الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

أناخ الركاب

كل شيء قد يستغني عنه الإنسان ولو في وقت من الأوقات إلا الإيمان والعبودية ، وقد ذكر بعض المؤرخين أنه رأى مجتمعات كثيرة ومدنا لا أسوار لها وأخرى لا جيوش لها وأخرى لا دولة لها ، لكنه لم ير شعبا ولا مدينة لا عبادة ولا دين لها ، أو شيئا نحو هذا المعنى . إنه الشيء الوحيد الذي يذوب أمامه كل شيء ويصير عنده كل غال رخيصا ، وعند المساومة عليه يجود البخيل بأنفس ما عنده ، ولو كانت مهجته !
يجودُ بالنفسِ إذ ضنَّ الجوادُ بها والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ
والسبب في ذلك أن كل شيء قد يهتز من مكانته وقيمته ، إلا الإيمان فهو الشيء الثابت الذي لا ينتقل من مكانه ولو سُيِّرت الجبال ، إن الإيمان نتيجة أخيرة لا يوجد في القلب إلا بعد أن تسبقه كل القناعات التي تهيئ وتوطد له ، فيفد أولا إلى القلب العلم والمعرفة والرضا والحب والطمأنينة ، ثم يضع الإيمان رحاله في القلب ليصير جزءا لا يتجزأ من الإنسان.
ولهذا ليس مقبولا أبدا التنازل عن شيء من مسلمات الدين والإيمان ، وكان هذا أحد أهم أسباب انهيار الديانتين اليهودية والنصرانية ، كما قال القرآن الكريم (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) وقال سبحانه (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ).
إن الإسلام عقيدة ورسالة ، شريعة ومنهاج ، اجتبانا الله لنكون من أهلها ودعاتها ، ندعو الناس إلى أخلاقياتها وتعاليمها , فإذا تنازلنا عن مبادئنا وأخلاقياتنا عند أول امتحان فإلى ماذا ندعو الناس ؟! وما هو الدين الذي نفاخر به وبتعاليمه وبالتفاني في سبيله ، ونحن كل يوم نتنازل عن شيء منه ؟
إن الدين هو المهيمن والحكم على أذواق الناس وتحسيناتهم وتقبيحاتهم ، وهو الموجه والقائد للبشرية ، وغبنٌ كبير بنا وبرسالتنا أن نجعلها خاضعة لرغبات غيرنا نرفع منه ما يستحسنونه ونئد منه ما يشمئزون منه.
وشيء طبيعي ألا يرضى الكافرون بديننا أو بشيء منه ، ويستقبحون كثيرا من تعاليمه ، فهذه عادة من لم يرض عن أي شيء ، والله يقول ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) .
فمتى ثبت الإيمان بأن ديننا هو الدين الحق المنزل من رب العالمين ، وهو إرادة الله وشرعه الذي ارتضاه لعباده فلا مجال لرفض شيء من تعاليمه ، ولا التنازل عن شيء من منهجه ، ولو لم يرض الكافرون ، أو حار فيه العقل ، فالكل يدرك حكمته ، حيث يبني العقل على المسلم الأصل ، كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه حين قيل له : هل لك في صاحبك ؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ، ثم رجع في ليلته . فقال أبو بكر رضي الله عنه : إن كان قاله فقد صدق ، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا ، نصدقه على خبر السماء .
وهذا هو التسليم التام لدين الله ، الذي لا يستقيم الإيمان إلا به (ويسلموا تسليما ) فإذا أيقنت أن الإسلام هو دين الله ورسالته الخاتمة التي نسخت جميع الشرائع والأديان ، فكل ما جاء به القرآن والوحي على لسان رسول رب العالمين فلا سبيل لرده إلا من عاق لله ومتحد له.
وبهذا اليقين يزول الحرج مما قد يراه بعض الناس حرجا ، كمسألة انتشار الإسلام بالسيف ، إذ تحسس الكثيرون من الإقرار بذلك ! والحق أنه لا حساسية من هذا ، تعالوا بنا ننظر في رسالة محمد أهي حق أم لا ؟ أهو نبي أم لا ؟ فإذا كانت حقا ورسالة من الله فلا يجوز أن نجد أدنى حرج من أن نصرح ونقول : نعم إن محمدا ولو في بعض الأحيان نشر دينه بالسيف ، لأنه دين الله الذي يملك الملك، وهو الذي أمره بذلك لكونه نبيا مختارا من السماء ، إنها إرادة الله ، وليست إرادة أحد سواه . ويستقبح كثير من الغرب حكم الردة في الإسلام ، ويعتبرونه قهرا وديكتاتورية ، ويتمحل بعض دعاة الإسلام لتبرئة الإسلام من هذه الشناعة ويكاد ينكر حكم الردة المتفق عليه بين علماء المسلمين ، حتى لا يشمئز الغرب من الإسلام ، وهذا هو الحال في كثير من الأحكام الدينية ، كميراث الأنثى ، وقوامة الرجل ، وغيرها مما جاء في الشريعة ، ولو كان النقاش في الأصل الذي هو الإيمان لانقطع النزاع في التفاصيل ، إذن فلندع الناس إلى الإيمان ولنتحاور معهم في أصول الدين لا في فروعه التي لا تنتهي ، وبهذا نريح أنفسنا من عناء طول الجدال ، وكثرة النقاشات التي مبناها على أول أركان الدين . وفي الحديبية وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر ، أليس برسول الله ؟ قال : بلى . قال : أو لسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى . قال أو ليسوا بالمشركين ! . قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ! . قال أبو بكر : يا عمر الزم غرزه – أمره – فإني أشهد أنه رسول الله . قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله ! .
فمن رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، أناخ ركاب فكره في حياض الدين ، واطمأن قلبه ، ونطق لسانه (آمنا به ، كل من عند ربنا ).
———–
نقلاً عن الرياض

-- الشيخ عادل الكلباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*