الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

روسيا الطائفية

 

ولأن الدبلوماسية كثيرا ما تغطي الوجه الفعلي للساسة، وتجملها بمساحيق تخدع المراقبين الذين لا يرون الحقيقة كما هي، فقد أزاح وزير الخارجية الروسي أخيرا الغمام عن موقف بلاده الحقيقي من الثورة السورية، ليعلنها على رؤوس الأشهاد، وينهي عاما كاملا من الغموض بشأن اللامنطق في التعاطي مع هذه الأزمة. فالدب الروسي لم يستح وهو يصرح بأن الطائفية هي المحرك الرئيس للموقف غير المسبوق في التحالف مع نظام الأسد، فهدفه الأسمى هو الحفاظ على نظام علوي وعدم وصول نظام سني، حتى لو كان ثمن الموقف الطائفي، مقتل أكثر من عشرة آلاف سوري حتى الآن، وربما ضعفهم في قادم الأيام. بالتأكيد لا يمكن أن ينسى سيرغي لافروف ما فعلته موسكو من قمع للأقليات الدينية في الشيشان والقوقاز، وقتلها وتشريدها مئات الألوف خلال عقود، ثم يأتي ليحاضر عن مخاوفه على الأقليات في سورية.

وفقا للمنطق الروسي، فلنتساءل هنا: لماذا كان حلالا على العراق أن يستبدل نظامه السني بآخر شيعي، باسم الديمقراطية وإزاحة الطاغية، بينما يحرم على السوريين أن يفعلوها بالمبدأ ذاته؟ فالبلدان يشتركان في أنهما جمهوريتان يدّعيان الديمقراطية ويحكمهما نظام بعثي، مع التذكير بأن أغلبية السوريين لم يتطرقوا أو يحددوا أصلا نموذج الحكم القادم في مرحلة ما بعد الأسد، وما إذا كان سنيا أو علويا أو حتى مسيحيا، وحده لافروف حمّل السوريين ما ليس من ضمن أدبيات ثورتهم منذ انطلاقتها حتى الآن.

المفاجأة الروسية غير الدبلوماسية قد تفتح الباب على مصراعيه للحديث بشكل أكثر صراحة عن موقف المجتمع الدولي المخزي من الثورة السورية، فبعد أن صمت العالم عن الدعم الإيراني المباشر لقمع الثورة، ها هم الروس يعلنونها بشكل فاضح أنهم مع استمرار المذابح في سورية، طالما أن الغاية هي بقاء النظام العلوي على سدة الحكم، عوضا أن يتولى السنة ذلك. هل شرح أحد للسيد لافروف أنه ليس ذنب الشعب السوري أن نحو 80 في المائة منهم من الطائفة السنية، وهل شرح أحد للسيد لافروف أن تاريخ سورية كان بعيدا عن التمذهب الطائفي إلا في حضرة نظام الأسد، وهل بعد انتهاء خرافة ”القاعدة” جاء الدور على التخويف من الأغلبية السنية، أم أن حديث الوزير الروسي يدور في فلك السيدة بثينة شعبان التي ادعت إبان اندلاع شرارة التظاهرات في درعا، أن ما يحصل هو ”محاولة لإثارة الفتنة الطائفية”، فمن الذي يفتعل هذه الفتنة الآن، الشعب السوري أم التحالف الأسدي الروسي الإيراني؟

كم هو معيب جدا أن تنزلق دولة تدعي أنها عظمى لتأصيل النفس الطائفي في الثورة السورية، كيف ستواجه موسكو العالم الإسلامي، بسنته وشيعته، وهي تصرح أن مواقفها تقوم على البُعد الطائفي لا غير، ألا تعلم موسكو أن كثيرا من الشيعة هم ذاتهم ضد النظام العلوي، بعد أن فاحت رائحة القمع والقتل حدود العقل والمنطق؟

ربما تكون هذه سابقة في عصر الدول الكبرى أن تنحاز دولة ما لطائفة ضد أخرى. من يدري ربما اختارت روسيا أن تكون دولة كبرى وطائفية أيضاً!

 

-- سلمان الدوسري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*