الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » (الربيع العربي) والمآلات!!

(الربيع العربي) والمآلات!!

في مقالة سابقة عن الربيع العربي تركز الحديث عن مصدرية التلقي لأحداثه، وكان من المهم معرفة مصدر التلقي في كل ما نريد أن نبني عليه موقفاً أو نصدر حكماً. 

وأحداث ما سُمي بـ(الربيع العربي) من أظهر أحداث هذا العصر والتي أحدثت حراكاً في مختلف بلدان العالم العربي ولا زالت، مما تستدعي الوقوف المتأني لتحديد الموافق. ومعرفة مصادر التلقي من أهم المهمات لإحكام المواقف بالإيجاب أو السلب أو التوقف، كما سبق التفصيل فيه والذي أدركنا من خلال أننا نحن المسلمين لنا منهاجنا في التلقي، وإن خالف أهواءنا وأمانينا أو ما يمليه الإعلام علينا باعتباره مصدراً أساسيا من مصادر التلقي. وفي هذه الأسطر، نقف مع المآلات للأحداث وفي اعتبارها الشرعي، والمصلحي، وكيفية وزنها، والنظر إليها، وهل تغير من النظرة إلى الحدث؟ أو تعدل المسار فيها للقبول أو الرفض أو التأمل أو الوقوف أو التفصيل؟ 

أسئلة تتوالى في ذهن المتأمل قبل أن ينساق مع الفكر الجمعي من حيث يشعر أو لا يشعر. 

ولا أزعم هنا أنني أحيط بما يشبع فهم المتسائل لكن حسبي أن أذكر عدداً من الأبعاد التي أرجو أن تنير معالم الطريق في تصور المآلات، وتدفع إلى مزيد من الإثراء والمناقشات الجادة. لكن قبل أن أبدأ بذكر الأبعاد أذكر -بإيجاز- عن أهمية النظر للمآلات التي تكمن في: 

– أنها مؤثرة في اتخاذ الأحكام؛ فلا شك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن التصور تصور النتائج. 

– ومؤثرة في اتخاذ المواقف من الفعل أو الترك فما يؤول إلى مصالح يختلف عما يؤول إلى مفاسد، وإلى ما يؤول إلى مجهول لا يعرف أثره. 

– ولأن المآلات تعين على سلامة التصور في المسار مع الحدث، وتحدد الرؤية في وسائله. 

– والمآلات تبين سلامة الأعمال، وتحدد الأولويات. 

وبعد هذا: أدخل في بيان الأبعاد المعينة على تصور المآلات. 

البعد الأول: غير خاف أن هذه الأحداث (الربيع العربي!!) ليس لها اتجاه واحد، ففي كل بلد ومجتمع لها نمط خاص، وهذا يعطي نتيجة أزعم أنها ليست محل خلاف بين المهتمين، وهي أنه لا يمكن قياس ما يحدث في بلد على ما يحدث في آخر. 

وهذه النتيجة تقود إلى مُسلّمة، وهي: أن ظروف كل بلد تختلف عن الآخر؛ سواء كان في نظامه العام، أو أنظمته العدلية، والاجتماعية، والأمنية، والسياسية، والاقتصادية المنبثقة من النظام العام، أو في مستواه المعيشي، أو في تمسك المجتمع في أسسه المبدئية، من الدين والخلق والتعامل الاجتماعي، وغيرها. هذا بُعد مهم في تقدير المآلات لأي حدث. 

البُعد الثاني: أظننا بحاجة -ومجتمعنا العربي مجتمع مسلم- أن نستذكر بعض القواعد الشرعية المؤثرة في النتائج والمآلات، ومنها: 

1 – غلبة الظن في تقدير المصالح والمفاسد، فيغلب الجانب الأقوى منها، فإذا كان العمل يقود إلى مصالح متعددة أو متعارضة فيؤخذ الأعلى منها، وإذا كانت المفاسد كذلك فتدفع المفسدة الكبرى بالصغرى، وإذا كان التعارض بين المفسدة والمصلحة تركت المصلحة لما تحدثه من المفسدة من أثر. 

2 – أن المعتبر في المصالح مصالح الخلق التي جاءت الشريعة بحمايتها وتحصيلها، والمعتبر في المفاسد كذلك مفاسد الخلق، وأعلا المصالح، المصالح الشرعية المتمثلة بحفظ الضرورات الخمس: (الدين، العرض، المال، النسب، العقل) والتي أصبحت من أعظم مقاصد الشريعة، والمفاسد ما يتناول أحد هذه الضرورات بالخدش والتأثير السلبي. 

3 – قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” الذي هو في الأصل حديث شريف فأصبح قاعدة شرعية فكل ما يحدث من أضرار يجب أن تجتنب. 

4 – العمل بالمرجوح إذا لم يغلب على الظن حصول الراجح، أما إذا كان ما سيحصل محتمل الرجحان فلا شك في تركه. 

البُعد الثالث: وضوح الغاية المنشودة من أي حدث هل تحررت لدى صانع الحدث، ومريد التغيير؟ وهل هي غاية إيجابية تستحق التضحية بالنفس والجهد والمال وغيرها؟ 

بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- بغاية واضحة التي بعث به الأنبياء والمرسلون قبله وهي تحقيق عبودية الله في الأرض {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ومع هذا لم يفعل بعض التشريعات وترك كثيراً منها في مرحلة (مكة) فهذا كله يدل بوضوح على النظر إلى الغاية. 

فما البال إذا كانت الغاية غير واضحة؟ أو محل شك كبير؟ أو تكتنفها مؤثرات؟ 

البعد الرابع: سلامة الوسيلة للوصول إلى الغاية السليمة، ولو كانت الغاية جليلة، والهدف ساميا فالغاية لا تبرر الوسيلة، وليس كما يقول مكيافلي بأن الغاية تبرر الوسيلة. 

وفي الشرع: لا يجوز عمل المحرم للوصول إلى الهدف، مثل: السرقة لا يتوصل بها إلى جمع المال، والزنا لا يتوصل به إلى الحصول على الولد، والقتل لذاته لا يتوصل به إلى الإصلاح. 

البعد الخامس: مخالفة الهوى إذا لم يكن وفق الشرع، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به” فالحاكم هو الاتباع للقواعد الشرعية، والمصالح المرعية المستنبطة من أدلتها الشرعية، ومما يدخل في “الهوى” العواطف الجياشة، واتباع العقل الجمعي، والتأثر بالحوادث الفردية. 

تلك أبعاد خمسة تنظيرية أزعم أنها تعين على النظر في سلامة المآلات والنتائج وتقديره. 

* * * 

ومن منطلق هذه الأبعاد أحاول تطبيقها على قضية واحدة برزت في بعض المجتمعات التي نالها نسيم (الربيع العربي) فهي من مخرجاته. 

وكذا في مجتمعات لم يصلها الربيع العربي، ولكنها سبقته بمضمونه. وعرض هذه القضية وتداعيتها على سبيل الوصف ليبقى التقرير لكل من منظاره وتطبيقاتها، وهي في الوقت نفسه قضية ذات أبعاد كبرى في واقعها ونتائجها، وهي قضية التقسيم للبلد الواحد. 

– التقسيم الجغرافي في ضوء الولاء القبلي. 

– التقسيم الجغرافي في ضوء الولاء الديني. 

– التقسيم الجغرافي في ضوء الولاء المذهبي. 

– التقسيم الجغرافي في ضوء الولاء المصلحي. 

السودان قُسّم إلى شطرين: شمالي مسلم، وجنوبي نصراني، والثالث يلوح به، والعراق يعيش التقسيم بكل أبعاده الجغرافية، وليبيا يلوح بتقسيمها، ومصر واليمن كذلك. 

هذا التقسيم ليس مجرداً لتزيد حكومات عربية أخرى بل له تبعاته وتداعياته، وأقلها أن تعيش تلك الدول والمجتمعات حالة من التأخر والاختلاف والتناحر لسنوات عجاف. والله أعلم بها. وهنا حول هذه النتيجة تساؤلات محل للبحث والنظر يتطلب من العقلاء والعلماء وأهل الرأي الوقوف عندها. 

هل التقسيم إيجابي أو سلبي؟ 

وفي كونه إيجابياً ما مدى غلبة المصالح فيه؟ 

وهل سيسلم من سلبيات العداء والقتال والتدمير والنزاعات المستمرة؟ 

وهل سيصنع دساتير ضابطة لإعمال تلك الدول؟ 

وأين محل الأمن هنا؟ وما مدى نسبته؟ 

وهل ستحل مشكلات الفقر والبطالة والطبقية؟ 

وهل ستعالج المشكلات الاجتماعية؟ 

وهل ستقل الجريمة أو تختفي وبخاصة الجرائم الكبرى؟ 

كل هذه التساؤلات وغيرها تستوجب من العقلاء والعلماء وأهل الفكر والرأي الوقوف عندها بصراحة مع النفس ومع المجتمع، وتجاوز العواطف الجياشة التي تستغلها المحركات القريبة والبعيدة، والثمن تدفع مجتمعاتنا. ولا شك أن المتأمل يدرك أن مبدأ التقسيم ما يجره من أضرار من أكبر السلبيات على مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي يجب أن تقاوم، كما يجب أن تقاوم مقدماته مهما كانت شعاراتها. 

* * * 

همسة: 

وأتساءل هنا تساؤلات خاصة -من منطلق تلك الأبعاد- لأبناء مجتمعنا بفئاتهم المختلفة ما الغاية التي ينشدها المطالب بالحقوق ومدعو الإصلاح بالسلاح والقتل والشعارات المضللة؟ ألم نجمع في السنوات الأخيرة على محارب الإرهاب لما يحتوي عليه من المفاسد الكبرى؟ 

فما بالنا نعلي الصياح والسلاح للمنشآت ورجال الأمن بمسمى الحقوق اليوم؟ 

وهل هذا طريق كسب الحقوق؟ وبخاصة حين ترفع شعارات التقسيم؟ 

وألا يظن من يشتغل في الإعلام الجديد بإثارة الأنفس وشحنها على أصولنا ومبادئنا وأخلاقياتنا وقيادتنا وعلمائنا؟ أنه يعين على مزيد من الجراح؟ 

ثم أين مشروع أمثال هؤلاء المشروع البناء الإصلاح الذي ينادي فيه؟ 

وما المآلات التي يريدها، والنتائج التي يحصل عليها من ينادي بالإصلاح عن طريق السلاح أو الصياح بالقلم أو اللسان. 

وسؤال خاص: مَنْ المحرك لهذه النعرات والإثارات؟ وماذا يريد؟ 

* * * 

وأخيراً ومن منطلق البعد الأول خاصة لخصوصيتنا في بلدنا وما نتمتع به أقول: 

هكذا نتساءل إذا أردنا الشفافية الحقة مع أنفسنا لنتفق على مسار الإصلاح، القائم على مبدأ الأمر بالمعروف بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير منكر، والدعوة بالحسنى، والمطالبة بسد الثغرات، ومعالجة الفساد بالطرق المشروعة من دون يأس أو قنوط، ولنتذكر قوله تعالى 

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. 

وهذا يوجب التغلب على: الأنانية، والذاتية، والتقليد الأعمى، والتبعية للغير، والبُعد عن العقل الجمعي، وضرورة تحكيم العقل والعلم، والمصالح الكبرى، وعدم الانجراف مع القوى المعادية، ومن أكبر ما يعين على ذلك: النظر إلى المآلات وفق الأبعاد المذكورة. فبلادنا -بعقيدتها ومقدراتها ومصالحها ومالها وشبابها ومكتسباتها- مستهدفة فهل نشترك للعمل بدفع هذا الاستهداف بروح وجهد جماعي تحت القيادة الواحدة، لنصلح ونطور وننتج ويبقى إيماننا وأمننا ووحدتنا، ونعمل لمواصلة البناء والتنمية ومعالجة ما يحتاج إلى إصلاح. هذا هو المؤمل، والله من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل. 

(*) عضو مجلس الشورى

aleh@alssunnah.com 

————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. فالح بن محمد بن فالح الصغير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*