الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التقاطع والتباين بين تركيا والثورة السورية

التقاطع والتباين بين تركيا والثورة السورية

الحكومة التركية لم تكن تتوقع انفجار الثورات العربية وانتشارها؛ لا في تونس ولا في غيرها، بهذا الشكل وهذه السرعة، وارتبكت سياستها الخارجية بسبب هذه المباغتة، وتذبذبت مواقفها من الربيع العربي، لكن الطامة وقعت بالنسبة لها حين انتقلت شرارة الثورة إلى سورية. 

وكان الخيار الذي تفضِّله الحكومة التركية أن يدرك بشار الأسد ضرورة إجراء الإصلاح الجذري بشكل سريع يقنع الشارع السوري بأن عجلة التغيير بدأت تدور نحو الديمقراطية، وتؤدي إلى عودة الحياة الطبيعية بانسحاب المتظاهرين من الشوارع إلى بيوتهم، إلا أن هذا الخيار مات في مهده بسبب وحشية النظام السوري وعدم قابليته لأي نوع من الإصلاح. 

وبعدما حسمت الحكومة التركية أمرها تخلت عن هذا الخيار الميت، وأعلنت انحيازها التام إلى جانب الشعب السوري وثورته، وفتحت أبواب البلاد أمام أنشطة المعارضة السورية ومؤتمراتها، إضافة إلى إيواء اللاجئين، واستضافة عدد من قادة الجيش السوري الحر، وهنا تقاطعت رغبة الشعب السوري في إسقاط النظام مع رؤية الحكومة التركية حول حتمية سقوط بشار الأسد. 

وهناك نقاط أخرى تتقاطع فيها تطلعات الشعب السوري الثائر مع مصالح تركيا كالحفاظ على وحدة التراب السوري، وإقامة نظام ديمقراطي في سورية يتعايش في ظله جميع المكوِّنات بالأمن والأمان، وعدم تحول الأراضي السورية إلى ساحة تتصارع فيها القوى الدولية والإقليمية على حساب الدم السوري وأمن المنطقة واستقرارها، وتعزيز العلاقات الثنائية بين الجارتين بعد زوال نظام الأسد والمساهمة التركية في بناء سورية الجديدة. 

ورغم هذا التقاطع، لم تكن سياسة تركيا تتطابق تمامًا مع ما يتطلع إليه الشعب السوري، بل ظهر في بعض الأحيان تباين واضح بين الموقف التركي وأهداف الثورة السورية، وكثرت الأسئلة والشكوك حول تحركات القادة الأتراك وتصريحاتهم، واتُّهِمَت أنقرة بأنها تقف في منطقة رمادية، وتحوَّلت قضية إيواء اللاجئين وقادة الجيش السوري الحر – حسب رأي بعض المراقبين – إلى محاولة احتواء الثورة السورية لعدم تدويل الأزمة وخروجها عن السيطرة. 

ويعزز هذه القناعة ما تكتبه وسائل الإعلام الموالية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، حيث وصف الباحث التركي، نوح يلماز، المقرب من وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، في مقاله في صحيفة ”ستار” التركية في 20 شباط (فبراير) الماضي، استضافة الجيش السوري الحر في الأراضي التركية بـ ”توفير الحماية/السجن له”. ويؤكد ذلك، ما قاله ”أيْهم الكردي”، أحد قادة الجيش السوري الحر، بأن ”كل ما تلقوه من مساعدة حتى الآن يقتصر على السماح لهم بالبقاء في تركيا، ولا شيء غير ذلك”. 

الشعب السوري الثائر يطالب بحماية دولية للمدنيين، ويدعو إلى تسليح الجيش السوري الحر، لكن القيادة التركية ترفض التدخل العسكري الخارجي في سورية، كما أن موقف تركيا من تسليح المعارضة السورية غير واضح حتى الآن، إضافة إلى ذلك، صرح الرئيس التركي عبد الله غول بأن الحل الأفضل للأزمة السورية هو ”النموذج اليمني”، أي أن يترك بشار الأسد السلطة لغيره مع بقاء النظام كما هو ليقود المرحلة الانتقالية. 

ومن الطبيعي أن تنطلق القيادة التركية في تعاملها مع الثورة السورية من مراعاة مصالح تركيا، ويجوز أن تتخوف على أمن البلاد واستقرارها، في ظل اختراق النظام السوري الذي ظهرت خطورته جلية في قضية اختطاف المقدم حسين هرموش وتسليمه إلى المخابرات السورية، بل الأخطر من ذلك هو الاختراق الإيراني المتغلغل في عروق الجماعات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحكومية وغير الحكومية وحتى مراكز البحث والجامعات. 

التغلغل الإيراني الهائل في تركيا يعود في الأساس إلى قيام الثورة في إيران، حيث انبهر عدد كبير من الإسلاميين الأتراك بـ”الثورة الإسلامية” وقائدها الخميني، وغزت الكتب المترجمة من الفارسية المكتبات التركية، وظهرت وسائل إعلام مختلفة تروج دعاية الثورة وإيران الخميني. ومنذ أكثر من 30 سنة، تخرج في المدرسة ”الخمينيجية” الفكرية عدد كبير من الأتراك لينتشروا في أنحاء البلاد. 

حتى الآن ليست لدينا دراسة وأرقام حول نفوذ هؤلاء وثقلهم في الإعلام التركي أو في السياسة التركية لنعرف مدى تأثيرهم بالضبط في تشكيل الرأي العام التركي وتوجيه الحكومة التركية، لكن المؤكد وجودهم – وبكثرة – في وسائل الإعلام التركية المختلفة، خاصة الإسلامية منها والمقربة من حكومة أردوغان، كما أن لهم حضورًا في صفوف الأحزاب ذات التوجه الإسلامي. 

وقد ترى الحكومة التركية ضرورة عودة الأمن والاستقرار إلى سورية في أقرب وقت ولو كانت من خلال صفقة ترضي روسيا وإيران، أو مغادرة بشار الأسد قصر الرئاسة وترك كرسيه لأحد أفراد الطائفة النصيرية، لتتحاشى التصادم مع روسيا وإيران، كما يروِّج هذه السيناريوهات بعض الأوساط في العاصمة التركية، لكن هذا التوجه يتعارض بالتأكيد مع ما تصبو إليه الثورة السورية. 

تركيا تُشْكَرُ جزيلاً على ما تقدمه للاجئين والمعارضة السورية من الحماية والخدمات، مع أنها تُعَدُّ جزءًا من الواجب الإنساني والديني والأخلاقي الذي لا حاجة إلى الشكر عليه، لكن هذا الإحسان يجب ألا يتحوَّل إلى المن على الثورة السورية في ظل هشاشة المجلس الوطني السوري الذي لم نسمع منه حتى الآن، أي تعليق على اقتراح جول ”النموذج اليمني” للحل في سورية. 

وما زالت هناك مساحة واسعة بين تركيا والثورة السورية تتقاطع فيها توجهات الطرفين ومصالحهما، ولعل الحكومة التركية تحسم أمرها في قضية تسليح المعارضة لمصلحة تطلعات الشعب السوري، وتسمح لقادة الجيش السوري الحر بالخروج من القفص الذي وُضِعوا فيه، وتتحرك بالفعل لوقف المجازر في المدن السورية. ومن الطبيعي أن يكون هناك تقاطع وتباين واختلاف في وجهات النظر والأولويات، إلا أن النقطة الأهم في الأمر هي أن تحافظ الثورة السورية على استقلاليتها حتى لا تُختطف.

—————-

نقلاً عن صحيفة الاقتصادية

-- إسماعيل ياشا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*