق ليبيا إقليمًا فيدراليًا أمر فى منتهى الخطورة.

وعلل ذلك بقوله :”إن الدول الغربية تسعى لإقامة قواعد عسكرية في ليبيا وذلك اتجاه استراتيجي معادي سيحاصر مصر غرباً، بالإضافة إلى أن مصر محاصرة شرقاً من إسرائيل والجنوب بعد تقسيم السودان”.

وأكد ان الأمر سيؤثر على الأمن القومي المصري لامتزاج الحدود الغربية بين مصر وليبيا والامتدادات القبلية المشتركة بيننا.

وأكد اللبيدي ان التقسيم لن يؤثر على مصر فقط بل على العالم العربي كله شرقا وغربا وجنوبا، مشيرا إلى أن العالم العربي يعيش فترة يدبر فيها الغرب مكائد لتشكيل شرق أوسط جديد تصبح إسرائيل أكبر دولة بها.

واختتم الخبير الاستراتيجي كلامه بقوله إن تقسيم ليبيا وراءه أيادي خفية تسعى لإقامة ثلاثة دويلات في ليبيا.

وأوضح الدكتور قدري سعيد رئيس وحدة الدراسات العسكرية والأمنية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – أن ليبيا بها فروقات قبلية وعرقية بين شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، مضيفا أن انقسامها أمر متوقع خاصة في ظل ضعف وسكوت المجلس الانتقالي .

وأكد سعيد أن الانقسام في حد ذاته يشكل خطر لأمن مصر ولكنه غير مقصود لمحاصرة مصر كما يحلل البعض، مستشهدا بما حدث في السودان على مدار 30 عاما من حروب بين الشمال والجنوب والانقسام كان الأفضل لهم لتجنب حروب أهلية عاصفة.

وأضاف أن الدول العربية تمر بمرحلة حساسة ويجب ان تتماسك داخليا كتونس والمغرب ومصر، محذرا من أي تفتت للدول العربية يؤدي لنتائج مرضية فقط للغرب وإسرائيل .

اللامركزية

وعلى الجانب الاخر نجد آراء مرحبة لقرار التقسيم حيث قال الدكتور محمد السنوسي منسق مجلس إدارة الأزمة الليبية وممثل المجلس الانتقالى :”إن ما حدث من استقلال إقليم برقة استجابة لصرخة أهالى برقة الذين عانوا من الإهمال والتهميش طوال فترة حكم القذافي، وقد طالب الأهالي بعدم تهميشهم مرة أخرى بعد الثورة، وذلك خلال زيارته للإقليم ، وأكد أن هذا الإجراء جاء فى سبيل السعي إلى اللامركزية بليبيا”.

وأضاف السنوسي خلال مداخلة هاتفية له مع الإعلامية منى الشاذلي ببرنامج العاشرة مساء الذي تبثه قناة “دريم 2″ الفضائية :”إن إقليم برقة يتركز فيه حوالي 65% من النفط بليبيا، وبه أكثر من 5 موانيء لتصدير النفط والغاز، وقد أهمل النظام السابق هذا بشكل كبير من حيث البنية التحتية والمدارس والتعليم والمستشفيات وغيرها”.

كما أشار إلى أن المستشار مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الانتقالى الليبي، قد أعلن من قبل فى مؤتمر أن فكرة استقلال الإقليم مرفوضة تماما من قبل المجلس الذي أكد أنه فى انعقاد دائم لحل هذه المشكلة، وأوضح السنوسي أن هناك تباطؤا كبير من قبل المجلس الانتقالى لتنفيذ أهداف ثورة 17 فبراير بليبيا وذلك يؤخذ عليه –على حد قوله-.

وتعليقا على ما قيل حول أن الحكم الذاتي فى برقة يتمثل فى وزارتين أو أكثر، أكد السنوسي عدم صحة ذلك، موضحا أن رئيس المستشار عبد الجليل يعود أصله إلى برقة وكذلك معظم أعضاء المجلس الانتقالى وخاصة بني غازي وطبرق ومناطق أخرى كثيرة بالإقليم، مشيرا إلى أن تعداد سكان برقة قليل السكان وكثير الموارد.

وأضاف أن الهدف الأساسي من استقلال برقة هو المساواه وعدم تهميش الإقليم كما كان يفعل النظام السابق الذي كان يحكم بدون دستور، وأن يتم اثبات حقوق أهل برقة، فضلا عن الهروب من المركزية والتهميش فى ليبيا.

ويرى كثير من سكان مدينة بنغازي مهد الثورة التي أطاحت بنظام القذافي، أن إعلان إنشاء إقليم برقة هو الحل المناسب للشرق بعد مرور عام على الثورة وتهميش بعض قضايا المنطقة الشرقية.

مبررات

وبرر الساعون لتكوين هذه الفيدرالية من زعماء القبائل الشرقية ما وصفوه بـ “الفشل الذريع للدولة المركزية ” وراء الإعلان عن إقامة الإقليم، زاعمين أن سياسات المجلس الانتقالي الليبي “الاستبدادية” وإعادة الدولة المركزية في العاصمة طرابلس هو الذي دعا السكان المحليين إلى التفكير جديًّا في هذه الخطوة للتعبير أيضا عن رفض تهميش “الكيان الشرعي في شرق ليبيا”.

برقة جغرافيا

إقليم برقة هو الجزء الشرقي من ليبيا وقد أطلق الاسم للمرة الأولى عام 644 ميلادية نسبة لعاصمة الإقليم آنذاك باركا وقد كان الإقليم يسمى باسم قورينائية لدى البيزنطيين. كما اعتمدت من قبل عدد من الحكام العرب والمسلمين لاحقا باعتبارها ولاية أو محافظة، وظلت تلك التسمية شائعة حتى سبعينيات القرن العشرين.

وفي 1 يناير 1934 م أصبحت برقة وإقليم طرابلس وفزان تحت الاستعمار الإيطالي، وعرفت باسم “ليبيا الإيطالية” حتي الحرب العالمية الثانية والتي تلاها استقلال ليبيا في 1951 م وإعلان المملكة الليبية المتحدة التي ضمت ولايات برقة وطرابلس وفزان، واعلان الملك إدريس السنوسي ملكا علي البلاد وعاصمتها مدينة طرابلس ومدينة بنغازي من عام 1951 إلي 1964 م، ومن ثم أنتقلت الحكومة الإدارية والإدارة ومجلس الأمة الليبي (البرلمان الليبي) إلي مدينة البيضاء وكان جاري بناء المباني لتكون عاصمة ليبيا بمقتضي الدستور، حتي أطيح به في ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 بقيادة العقيد معمر القذافي.

وتناوب على حكم ولاية برقة خلال فترة النظام الاتحادي (1951-1963) أيام المملكة اللليبية عدة ولاة، هم

محمد الساقزلي 1951-1952.

حسين مازق 1952-1961.

محمود بوهدمة 1961-1962.

محمد الساقزلي 1962-1963 (مرة ثانية).

وزاد سكان إقليم برقة عبر السنوات تماشياً مع الزيادة العامة في سكان ليبيا، ومع ذلك فإن نسبة سكان الإقليم من سكان ليبيا تذبذبت بين الزيادة والنقصان.

وبرقة هو إقليم غني بالنفط حيث يحوي ما يقرب من 80 % من النفط والغاز الليبي .

ويطرح بعض الخبراء حلولا لخطر التفتيت من خلال الإسراع في رسم خارطة طريق لإنشاء الدّولة من خلال المجلس الوطني الانتقالي والحكومة المؤقتة، وإعلان ذلك بوضوح للشعب، ووضع جدول زمني محدد لكل مرحلة، ويتواكب معه القضاء أو احتواء المليشيات وحالة الفوضى التي خلفها الكم الهائل من السلاح المنتشر في أرجاء البلاد من خلال إنشاء جيش وأمن وطني، وتفعيل المؤسسة القضائية.

والآن وبعد الثورة التي أطاحت بالقذافي هل يستسلم الليبيون لمخطط التقسيم والتفتيت الذي لا يقل خطورة عن قمع واستبداد معمر القذافي ؟

-- كتبت - وفاء بسيوني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*