الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » افتحوا باب الذرائع ولاتسدوها.. حتى لايؤتى الإسلام من قبلنا

افتحوا باب الذرائع ولاتسدوها.. حتى لايؤتى الإسلام من قبلنا

لا يوجد مجتمع معصوم ابتداء من عصر النبوة وعصور السلف إلى عصور الخلف، ويستحيل أن يكون المجتمع فاضلا برمته، فهناك في عهده صلى الله عليه وسلم من اقترف الزنا ومن سرق ومن غل ومن شرب الخمر ومن أحب أن تشيع الفاحشة في 

الذين آمنوا، وعالج كل هذا بأبي هو وأمي من خلال منهج رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. 

ومن ينعم النظر ويمعن الفكر في عصور الراشدين وبني أمية وبني العباس ومن تبعهم يقف على أن هذه المجتمعات الإسلامية اعتورها ما اعتور المجتمعات الإنسانية من وجود للخير والشر والحسنة والسيئة على السواء ومع ذلك استطاع العلماء الربانيين أن يرصدوا ذلك بطرق شرعية دون مبالغة ولم يهدموا البيت من أجل وجود شرخ بسيط في جدار غرفة من غرفه الكثيرة، نجحوا في تجاوز الأزمات وأنقذوا سفينتهم بمن فيها من صالح وطالح إلى بر الأمان. 

وفي هذه المرحلة الجديدة التي يعيشها العالم والتطور المذهل للبشرية واطلاع الناس على تفاصيل حياة الآخرين وانتشار المنظمات الحقوقية يجب أن يفتح الفقهاء باب الذرائع الذي كان مسدودا في القضايا الاجتهادية والحياتية التي لم يرد في تحريمها نص قطعي الثبوت فالمجتمع لم يعد مغلقا كما سبق، وعليهم ديانة وتقوى وورعا أن يوازنوا بين المفسدة والمصلحة بموضوعية بعد انفتاح المجتمعات على بعضها حتى لا يؤتى الإسلام من قبلنا، وحتى لا ينفر أبناء الإسلام من هويته.. 

الإسلام ليس متهما حتى ندافع عنه وحاشاه أن يكون في موقف ضعف وعلينا أن نتهم فهمنا واستنباطاتنا إذا ما عجزنا عن بيان سماحته. 

الإسلام ليس مقصورا على قبيلة أو منطقة أو فئة أو دولة أو حزب أو منظمة أو جماعة حتى تملي نظرياتها وأهدافها الحزبية وعقدها الاجتماعية والتاريخية فتجد أحدهم مفتونا إلى هذه اللحظة بتصنيف ممن لا يتفق معهم بالإرجاء لأنهم لم يكفروا السلطان ولم ينتهجوا منهج الخوارج، وتجد ذاك مفتونا بالتكفير والحكم على نوايا المسلمين بالفساد والمداهنة في صورة لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة، وآخرون ملأوا حياة الناس بالتحريم وربما كان هدفهم أن يقرف المجتمع من حياته ومن حكومته حتى حرموا الأسواق ومعارض الكتب وتوسعوا في التضييق على المرأة والشباب وطلبوا هدم المسجد الحرام بحجة أن الطواف لا يخلو من الاختلاط وكلها كان الأولى فيها أن يعزز مفهوم الخير والمعروف وما كان من أخطاء فتعالج بالطرق الشرعية التي أقرها الإسلام من غض البصر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعاء السوق واستحضار مراقبة الله ثم مراقبة الناس، فيتم إرشاد المخالف بالرحمة واللين ومحاولة بيان خطورة الذنب لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه، وليس بالشدة والضرب والسجن والرفس واللكم وأصبح الواقع مملوءا بالاحتقان والمواجهة والسوء وكأنه يريد من هؤلاء الناس على اختلاف مشاربهم أن يكونوا مجتمعا ملائكيا خاليا من الذنوب والمعاصي، وهذا مستحيل لا يتفق مع طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها وفي الحديث :”والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”.. 

إن إفساد الحياة الدنيوية بتحريم كل شيء دونما دليل أو بحجة التوسع في سد الذرائع وتجاهلا لقوله تعالى: وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ، وقُولُ الرسول صلى الله عليه وسلم : لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. 

أي: لا تنس نصيبك مما أباح الله لك فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقا، ونهي عن التنطع حتى قال صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون، أي: الذين يكلفون أنفسهم ومجتمعهم بالأعمال الشاقة كصوم الدهر وإحياء الليل كله واعتزال النساء والقياس عليها متسع فيما استحدث فيما بعد، وقد نهى الإسلام عن الكهنوتية والرهبانية والمبالغة والغلو في العبادة وغيرها مما يقيد حياة الناس بالحرام دونما دليل قطعي يؤدي ببعض الجهال وصغار العقول إلى أن يبحثوا عن مساحات أرحب فيما يعتقدونه في عالم الحرية ولو بالكفر أو الانسلاخ من هوية هذه الأمة نسأل الله السلامة لينتشر في مقابل ذلك ظاهرة التكفير فيتوحش الناس بلا مسوغ من خلال الخطأ والغلو في تطبيقات قاعدة سد الذرائع على الحياة الدنيا والمبالغة بفرض مزيد من تحريم المباحات بحجة الغيرة والميل للأحوط لأن ذلك أخطر من الحرام الذي يخشى منه أن يؤدي إلى حرام، وقد يصل إلى مرض نفسي وهاجس فسيولوجي و رهاب اجتماعي يستحضره المفتون في كل قضية تحتاج إلى فصل وتنظيم لحياة البشر في عصور العلم والمعرفة كالذين يحرمون زراعة العنب خشية أن تعصر خمرا، وهم الذين قصدهم القرافي في قوله:” قال القرافي (كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط 8-90): “ومنها (سد الذرائع) ما هو ملغي إجماعاً؛ كزراعة العنب؛ فإنها لا تُمنع خشية الخمر، وإن كان وسيلة إلى الحرام”.. 

لقد أجمع العلماء على أن الذريعة التي يجب أن تُسدّ هي الخطوة القريبة التي تفضي إلى المنكر يقيناً أو في غلبة الظن، وأما إذا كانت الذرائع ضعيفة والتهمة بعيدة فلا ينبغي أن تُعمل فيها القاعدة فتُسدَّ؛ لأن العبرة بالغالب، وهي في الغالب لا تُفضي إلى المنكر، فمنعها ضربٌ من التضييق، وإفراطٌ في إعمال (سدّ الذرائع) وإفساد لحياة الناس. 

وكذلك حينما يكون تطبيق القاعدة أصلا يفضي إلى حرام كقيادة المرأة للسيارة فهناك من يحرمها سدا للذريعة وهناك من يحللها أيضا سدا للذريعة، فالأول يرى أن خلوتها في السيارة مضنة فتنة وجرأة عليها والآخر يرى أن حاجتها للسائق الأجنبي وخلوه بها في البيت والسيارة أخطر بكثير من قيادتها بنفسها، ويبقى الحكم هنا للعقلاء الذين يعرفون جيدا تقييم المصالح والمفاسد، فلو انتشر مثلا أن الخدم والسائقين يغتصبون النساء في المنازل والسيارات ويتحرشون بالأطفال ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وأصبح ذلك ظاهرة وتعطلت وسائل الحياة فانقطع الناس عن أعمالهم وأسواقهم وحاجاتهم فالذريعة تقتضي أن تجد الأمة حلا ولو بتحريم جلب الخدم للبيوت والسماح للمرأة بالقيادة بشروط معينة فما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة (يُنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 22-298، وزاد المعاد 2-242، إعلام الموقعين 2-142) وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى 23-186): “ثم إن ما نهى عنه لسدّ الذريعة يُباح للمصلحة الراجحة كما يُباح النظر إلى المخطوبة.. فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفضي إلى المفسدة، فإذا كان مقتضيا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضياً إلى المفسدة”. 

وقال في موضع آخر (23-214): “ما كان من باب سدّ الذريعة إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه، وأما مع الحاجة للمصلحة التي لا تحصل إلا به وقد ينهى عنه؛ ولهذا يُفرق في العقود بين الحيل وسدّ الذرائع: فالمحتال يقصد المحرم، فهذا ينهى عنه. 

وأما الذريعة فصاحبها لا يقصد المحرم؛ لكن إذا لم يحتج إليها نُهي عنها، وأما مع الحاجة فلا “. 

إن هذه المسائل المبنية على التحريم المؤقت حيث توافرت المفسدة في المنع ليست أبدية ولا قطعية فما كان حراما في زمن قد يكون حلالا في زمن آخر ما لم يرد نص قطعي الثبوت فيه، ولابد أن يستحضر في أن المنع أو التحريم يراعي مصلحة الأغلبية لا مصلحة فئة محدودة قد تتضرر جزئياً من المنع وإن كان هناك من يسد الذرائع للمفاسد فهناك من يفتحها للمصالح سواء بسواء ؛ قال القرافي، في شرح تنقيح الفصول ص449: “اعلم أن الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها، ويُكره، ويُندب، ويُباح…”.، ويقول ابن عاشور ـ مقاصد الشريعة ص369: “إن الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها”. 

والأخطر من هذا كله التضييق على الناس بتحريم ما حلله الله جل وعلا من الأشياء المفيدة والحسنة دون سبب وجيه سوى انحراف الفكر عن شرع الله وسيطرة الشر والهوى والعقد الاجتماعية حتى تعدوا على حقوق الله في التحريم قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}، ومن رحمته بخلقه جعل الحرام في دائرة ضيقة وجعل الأصل في الأشياء الحل تحت قاعدة أن: “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم”، ولذلك لا يحق لمخلوق كائنا من كان أن يتطاول على التحريم بمزاجه، وعليه الدليل، ولكن الحال والواقع هذا اليوم أوصلنا إلى أن نطلب دليلا على كل مباح وكأن الأصل في الأشياء التحريم التي لا تحتاج إلى دليل خلافا للإسلام وسماحته وقد صرح القرآن بذلك في قوله تعالى: “وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم” وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته: “ويحرم عليهم الخبائث” (الأعراف 157)، كما بين القرآن أن الحلال هو الطيب كما في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}المائدة4 . 

إن هذا الباب العظيم أعطى مساحة لبيان سماحة الإسلام الذي يصلح لكل زمان ومكان ولذلك كان الأخذ بمبدأ سدّ الذرائع المؤدية إلى المفاسد متفق عليه, والمالكية أكثر المذاهب أخذاً بسدّ الذرائع, والشافعية أقل المذاهب أخذاً بسدّ الذرائع. 

ولا نريد أن نصل إلى ما وصل إليه الإمام ابن حزم حين أنكر سدّ الذرائع وكان إنكاره تأسيساً على أنه يقول أن لا صلة للشريعة بالمصالح والمفاسد, وينكر مقاصد الشريعة مطلقاً وينكر التعليل والقياس, ورد عليه العلماء بردود ليس هذا المقام مقام التفصيل فيها. 

والله من وراء القصد 

abnthani@hotmail.com

—————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبدالله بن ثاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*