الجمعة , 9 ديسمبر 2016

التقوى

قد يفقد إنسان توازنه ويتوارى خلف ظله أو يفقد هذا الظل فيستوي عنده الأمر، لا يدري ما الليل ولا النهار، فهو في عتمة أبدية، لا يراه أحد ولا يرى أحدا.. وقد يكون هذا الأمر محتملا من إنسان فقد الإحساس بقيمة الأشياء من حوله، وفقدته هي أيضا بدورها فلا تكسوه بأي معنى زاهٍ أو شائه أيضا.

بيد أن يقرر الإنسان أن لا يرى أخاه الإنسان فذلك أمر ليس بيده، فقد يجمع الله الشتيتين بعد أن نأت بهما الأيام وتناهت المفاهيم بينهما في اتساع هوة الاختلاف، وجرى ما جرى وحدث ما حدث، فكل هذا لا يغير من حقيقة اليقظة في حس الإنسان نحو خالقه شيئا، بل إنه يزيد هذا الحس شفافية وصفاء كلمة أمعنت القطيعة من جانب الآخر وهو يضمر له الخير كل الخير؟ يشعر أنه يستفيد من موقف القطيعة ذاتها، لأنه ليس سببا فيها ولم يستحث الخطى نحوها لكنها كانت وليدة تعنت الآخر واستكباره.

أما كيف يستفيد فتلك حقيقة الأمر وجوهره.. فالتقوى بلسم لجراح هذه القطيعة وما تجره من آلام في النفس، وهي البديل الحقيقي للتدابر الذي لا يمعن الآخر في التفنن فيه واختراع الأسلوب تلو الأسلوب ليمعن والعذر تلو العذر ليمعن فيها، وليته عرف ما تجر عليه من ويلات!! بل ليته يخشى أن تنطق عليه جوارحه في الدنيا كما في الآخرة شاهدة عليه مقيمة الحجة على افتئاته.

ولعل ما ورد عن الصحابي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حينما شتمه رجل، قال له أبو ذر: « لا تغرق في شتمنا، ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه»..

إن هذا القول المنطبق على فعل صاحبه تنفيذ عملي لوصية النبي صلى الله عليه وسلم حينما أتاه رجل يسأله أن يوصيه فقال له: «لا تغضب» ثلاثا. كما أن الحلم هو سيد الأخلاق، وقد بعث الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه ليتمم مكارم الأخلاق، وهو القائل «التقوى ها هنا» ثلاثا، وأشار إلى القلب. 

————-

نقلاً عن صحيفة عكاظ:

-- عبدالمؤمن القين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*