السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » يا أهل السنّة: اعرفوا الرجال بالحق.. ولا تعرفوا الحق بالرجال

يا أهل السنّة: اعرفوا الرجال بالحق.. ولا تعرفوا الحق بالرجال

أهل السنّة والجماعة لهم موازين قسط يزنون بها الأمور، ويزنون بها الأفكار، ويزنون بها الأحوال، ويزنون بها الروايات المختلفة عند اختلاف الأحوال، قال شيخ الإسلام: “أهل السنّة أعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق”… 

كان شاباً يافعاً في بداية التسعينيات الهجرية متحمساً للمنهج السلفي وكان يصف نفسه بالأثري والسلفي حباً في السنّة وأتباعها وكان يتأبط في زياراته كتاب السنّة وينصح قرناءه الأحداث بسماع أشرطة ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -، وكان يهاجم رموز التيار الحركي آنذاك ويصفهم بالخوارج بحجة أنهم خرجوا بألسنتهم وتفجيراتهم وتقصُّدهم رجال الأمن ووزراء الدولة ونظامه فنالوا من هيبة السلطان وهيّجوا الشباب عليه بخطبهم النارية التي تشهد على تلك المرحلة بتناقضاتها، وكان يصر على إطلاق مصطلح قعدة الخوارج.

وهم كما قال البيهقي الذين عجزوا عن قتال الناس بالسيوف فقعدوا للناس يقاتلونهم بألسنتهم، وقال الإمام أحمد – رحمه الله – وقد سأله أبو داوود تلميذه – الإمام أبي داوود السجيستاني صاحب كتاب السنن، أحد أئمة الكتب الستة والسنن الأربع تلميذ الإمام أحمد -: ماذا تقول في أحمد عن عبد الله بن محمد الضعيف قال: هذا في قعد الخوارج “الذين هم أخبث الخوارج يزينون الخروج ويثورون الناس على الخروج ويهيجون الناس للخروج ثم لا يمارسونه فعلاً.. 

وبعد عشرين سنة ونيف وجدته يدافع عما كان يأنف منه وينتصر لمن سمّاه منهج الخوارج ويصف مرتكبيه بمن يجب أن تحفظ منزلتهم في صورة عجيبة ومتناقضة بين الأمس واليوم، فالخطأ في المنهج الذي ارتضاه طلبة العلم في تلك الفترة والقائم على النصيحة العلنية وارتقاء المنابر والدروس وتهييج الشباب للمواجهات وفتح أبواب الجبهة الداخلية والذي كان يحذّر منه ذلك اليافع من حوله من خطورته أصبح مغتفراً في ذهنيته لبعض الدعاة وطلبة العلم اليوم ممن تصدروا وسائل الإعلام وشتموا البلاد والعباد وتطاولوا على ولي الامر الذي هو ظل الله في الأرض وقادوا فرق الشباب للإنكار العلني والتشابك مع رجال الأمن على الأسوار والمرافق حتى أفسدوا وعمموا الفوضى ونالوا من هيبة الدولة وكذّبوا على السلطان.

والكارثة ليست في تغيّر صاحبنا وإنما الكارثة في الشباب الذين تحلّقوا حوله ويرون بأم أعينهم التناقض في تطبيق أبواب العقيدة التي درسوها على يديه وعلى يد غيره فحاروا واحتاروا فيمن يتبعون وهم كثير ممن اختلط عليهم الأمر لأنهم يقيسون المنهج على الرجال ولا يقيسون الرجال على المنهج وهذا مزلق خطير يجعل المسلم غير موضوعي في التزامه العقدي لأنه قلّد في دينه من هو مثله من الأحياء.

والحي لا يدري بم يختم الله به، فقد يكون اليوم على الهدى والسّة، ويكون غداً على البدعة فيختم له بخاتمة سوء. وإنما المأمون أن يتابع في سيره إلى ربه طريق السلف الصالح: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجهم بإحسان، الذين قد ماتوا، ولم يعد يخشى عليهم من الفتنة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (مَن كانَ مُسْتَنًا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ، أولئك أصحابُ محمد – صلى الله عليه وسلم -، كانوا أفضلَ هذه الأمة: أبرّها قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيِّه، ولإقامة دِينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعُوهم على أثرهم، وتمسَّكوا بما استَطَعْتُم من أخلاقِهم وسيَرِهم، فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم).

والأثر رواه ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله”، وفيه إسناده ضعف، إلا أنه أثر مشهور متداول في مصنفات أهل السنّة، ومعناه صحيح مستقر عندهم. وفي هذا المقام لا يمكن لأهل السنّة في هذا العصر أن ينسوا الإمام الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أيام أزمة الخليج وكيف بهدوئه وعقلانيته وسلامة منهجه استطاع أن يغرس في النفوس الطمأنينة ويجمع الكلمة ويعين ولاة الأمر على أعباء تلك المرحلة الصعبة فنجت الأمة على يديه وعلى يد إخوانه هيئة كبار العلماء آنذاك من فِتنْ كادت تعصف بالكيان وما زالت الأمة على مرور عقدين ونيف تستحضر منهجه في الوقوف أمام الزوابع والأعاصير. 

إن قاعدة الاستدلال بالرجال على الحق والاحتجاج عليك بفعل فلان وفلان قاعدة كارثية في حق المسلمين، والواجب أن يُنظر إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل لا إلى الفكرة، ولا يُنظر إلى فعل أو قول أحد بدون دليل مُعتبر من العلماء مهما كان اعتقادُنا حسناً في علمه وصلاحه، جاعلين نصب أعيننا قول إمام دار الهجرة: “كل أحد يُؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر – صلى الله عليه وسلم -”. 

ومثل هذا نقل عن الأئمة المجتهدين، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم – رحمهم الله تعالى -، ومنه قول الشافعي: “إذا خالف قولي قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فالحجة في قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، واضربوا بقولي عرض الحائط”. وقد وضع فقهاؤنا قاعدة قلبها الناس اليوم على رأسها، ومن حقها أن تقوم على أساسها، فقالوا: (يُعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال).

والكارثة حينما يطيش عقل الرزين في الفتنة فيتخبط كالذي أصابه من الشيطان مس، فيضيع بين ما يريده الشباب المتحمس وما يطلبه المستمعون وبين ما كان عليه السلف الصالح من منهج رباني، ويضيع أتباعه الذين ينظرون إليه وينتظرون منه بياناً ويفتنهم مثلما رانت على قلبه الفتنة بسوادها، قال عليه الصلاة والسلام من حديث حذيفة عند مسلم: (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء.

وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين، قلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، وقلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) وهذا يدل على خطر اتباع الهوى. وقال الحسن البصري – رحمه الله -: العالم يرى الفتنة وهي مقبلة والناس لا يرونها إلا وهي مدبرة. 

وذكر البخاري رحمه الله في صحيحه كتابَ الفتن؛ ابتدأه بقوله: (باب: قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ..}، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذّر من الفتن). قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: “هذه الآية؛ وإن كان المخاطب بها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها عامة لكل مسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من الفتن”. 

وقال الآلوسي أيضاً في “تفسيره” عند هذه الآية فسرت بأشياء: منها: المداهنة في الأمر بالمعرووالنهي عن المنكر على البدع إذا ظهرت. ومنها: أشياء غير ذلك”. وما نلمسه اليوم من تسويغ لبعض المهيجين يدخل في باب المداهنة وكتمان الحق. 

إن حاجة الأمة إلى عالم رباني في هذا الوقت ضرورة حتى يبين للناس السنّة وطرق السلف في التعامل مع الفتن وسبل حفظ الدين والسنّة، ولا شك أن مما زادت به البلوى على أمة الإسلام كثرة طلبة العلم ممن لم يأخذوا نصيبهم من الطلب يقودون مثل هذه الحركية والحزبية وهم يحسبون أنهم على السنّة ويحسنون بالمخالفة صنعاً، لم يجثوا على ركبهم في حِلق الدرس ولم يسندوا ظهورهم على سواري المساجد ولا تعرف لأحدهم شيخاً معتبراً ممن تؤخذ عنه السنّة والحديث، تركوا كل شيء وأصبح غاية همهم مزاحمة السلطان وتفريق الجماعة والفتّ في عضد دولة السنّة والجماعة التي لا يعرف أهل الحق مثيلاً لها في عالم اليوم، لم يسلم منهم بر ولا فاجر على خلاف هدي علماء الإسلام، ولا شك أن هذا الأسلوب المتبع منذ القِدم للترويج للبدعة لم يضر أئمة السنّة فهناك علماء ثابتون قيمون على الحق، ينفون عنه مثلما تنفي النار خبث الحديد ولا أدل على ذلك من سيرة الإمام الزهري – رحمه الله – الذي كان قريباً من بني أمية قرباً جعل المستشرقين ومن حطب في حبالهم من الطائفيين يصفونه بالمداهنة ووضع الحديث لهم. 

وهو الذي لم تعصف به الفتن التي اكتسحت الأمة في تلك الفترة ولم ينطقه الهوى ولم يكتم العلم والحديث لأهداف سياسية ونزعات حركية، فزكّاه علماء الجرح والتعديل وهم أشد الناس معيارية وموضوعية في الحكم على أهل الإسناد ورجال الحديث، قال الإمام مالك: كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدِّث بها أحداً من العلماء حتى يخرج منها، وأدركت بالمدينة مشايخ أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عنهم، ويقدم ابن شهاب وهو دونهم في السن فيزدحم عليه، وكان يقول: “بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير” وقال عمر بن عبد العزيز: “عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحداً أعلم بالسنّة الماضية منه”. قال أبو الزناد: “كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمعه”. وقال عمر بن عبد العزيز أيضًا: “ما ساق أحد الحديث مثل الزهري” وعن سفيان قال: “كان الزهري أعلم أهل المدينة”.” 

قال الإمام أحمد: “الزهري أحسن الناس حديثاً وأجود الناس إسناداً”. وقال النسائي: “أحسن أسانيد تُروى عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أربعة على الإطلاق: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس، وأيوب عن محمد بن عبيدة عن علي، ومنصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله”. هذه في (تهذيب التهذيب) وفي (سير أعلام النبلاء) وغيرها.. 

وقال ابن حبان: “وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقًا لمتون الأخبار، وكان فقيهًا فاضلًا”. وقال محمد بن سعد: قالوا – يذكر أقوال العلماء -: “وكان الزهري ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيهًا جامعًا””. 

وقال الذهبي: “الإمام العلم حافظ زمانه”. وقال المزي: “ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا”. وقال ابن حجر: “متفق على جلالته وإتقانه” هذا في (التقريب). وقال في (تهذيب التهذيب): “القرشي الزهري الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام”. وقال ابن الجزري: “الإمام أبو بكر الزهري المدني أحد الفقهاء السبعة وأحد الأعلام المشهورين”. وقال ابن تيمية حفظ الزهري الإسلام نحواً من سبعين سنة… والله من وراء القصد. 

abnthani@hotmail.com 

———————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبدالله بن ثاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*