السبت , 3 ديسمبر 2016

حادثة تولوز..!!

ما حدث في مدينة تولوز الفرنسية الخميس الماضي، أعاد إلى الواجهة، وإلى الأذهان كارثة 11/9، وانعكاساتها على صورة الإسلام والمسلمين.. فمعظم وسائل الإعلام الغربية ركّزت في تغطيتها الموسّعة للحدث على أصل «محمد مراح»، وديانته.. كما -وبصورة بعيدة كل البُعد عن الحيادية- ربطت بينه وبين الفكر الجهادي الناشئ، حسب وصفها في البيئة العربية، وتعرضه -أيّ محمد- إلى عملية «غسل دماغ»، دفعته إلى كراهية الغرب، وحضارته.

الغريب أكثر أن الحادثة فعلت فعلها في حمّى الانتخابات الرئاسية الفرنسية القائمة هذه الأيام، فلم يترك المرشحون لحكم الأليزيه الفرنسية، وكانوا طوال أيام محاصرة «مراح» في شقته وكأنهم في حالة طوارئ.

كل هذا كان يمكن أن يكون طبيعيًّا، ومفهومًا لو أن هذه الإفرازات مستندة على «دلائل»، و»شواهد» من مثل: أن يكون الفاعل وُلد، ونشأ، ودرس في بلد مسلم، أو عربي، أو لو أنه يحمل جنسية عربية، أو لدولة إسلامية.. غير أن الحقائق هي بغير ذلك كله، بل إنها تدين البيئة الغربية على إفرازها لشخصية «متطرّفة» مثل «محمد مراح»، فهو ابن، ومنتوج هذه الثقافة بكل تناقضاتها، وتركيباتها الإيجابية والسلبية.

وُلد، وتربى، ودرس فوق تربتها، وكان يُمْنِي نفسه بالانضمام إلى الجيش الفرنسي للدفاع عن «العلم الفرنسي»، كما ورد في حديثه مع رجال الشرطة، وهم يحاصرونه.. أمّا قضية انتقامه لأطفال فلسطين، وللوجود الغربي في أفغانستان، فليست سوى محاولة لاستثمار الحدث، والتكسّب منه بأي طريقة كانت؛ حتى ولو كانت على حساب الحقيقة، وصورة الإسلام والمسلمين.

لا يمكن لعاقل أن يقبل ما قام به «مراح»؛ لأنه ببساطة جريمة قتل عن «عمد وترصد»، وهي جريمة لم تطل غربيين، أو يهودًا فقط كما تحاول بعض وسائل الإعلام والسياسيين الغربيين والإسرائيليين تصويرها، بل طالت مسلمين فرنسيين، ومن أصل عربي مثلهم مثل «مراح»، وهما الجنديان عماد بن زيتن، ومحمد لغود اللذان قتلهما مراح قبل مهاجمته للمدرسة اليهودية.

إن همجية الفعل ليست خاصة بجنسية دون أخرى، أو نتاج دين محدد، بل انعكاس لسلوك انحرافي أفرزته عوامل عدة، ويحدث في كل مكان في العالم لكن من غير المقبول بتاتًا استثمار هكذا فعل لاتهام الدين الإسلامي، وللبيئة العربية خاصة ممّن يدّعون الحيادية ونبذ «العنصرية». 

aalorabi@hotmail.com

نقلاً من صحيفة المدينة 

-- د. عبد الرحمن سعد العرابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*