الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

العدل في النقد

هذا الجانب من جوانب العدل نحتاج إليه في كل حال من أحوالنا الفردية والجماعية ، وذلك في حل مشاكلنا ومعالجة أخطائنا معالجة شرعية تسيطر عليها روح المحبة والإخلاص. ويجدر بنا أن نذكر هنا المنهج العادل والطريقة المثالية لمعالجة الخطأ ، وذلك حسبما رسمه لنا من أمرنا الله -عز وجل- ، بأن تكون لنا أسوة حسنة فيه – رسول الله صلى الله عليه وسلم- ، وما أكثر المواقف العادلة في سيرته – عليه الصلاة والسلام – ، بل إنَّ سيرته -صلى الله عليه وسلم- كلها عدل ، ونكتفي هنا بمثال واحد: ألا وهو موقفه -صلى الله عليه وسلم- من صنيع حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- في فتح مكة ، ويحسن أن نذكر القصة بتمامها ، ليتضح لنا ذلك القسطاس المستقيم الذي انتهجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في معالجة هذا الخطأ ، رغم شناعته وخطورته:

روى الإمام البخاري -رحمه الله- في “صحيحه” ، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: »بعثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبا مرثد والزبير -وكلنا فارس- ، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين ، فأدركناها تسير على بعير لها ، حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلنا: الكتاب؟. فقالت: ما معنا من كتاب ، فأنخناها ، فالتمسنا فلم نر كتاباً ، فقلنا: ما كذب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؛ لتخرجن الكتاب ،أو لنجردنك ، فلما رأت الجد ، أهوت إلى حجزتها – وهى محتجزة بكساء – فأخرجته ، فانطلقنا بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عمر:يا رسول الله ؛ قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي – صلى الله عليه وسلم-:ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي ، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: صدق ، ولا تقولوا إلا خيراً. فقال عمر: إنه قد خان الله والمؤمنين ، فدعني فلأضرب عنقه ، فقال: أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة-أو:فقد غفرت لكم ، فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم« ا هـ .

من هذه الحادثة نستطيع أن نحدد ثلاث مراحل للمعالجة العادلة للخطأ ، مهما كانت ضخامته.

1-المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ ، وفي هذه الحادثة قد تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ، ألا وهو الوحي ، حيث أوحى الله -عز وجل- إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة ، وأين هي المرأة.

2-المرحلة الثانية: مرحلة تبيُّن الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ ، وهذا الأمر متمثل في قوله صلى الله عليه وسلم لحاطب:(ما حملك على ما صنعت؟) ، وهذه المرحلة مهمة ، لأنه قد يتبين بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذراً شرعياً في ارتكاب الخطأ ، وتنتهي القضية عند هذا الحد ، فإذ لم تنته عند هذا الحد مثلما ظهر في قضية حاطب ، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مقنعاً ، ولكنه طمأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدق حاطب وأنه لازال مسلماً ، نقول: إذا لم يكن العذر مقنعاً من الناحية الشرعية فإنه يصار إلى:

3-المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطأ ، وحشدها إلى جانب خطئه ، فقد ينغمر هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته ، وهذا هو الذي سلكه الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع حاطب -رضي الله عنه- ، حيث قال -صلى الله عليه وسلم- لعمر عندما استأذن في قتل حاطب: «أليس من أهل بدر»؟ فقال: «لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة-أو: غفرت لكم -».وقد ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- كلاماً جيداً حول هذا الموضوع ،حيث قال في رده على من قال: إن الله يعافي الجهال مالا يعافي العلماء؟:

“فالجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق لا ريبة فيه ، ولكن من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت ، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر ، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل من غيره ، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره ، فإن المعصية خبث ، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث ، ومن هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه شهد بدراً ، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم ، لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرةً في جنب ما له من الحسنات. ولما حض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدقة، فأخرج عثمان -رضي الله عنه- تلك الصدقة العظيمة ، قال:(ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعدها) ، وقال لطلحة لما تطأطأ للنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: (أوجب طلحة) . وهذا موسى كليم الرحمن -عز وجل- ألقى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه له ، ألقاها على الأرض حتى تكسرت ، ولطم عين ملك الموت ففقأها ، وعاتب ربه ليلة الإسراء في النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ وقال: شاب بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي؟ ، وأخذ بلحية هارون وجره إليه وهو نبي الله ، وكل هذا لم ينقص من قدره شيئاً عند ربه ، وربه تعالى يكرمه ويحبه ، فإن الأمر الذي قام به موسى ، والعدو الذي برز له، والصبر الذي صبره ، والأذى الذي أوذي به في الله أمر لا تؤثر فيه أمثال هذه الأمور ، ولا تغير في وجهه،ولا تخفي منزلته ، وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أنه من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها ، حتى إنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب داعي الشكر داعي العقوبة ،كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ************جاءت محاسنه بألف شفيع

وقال آخر:

فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ********* فأفعاله اللائي سررن كثير

والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته ، فأيهما غلب كان التأثير له ، فيفعل بأهل الحسنات الذين آثروا محابه ومراضيه ، وغلبتهم دواعي طبعهم أحياناً من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم) ا هـ.

خلاصة ما سبق حول هذا اللازم:

أن العدل في القول والفعل ، ومعالجة الأخطاء لو سلكنا فيها ذلك المسلك النبوي السابق تفصيله لما وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه اليوم من كيل التهم ، والتشهير ، وتتبع العثرات ، والذي لا يستفيد منه إلا الشيطان وأولياؤه ، ولا يفرح الشيطان بشيء كفرحه بالفرقة والاختلاف بين المسلمين ، فقد روى الإمام مسلم- رحمه الله- في “صحيحه” عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، فيجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا؟ فيقول: ما صنعتَ شيئاً ، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ، قال: فيدنيه منه ويقول:نعم أنت» .. قال الأعمش: أراه قال:« يلتزمه» ،. . فإذا كان فرح الشيطان بالفرقة بين الزوجين بهذه الدرجة فكيف يكون فرحه بالفرقة بين دعاة المسلمين؟ ولو أن أحدنا إذا سمع شائعة عن مسلم أو طائفة ما قام بالتثبت منها ، فإنه يصبح أمام أحد أمرين: إما أن تكون الشائعة لا أصل لها ، وأنها مجرد ظنون وأوهام كاذبة ، فيقضى عليها في مهدها ؛ وإما أن يكون الأمر صحيحاً بعد التثبت ، فيصار إلى المرحلة الأخرى ، ألا وهي: البحث عن الأسباب والدوافع التي أدت إلى وجود هذا الخطأ ، إما من صاحب الشأن ، إن كان ذلك ممكناً ، أو سؤال من يعرفه ، أو من التمعن فيما كتبه ، إن كان ذلك مكتوباً…الخ.

وهذا هو مراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما قال لحاطب: (ما حملك على ما صنعت؟) ،وإذا اتضح الدافع المؤدي إلى وجود هذا الخطأ وكان مقنعاً من الناحية الشرعية ، فإن الأمر ينتهي عند ذلك.. وإن لم يكن مقنعاً فإنه يصار إلى المرحلة الثالثة ، ألا وهي النظر إلى حسنات هذا الشخص وبلائه وجهاده ، لعل له حسنات عظيمة ينغمر فيها هذا الخطأ ويصبح ضئيلاً في الوقت الذي يسعى لتعديل الخطأ والمناصحة فيه بمحبة وإخلاص وحكمة.

ولعله قد تبين لنا الآن من الحديث حول هذا اللازم المهم من لوازم العدل ، وتبين لنا الفرق بين العدل في القول والعمل ، وأثر ذلك في النصيحة والإصلاح والائتلاف ، وبين الاعتداء في القول والعمل ، وما ينتج عنه من تشهير وفرقة واختلاف ، وذلك في وقت نحن معاشر أهل السنة والجماعة بحاجة شديدة إلى الوحدة والائتلاف لا إلى الفرقة والاختلاف.

————–

نقلاً عن موقع شبكة المشكأة 

* إمام وخطيب المجمع الإسلامي بالجريف غرب

-- *الشيخ د.محمد عبد الكريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*