الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حزبية الإقصاء والتخوين

حزبية الإقصاء والتخوين

عرض الفكرة، وتقليبها، ونقدها، ظاهرة معرفية جميلة وراقية، بل من الفلاسفة والمفكرين من يعدّ المناظرة حول الفكرة شرطا رئيسيا من أجل نضجها، مع إن المناظرة فيها محاولة واضحة لدحض الفكرة، وردها تماما، وتصلب كل صاحب رأي برأيه، لكنه تصلب وتمسك مؤقت، المناظرة هنا أشبه باللعبة الفكرية، التي يحاول كل طرف فيها التغلب على خصمه، وما إن تنتهي اللعبة، حتى يعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل بدئها، فالخصم هنا خصم مؤقت، وهو في الحقيقة صديق وحليف، والفكرة هنا ميدان الحركة والتنافس، والهدف هو العقل، أو بمعنى أدق هو الإنسان، وحين يكون الإنسان هو المركز، ترتقي الأخلاق.

بالمناظرة تتطور مهارات المفكرين والمتحدثين، وحتى المستمعين، يتم تطوير مهارات التسامح، والاستماع، والجدل، والحوار، والتفكير، فما إن تنتهي هذه اللعبة الفكرية حتى يكتشف الجميع أن الدنيا لم تتغير حين خرج كل صاحب رأي برأيه، أو حين تغيرت قناعات الحضور، أو حين خرج الجميع بنسبية عالية وزعزعة لليقينيات السابقة.

هناك حوارات أخرى، هي في حقيقتها، حوارات حزبية، تتحول فيها اللعبة الفكرية إلى معركة حقيقية، تهدف إلى إسقاط الأشخاص بشكل مباشر وواضح، وهي مهمة الأحزاب في معاركها المستمرة، فالأحزاب لا يهمها كثيرا أن تتفق أو تختلف لأنها لا تقدم نفسها للناس على أنها أفكار، بل يهمها أن تزيد من عدد رموزها، وتقلل من عدد رموز خصومها

قد تكون هذه الحالة الراقية في أنواع مختلفة من الحوارات العلمية التي تحدث في القاعات الأكاديمية، والصالونات الثقافية، والمحاضرات العامة، ومقالات الصحف، وغيرها، ولكن هناك حوارات أخرى، هي في حقيقتها، حوارات حزبية، تتحول فيها اللعبة الفكرية إلى معركة حقيقية، تهدف إلى إسقاط الأشخاص بشكل مباشر وواضح، وهي مهمة الأحزاب في معاركها المستمرة، فالأحزاب لا يهمها كثيرا أن تتفق أو تختلف لأنها لا تقدم نفسها للناس على أنها أفكار، بل يهمها أن تزيد من عدد رموزها، وتقلل من عدد رموز خصومها، بل إن القواسم المشتركة تظهر حين ترغب الأحزاب في ذلك، وتختفي حين ترغب في ذلك، ففجأة تجد الأعداء على طاولة مستديرة تعلوهم الابتسامة، وفي اليوم التالي تجدهم يتراشقون في المنابر العامة، لا يمكنك الحديث هنا عن حالة معرفية، بل من السذاجة أن تحاول تحليل ما يجري من زاوية معرفية.

كيف تبدأ الحوارات الحزبية؟ في البداية تتجاهل الأحزاب الرموز الصاعدة، سواء كانوا من خصومها، أم من التيارات الشبابية الناشئة، أم من عموم الناس، لأن أي نقد لهذا الرمز القادم يُعد دعاية مجانية له، وفي اللحظة التي يوصف فيها هذا الرمز الصاعد بـ (المؤثر)، تبدأ المعركة، من خلال تُهم مكررة ومعروفة، ومن كثرة تكرارها وترديدها، أصبحت مستهلكة ومرذولة، ولكنها تجد فاعليتها عند أتباع الأحزاب، من هذه التهم وصف الأشخاص بـ (الضعف العلمي)، و(هشاشة الطرح)، وعدم (التأصيل)، فيكفي اللمز أن هذا الكلام (سطحي وتافه، ولا قيمة له)، لتنفير الناس منه، وحين يكون كاتبا، يتهم بركاكة الأسلوب، وضعف الصياغة، وكثرة الأخطاء اللغوية، وقد يُتهم بالبحث عن الشهرة، والتطلع لجذب الجماهير، والبحث عن السلبيات، وعدم الإنصاف، ويتم ترديد هذه التهم حتى مع عدم وجودها، وغالبا ما تكون هذه التهمة ضعيفة الأثر والنتيجة.

هناك مستوى أعلى من التهم، أو بمعنى أدق، هي أدنى أخلاقيا، وأعلى حزبيا، حين يشتد أثر هذا الرمز الصاعد، تشتد الضربات، وتبرز التهم في ثلاثة اتجاهات رئيسية، الأول: الاتهام في الدين والعقيدة، فبسبب أفكاره المخالفة للسائد، يُنظر إلى أقرب اتجاه يمكن أن يُنسب إليه، فتُلصق به التهمة، ويتم تكرارها، وتنجح هذه التهمة في المجتمعات المتدينة، خصوصا تلك التي تعاني من أزمة عنصرية وطائفية، والعجيب أن من يُطلق هذه التُهم الطائفية والعنصرية، يفعل ذلك دون تبيّن، لكنه يؤثر الظن هنا على اليقين لأجل مصلحة أكبر، وهي التخلص من شر هذا الرمز الجديد، والتي هي في حقيقتها مصلحة حزبية خالصة.

الاتجاه الثاني: الاتهام في الأخلاق والسلوكيات، وهي لا تقل دناءة ولا تأثيرا عن سابقتها، فحين يكون الرمز القادم دينيا أو سياسيا أو اقتصاديا، أو ناشطا حقوقيا، قد يكون من السهل تلفيق تهمة له، من خلال إشاعة أو قصة مفبركة، ويتم بالتالي تضخيمها، مع أن هذا الفعل لا علاقة له بالفكرة التي يحملها، لكن النقد الفكري هنا غائب تماما، أمام المعركة الحزبية.

الاتجاه الثالث: التخوين الوطني أو الديني،كتهمة الاتصال بجهات أجنبية، وتلقي الدعم منها، بل تصل التهمة إلى تلقي الأوامر، وتدبيرالمؤامرات، وهي تهمة سهلة التلفيق، لأن عقلية المؤامرة تحتاج إلى خيال سينمائي، للربط بين الأشياء بشكل ذكي، فينتج سيناريو من التآمر والتنسيق بين جهات مختلفة.

هدف هذه التهم (شيطنة) الآخر، وربما تنجح أو تفشل، وهذا مرهون بوعي المجتمع وقدرته على الاستقلالية والتفكير بعقلانية، وبقدر ترقي المجتمع في الوعي والتفكير، وفي منظومته الأخلاقية، وفي تقدير قيمة الإنسان، يتم رفض هذه الصراعات الحزبية.

———–
نقلاً عن صحيفة اليوم 

-- د.مصطفى الحسن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*