الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » شبكات تواصل أم صراع اجتماعي؟!

شبكات تواصل أم صراع اجتماعي؟!

لا أمتلك وقتًا كافيًا للتجوال في شبكات التواصل الاجتماعي الإلكتروني، وفي الشهور الأخيرة زهدت هذا التجوال وعافاه عقلي، وهذا حال الكثيرين بعد أن تحول التواصل إلى دهاليز من الفوضى والإساءات والتضليل والتشويه لأشخاص وأوطان وقيم ومبادئ، والخوض بغير علم أو رأي جاد في كل شيء من الدين إلى السياسة والثورات واتهامات وتحريض إلى خوض في الأعراض.. والغريب أن كل يدعي الحقيقة؛ وإن كانت منقوصة أو انطباعًا، وأن ما يقوله هو الصواب بعينه دون سواه، وأن رأي غيره خطأ لا يحتمل أدنى صواب!

في ظل هذا الواقع الفوضوي لـ (الإعلام الجديد) لوحظ تزايد الانزعاج من اتساع وتيرة الفتن ومعارك كلامية تغيب فيها الكلمة المسؤولة والرأي الصواب حتى بين مثقفين إلا ما رحم ربي، أما العامة فحدث ولا حرج ممن تعجبهم أقوالهم وصورهم في فضاء الشبكة العنكبوتية وكأنها إنجاز عظيم حتى وان كانت إساءات وافتراءات، ونسوا أن كل كلمة سنحاسب عليها إما لنا أو علينا.

وإذا كانت وسائل الإعلام التقليدية قد ازداد تأثيرها في عصر العولمة وخطورة دورها تجاه المتغيرات المتسارعة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فإن الإعلام الجديد المتمثل في شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت عامة، اختلط فيها الحابل بالنابل، بعد أن أصبحت إدمانًا وإهدارًا للوقت وضياعًا للمنافع المرجوة منها، وانتشار أضرار صحية في العيون والعمود الفقري، ناهيك عن الخمول والكسل، ونخشى يومًا يتحوّل فيه بعض أفراد المجتمع إلى أهل الكهف، كما أصاب بعض الأسر ما أصابها من تراجع التربية وتركتها (تسليم مفتاح) للإنترنت، وفتور المشاعر وضعف الروابط الأسرية وتلاشي العادات الجميلة، واستجدت مشكلات ومسببات للشقاق والطلاق بسبب ما يعرف بالخيانات الإلكترونية الافتراضية.

ما يؤسف له حقًا هو تدني لغة الخطاب وقيم الحوار وقيمته على شبكات التواصل من عنف الكلمة وانفلاتها من عقالها، بدلًا من تعزيز لغة الحوار والتسامح والتسامي، خاصة وأن كثيرًا من المشاركات والتعليقات تأتي بأسماء مستعارة أو غير مكتملة، وكثير من المواقع على الإنترنت وفي مقدماتها شبكات التواصل لا حدود فيها لأي شيء، ولا رقيب ولا حسيب مهما تدنى مستوى الكلمة: واحد يشعلها والثاني يصب عليها بنزين وثالث يفجرها وتدور رحى معارك، وتقرأ ألفاظًا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، من خدش للحياء لا تهتز لقائلها ذرة من ضمير، لشعوره أنه غير معروف وفي مأمن من العقوبة.. فبطولاته هي بقدر إيذاء من يختلف معه.

روى لي أحد الأصدقاء أن ابنه المراهق يعيش غيبوبة نفسية واجتماعية بسبب التصاقه بالكمبيوتر ليل نهار، حتى عندما ينادونه للطعام، فيرد عليهم (دقايق دقايق).. قوم يا ابني إلى المسجد ألم تسمع النداء؟! فيجيب وعينه في الشاشة (إن شاء الله، إن شاء الله).

ويضيف صاحبنا: ذات مرّة سمعت ابني يضحك بصوت مرتفع في غرفته بعد منتصف الليل فظننت أن أصابه مسّ، فتفقدته لأعرف حكايته ووجدته فاتح (اللاب توب)، فقلت (خير إن شاء الله ماذا يضحكك وأنت سهران وعندك مدرسة) فروى ابنه أن مغردًا قال له (اطق وجهك بالعقال) فرد عليه (لو رجال سويها وأنا أسوي وجهك بالأرض)! وهنا قال الأب: طيب قوم للنوم وإلا فالعقال من نصيبك الآن!

هكذا جعلنا من التواصل وفرص الحوار «جدالا وشقاقا»، يستشري فيه الصدام في الرأي، وتغيب روح التسامح مبكرًا بين الشباب، فما بالنا بمثقفين، وكثيرًا ما نقرأ هذه الأيام معارك كلامية تشتعل بين شخصيات معروفة، وكذا بين تيارات استجدت على الساحة وتبادل ألفاظ غير مقبولة تعكس سقوطًا مريعًا.

بقيت القضية الأخطر وهي شرور الفتن التي يطفح بها الفضاء الواسع لشبكات التواصل وإقحام الدين الحنيف في آراء عبثية وإساءات لأوطان، كما بدأ يتردد مصطلح (نشطاء) وآراء لا تقرأ فيها إلا هزوا وافتراءات تثير الضغائن بين أبناء الوطن الواحد، وكذا بين الشعوب وبعضها، وأفكار تدس السم في العسل باسم الحرية في فوضى لا مجال فيها للتمادي والتهاون.. فهل نفيق من السبات؟! 

-- أ. د. إبراهيم إسماعيل كتبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*