الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

البنيان المرصوص

عديدة هي سمات البنيان المرصوص، فالقوة والمتانة، والثبات والتلاحم، والترابط والانسجام، صفات تدل على التوافق والصلابة والقوة، والبنيان الذي هذه صفاته يستحيل اختراقه وهدمه، أو زعزعة أي جزء من أركانه؛ لأنه نسيج واحد، جسد واحد، كل متكامل متعاون متعاضد مترابط، يشد بعضه بعضاً، في أجواء مفعمة بالتواد والتراحم، جسد واحد، كل جزء فيه يشعر بما يحيط بالجسد كله، يتداعى له في السراء والضراء، يسهر لراحته، ويتألم لآلامه، يتلمس بكل صدق وحب حاجاته ومتطلباته، يسعى مخلصاً صادقاً لتوفيرها، وتذليل العقبات مهما كان تعقيدها أمام تحقيق الأهداف والغايات، الرؤية واحدة، والهدف واحد، هذه سمات البنيان المرصوص وهذه صفاته، هذه روحه، وهذا معدنه. 

هذه السمات الجليلة، والصفات النبيلة عندما تتجسد في مجتمع ما من المجتمعات فإنها تدل على خيرية هذا المجتمع، وعلى سلامة نسيجه الاجتماعي، وعلى متانة علاقات أفراده ببعض، مجتمع لا يخشى إلا الله، الكل يشعر فيه بأمان داخلي، وسلام خارجي، الطمأنينة فيه تجلل النفوس، والسكينة تعمر القلوب، ألفة وائتلاف، محبة ورحمة، تواد وتراحم. 

هذه مقومات المنعة والقوة، المنعة من الاختراق، والقوة في الصمود، وبهذا يستعصي المجتمع على أي دعاوى مهما كانت مسوغاتها، يستعصي على أي قوة مهما كانت سطوتها، على هامة هذا المجتمع تتحطم كل محاولات العبث وإثارة الفتن والقلاقل، كل المكائد والدسائس، بهذا يبقى المجتمع شامخاً بعزة، صامداً بفخر، عصياً على الأعداء وعلى المتربصين الذين يتحينون الفرصة للانقضاض والهيمنة والسيطرة. 

ما أعظم قوة البنية المجتمعية عندما تتلاحم وتتوافق، عندما تتحد وتتوحد، عندما يكون ولاؤها واحداً، وانتماؤها واحداً، يحركها وجدان قلب واحد، ترى بعين واحدة، وتتجه وجهة واحدة، تسير صفاً واحداً، بنية هذه صفتها، يستحيل التغلب عليها وغلبتها، يستحيل شق صفها، والعبث بوحدتها ومقدراتها، تظل رافعة الرأس أبداً، شامخة الهامة دائماً، لا تخشى إلا الله، لا تنحني لعاصفة، ولا تطأطئ لطاغية، وحق لها ذلك؛ لأنها تستمد ذلك كله من وحدتها وتوحدها، من إيمانها بوحدة مصيرها، ونبل غاياتها وأهدافها، من قناعتها بصواب موقفها مما هي عليه، وتتجه إليه. 

هذه القوة ناعمة، لكنها أقوى من كل القوى الخشنة، أقوى من السلاح، وأقوى من كل وسائل الفتك والقتل والتدمير، هي قوة ناعمة، نعم، لكنها رغم نعومتها صلدة صلبة، عزيمتها لا تلين، إرادتها لا تقهر ولا تهزم، إصرارها دائماً يغلب، والخبرة البشرية على مر العصور مليئة بالشواهد التي تؤكد قدرة هذه القوة على المواجهة والتصدي، وبالتالي الغلبة والانتصار. 

لقد أثبتت الأحداث في مختلف الأمكنة والأزمنة – وأخص بالذكر الأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض البلدان العربية وغيرها، لكونها حية في الذاكرة والوجدان – أن القوة الخشنة أجبن وأضعف، أجبن عند المواجهة؛ لأنها تفتقد مسوغات الثبات والتصدي، وأضعف في التأثير؛ لأنها تفتقر إلى منطق الحق والإقناع؛ وبالتالي عبث الركون إليها، وهدر الإنفاق عليها، وخطل الثقة بها. 

لهذا لا بد من البحث عن المصادر الحقة للثبات والقوة، ومخزون الخبرة البشرية يقول: إن البحث لا يحتاج إلى مزيد جهد وعناء؛ فالمصادر الحقة في الثبات والقوة واضحة المعالم، بينة الدلائل، سهل الوصول إليها، كل ما يتطلبه الأمر هو مد جسور التواصل مع البنى المجتمعية، والقرب منها، والالتفاتة الصادقة إلى حاجاتها ومتطلباتها، والاهتمام بشجونها وشؤونها، والإسراع إلى ضمها إلى منظومة صناعة القرار، ومراقبة الحال والأحوال. 

البنية المجتمعية عندما تلتف وتتوحد تأتلف وتتفق، تستطيع أن تقول بملء فيها، وبكل ثقة واقتدار: لا، لأقوى الأقوياء، لا، لأبلغ البلغاء، وعلى هذه الـ (لا) تتكسر كل صور البغي، كل محاولات العبث، كل مغريات الانشقاق والفرقة والفراق. من أجل هذا يجب تعزيز البنية المجتمعة وإيلاؤها ما تستحق من رعاية وعناية واهتمام. 

————–

نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- د. عبد الله المعيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*