الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » زعيم حزب المؤتمر الشعبي بين (الشرك التقليدي) و(الشرك السياسي)

زعيم حزب المؤتمر الشعبي بين (الشرك التقليدي) و(الشرك السياسي)

في كتبه التي نشرها قديماً ومنها كتاب (تجديد الفكر الإسلامي) أكثر الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي بالسودان من استخدام مصطلحات : (الشرك السياسي) و(الشرك الجديد) و(الشرك القديم) و(الشرك التقليدي) و(الشرك الشعائري) و(الفقه التقليدي) و(الفقيه التقليدي) و(الفكر العقدي القديم ) وغيرها .. وللاستشهاد لذلك أسوق هذه النماذج :
في تجديد الفكر الإسلامي ص42 قال : «ولئن كان فكرنا (التوحيدي القديم) ، وعلمنا الكلامي القديم قاصراً على أن يعالج أمراض (العقيدة السياسية) التي ظهرت حديثاً فقد كان (فقهنا العملي القديم) كذلك قاصراً عن هذه المعاني ، وهذه علة تصيب كل الديانات ومرض من أمراض التدين».
وقال في ص41 في نفس الكتاب : «.. وقديماً كان الفكر العقدي إما موجهاً إلى علاج القضايا الكلامية التي أثارها دخول المنطق والغزو الفكري الهيليني على المسلمين أو فكراً توحيدياً موجهاً ضد (الشرك الشعائري) وهو الشرك الذي يتمثل في النذر لغير الله أو الاستغاثة أو الدعاء لمن دونه أو الطواف بوثن ، وكل ما شابه ذلك من صور الشرك الذي ترونه شائباً في تديننا الشعبي الموجود في السودان ، ولكن حال الزمان وأصبح اليوم يجابهنا (شرك جديد) وهو الشرك السياسي … » ، إلى أن قال: «هذا (الشرك الجديد) ليس في الفكر الإسلامي (العقدي القديم) كثير علاج له».
وفي نفس الصفحة قال: «وقد كان هذا (نوعاً جديداً من الشرك) وكان لابد من أن يتوجه إليه فكر عقدي جديد».
وقال في ص44 : «ولما كان الفكر الإسلامي في كل قرن مرتبطاً بالظروف القائمة ، ولا نصيب له من خلود بعدها إلا تراثاً وعبرة – سواء في ذلك فقه العقيدة أو فقه الشريعة».
وقال في نفس الصفحة : «لا بد إذن من تجديد الفكر العقدي الإسلامي في كل طور لأن الشرك في كل عهد من العهود يتخذ مظهراً مختلفاً.. » إلى قوله : «ولذلك لا بد من أن يتجدد الفكر الاعتقادي ليعالج ويجابه نوع المرض الإشراكي وعلل التوحيد التي يطرحها الواقع الحاضر..».
وفي ص12 قال : « وإذا كنت قد ضربت لكم الأمثال من الفكر الاعتقادي وكيف يطرأ عليه التقادم…».
وفي ص14 قال: «فلا يكاد (الفقيه التقليدي) اليوم يتصور ما هو الإسلام ، ولا يكاد ينظر إلى الإسلام من مقاصده ومعانيه ومبادئه العامة ، من حيث هو إيمان حي يتحرك ، وإنما هو يعلم تفاصيله المنثورة».
وفي ص25 قال: «ومن المعوّقات هناك من يقول بأن عندنا ما يكفينا من الكتاب والسنة وهذا وهم شائع ، إذ لا بد ان ينهض علماء فقهاء فنحن بحاجة إلى فقه جديد لهذا الواقع الجديد».
هذه نماذج ومثلها كثير ، في استخدام الترابي مصطلحات (الشرك السياسي) و(التقليدي والشعائري أو القديم) وغيرها ، فالشرك (التقليدي أو الشعائري) عند الترابي هو الشرك الوارد في النصوص الشرعية من اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله تعالى وصرف العبادات لهم ، وعبادة القبور والأضرحة والطواف بها ودعاء الأموات .. وأما (السياسي) أو (الجديد) فهو المتعلق بقضايا الحكم والحاكمية وما يتعلق بها من انتخابات وبرلمانات وسُلْطَات ، أي ما يتعلق بالجوانب السياسية ، فالأول : هو الشرك الذي يحدث في قباب الأموات المقبورين وأضرحتهم وفي غير ذلك وما يشبهه ، والثاني : هو الشرك الذي يحدث في (قبة) البرلمان !! وتأصيلات هذه المصطلحات عند الترابي هو أمر من الأمر المعروف عند المهتمين بهذه الجوانب والمتابعين لما يحدث في الساحة الدعوية أو السياسية .. فالترابي قد بيّن منذ زمن بعيد أن تركيزه وعنايته واهتمامه هو فيما سمّاه واصطلح عليه بمحاربة الشرك (السياسي) .. فزهد في تناول قضايا ما اصطلح عليه وسمّاه بالشرك الشعائري أو التقليدي وأعرض عنها.. وليته زهد وأعرض فقط واكتفى بالسكوت !! فإنه لم يكُف لسانه عن الاستهزاء والسخرية ــ بأسلوبه المعروف ــ بالمهتمين بالتحذير من الشرك ومظاهره ، المبينين للمعتقد الصحيح ، فإنه قد اشتهر باستخفافه بدعوتهم والسخرية منهم .. وعباراته في ذلك مدوّنة ومشتهرة تتداولها الألسن.
وبذات النسق فإن ما يسميه بــ (الفقه التقليدي) هو علم الأحكام الشرعية العملية المعروف عند المسلمين بفقه العبادات والمعاملات .. و(الفقيه التقليدي) عنده هو من يشتغل بهذه الأحكام وببيانها. 
لقد زهد د.الترابي بل واجتهد لأن يُزَهِّدَ غيره في بيان المعتقد الصحيح والتحذير من أعظم المخالفات والمنكرات وهو الشرك بالله ، ولم يكن له أسوة في كتاب الله تعالى الذي فصّل قضايا هذا الجانب العظيم ببيان لا يبقى معه خفاء أو غموض أو جهل لكل من قرأ في آياته ، وإننا في القرآن الكريم نقرأ : أن من أهم مهمات المربي والموجه التحذير من الشرك بالله فنقرأ في وصايا لقمان التي فيها جوانب رئيسة ومهمة في معالم التربية ومنهاجها (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) .. وفي القرآن الكريم نقرأ قصص الأنبياء ودعوتهم لأقوامهم وشفقتهم عليهم ، وبيانهم لطريق النجاة وتحذيرهم أقوامَهم من طرق الهلاك وأهمها الوقوع في الشرك بالله .. ونقرأ بيان ما ترتب على الاستجابة وعدم الاستجابة لأولئك الأنبياء ، ونقرأ في كتاب الله تعالى أن بيان المعتقد الصحيح وعبادة الله وحده والتحذير من الشرك في العبادة هو الذي أرسل الله به جميع الرسل والأنبياء.
ولم يكن لزعيم المؤتمر الشعبي أسوة في النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام الذي كان يحذر من الشرك بالله ، ويبالغ في ذلك ، شفقة على أمته ، ورحمة بها ، وقد بيّن أن الشرك هو أكثر أمر يخاف على أمته منه .. ولذا حذرهم منه وهو في سكرات الموت عليه أفضل الصلاة والسلام ، وشهد وبلغ أمته أن الشرك بالله هو أعظم الموبقات وأنه أكبر الكبائر.
لقد ادّعى الترابي أن الذي ينبغي أن يكون التركيز عليه هو (الشرك السياسي) .. واجتهد لإبا ضرورة ذلك .. وهذا ما حكاه عن نفسه ــ قولاً وفعلاً ــ خلال عقود طويلة من الزمان ، والترابي الآن في العقد الثامن من العمر.. وإنّ عليه ــ قبل غيره من الناس ــ أن يسأل نفسه هذا السؤال :
إذا كان الترابي قد أعرض وزهد بل عاب على المشتغل بالتحذير بما سماه (الشرك الشعائري أو التقليدي أو القديم) وعاب أيضاً انشغال الفقهاء بتعليم الفقه للمسلمين وسمّاه (الفقه التقليدي) وسمّاهم (الفقهاء التقليديين) وانشغل بما اصطلح عليه بـ (الشرك السياسي) أو (الشرك الجديد)، فماذا يا ترى حقّق في ذلك ؟!!!
وما هي ثماره ونتائجه خلال هذه العقود من الزمان فيما أظهر عنايته به وهو ما سمّاه (الشرك السياسي) ؟!
ولئن أجاب د.الترابي عن هذا السؤال أو لم يجب ، فإن الإجابة نقرأها وقرأناها في إجابات القريبين من الترابي قبل البعيدين !!!
قرأناها ونقرأها في شهادات (طلابه النجباء الموالين) قبل (خصومه البعيدين المعادين) !! فقد عاب الترابيَّ وتنظيره وفتاواه ومواقفه السياسية ومواقفه في كثير من قضايا الدين عاب ذلك وغيرَه الكثيرون ممن كانوا هم أقرب تلاميذه ومحبيه إليه ، ولم تتوقف شهادات المقربين منه في ذلك ، وفي يوم أمس الاثنين 12 ربيع الآخر الموافق الخامس من شهر مارس قرأنا بهذه الصحيفة ما سمي بـ (المذكرة التصحيحية) المنسوبة لبعض المنتمين لحزب المؤتمر الشعبي .. وليس هناك ما يستغرب له الكثيرون عند اطلاعهم على هذه المذكرة أو ما يشبهها من المذكرات ، فإن هذه النتائج معروفة ومعلومة بل هي يقين عند (الكثيرين) ، والموفّق من يعرف الفتنة عند وقوعها ويسلم بتوفيق الله منها.. فإذا أدبرت الفتنة عرفها كل أحد !!
وأقتبس من عبارات هذه المذكرة المنسوبة لبعض المنتمين لحزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده ويتزعمه الترابي ، والمسماة بــ (التصحيحية) أقتبس منها العبارات التالية :
فقد قيل فيها : (لكن مرة أخرى خاب الرجاء ومضينا إلى منتهى الطريق حتى تضاءل الأمل، وبدأ التفتت الداخلي والانقسام النفسي والفكري حيال كل قيمة مطروحة، وغُيبت الأجهزة التنظيمية، واستعيض عنها بلجان يُرى فعلها ولا تُرى، وأتت المشكلات في كل أنحاء البلاد). ومما قيل فيها : (إن الحزب وإن كانت له رؤية ومقدرة على حل الأزمات أو الإسهام فيها لصالح الوطن، إلاّ أن روح الانتقام تجعل القيادة تقلِّب كفيها دلالة على العجز، وإن أقدمت على فعل شيء فإن فعلها من حيث الوقوف مع التطورات الدولية أو المحكمة الجنائية أو ضد القوات المسلحة حتى أصبح حزب الأصالة الإسلامية إن نجا من العمالة فهو إلى الانتهازية أقرب، فرجع بذلك عدد ليس بالقليل للمؤتمر الوطني مسترجعاً، وانصرف غالب  الخُلّص إلى همومهم الخاصة).
ومما قيل فيها : (أصبح الحزب الآن حشدًا من الأسماء التي تتبوأ مواقع وهمية، يسميها الأمين العام أمانات، وهي في حقيقة الأمر لا وجود لها على أرض الواقع، فقط تستخدم كديكور لتجميل وجه الحزب حتى يكون منظره من بعيد، جاذباً للآخرين).
ومما قيل في المذكرة : (كيف للأمانة العامة التي أصابتها الشيخوخة توافق بدون اعتراض على علاقة خاصة مع الحزب الشيوعي)  ، ومما قيل في المذكرة : (نحن نطالب اليوم قبل الغد أن ينفض الحزب يده عن كل تعهد أو التزام أو صلة تربطه بالحزب الشيوعي الفاسق وبأمثاله من أحزاب الضلال الضالة المضلة) .
ومن المنشور في المذكرة : (ولكن ظل المؤتمر العام غائباً أو مغيباً بأعذار واهية من عدم وجود مال وخلافه، مما خلق حالة من الاحتقان داخل الحزب، وظلت الأمور التنظيمية مرهونة بيد الأمين العام والقيادة، وغاب المؤتمر العام تماماً عن لعب دوره الأساسي) .
وقرأنا في المذكرة المنسوبة لبعض المنتمين للمؤتمر الشعبي ـ أيضاً ـ : (موقف الحزب المعلن من قضية المحكمة الجنائية من خلال تصريحات الأمين العام وآخرين معه لا يعبِّر عن موقف عضوية الحزب العريضة ، التي لا يرضيها أن يحاكم أيّ سوداني أمام هذه المنظمات المشبوهة التي لا تنشد عدلاً) .
وقرأنا : (ظلت عضوية الحزب تعضُّ على مرارة التهميش وعدم التدريب والترقي إلى مصاف القيادة، وهي ترى الأبواب مغلقة في وجه الشباب، مشرعة لكبار السن« وللأسرة وآل البيت والنسابة» واحتملت كل ما تلاقيه من نكران في سبيل مبادئ آمنت بها، وهي تقاوم إغراءات السلطة والمال  وتتمسك بحزب لا يقدم لها شيئاً…)..وقرأنا .. وقرأنا غير ذلك ..
أقول : هذه واحدة من الشهادات الأخيرة المحررة لزعيم المؤتمر الشعبي الدكتور حسن الترابي والتي تبين بوضوح وجلاء فشله في السياسة التي ادّعى لنفسه أنه من أساطينها وزعمائها وقد صدرت من مقربين وقد سبقهم غيرهم من المقربين له ، لتتنوع الشهادات التي صدرت للترابي ببيان فشله السياسي ــ وبجلاء ــ .. وأما فشله في العناية بالتوحيد والعقيدة الصحيحة والفقه الإسلامي وميراث الأمة من العلم الشرعي القائم على النصوص الشرعية وهو ما يسميه (القديم والشعائري والتقليدي) فقد حرّر الترابي بنفسه لنفسه شهادات الفشل في ذلك ، ومنذ زمن بعيد ، وقام بتدوينها وتدبيجها ونشرها في كتبه التي طبعت قبل حوالي ربع قرن من الزمان ، وأكثر ، وتحقق في حاله مقولة : (فلا الإسلام قد نصرا ولا الباطل قد كسرا )..!! بل ــ للأسف ــ كان معونة للباطل .. ساعياً مجتهداً لزعزعة ثوابت الدين .. وقواعده وأصوله ..
وهمسة في أذن المنكرين عليه من المقربين إليه .. أن يصححوا ويبرئوا ذمتهم بإنكار فتاواه ومواقفه المنحرفة المتواصلة والمتكررة والتي خالف بها نصوص القرآن والسنة وإجماع علماء المسلمين مما لا يخفى عليهم ، فذاك أولى بالإنكار والتصحيح وإبراء الذمة من غيره .. وهمسة في أذن من افتتن بمثل هذه التنظيرات فزهد في الدعوة إلى التوحيد بتفاصيله ، وبيان الشرك بما يتم به البيان والتوضيح ، والسعيد من وُعِظَ بغيره ، والموفق من وفقه الله ..

———

fdm221@hotmail.com

-- بقلم : د.عارف عوض الركابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*