الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مشكلة الغرب مع الإسلام

مشكلة الغرب مع الإسلام

ما الذي يربط بين جريمتي تولوز ومونتوبان في فرنسا، وجريمة قتل 16 مدنيا أفغانيا بينهم تسعة أطفال على يد جندي أميركي في أفغانستان؟ وما الذي يجمع بين حادثة اعتداء على مسجد صغير في ضاحية كنغستون الواقعة جنوب غربي لندن، ومقتل مهاجرة عراقية في مدينة سان دييغو الأميركية؟

في كلمة واحدة إنها «الكراهية»، أو سمها ثقافة الكراهية إن شئت، فهي البيئة التي تغذي التطرف والعنف، والإرهاب أيضا.

عندما قتل الجندي الأميركي المدنيين الأفغان داخل بيوتهم وهم نيام وحرق عددا من الجثث، أدان المسؤولون الأميركيون الجريمة المروعة بأشد العبارات وعبروا عن أسفهم وألمهم لمقتل الضحايا الأبرياء، لكنهم أصروا على اعتبارها عملا فرديا وحادثة معزولة، بينما انبرى بعض المعلقين ووسائل الإعلام لمحاولة إيجاد تفسير لسلوك الجندي الذي خدم في العراق قبل أفغانستان والإشارة إلى أنه قد يعاني من مرض عقلي أو من التأثيرات النفسية لضغوط الحرب. 

المشكلة أن الجريمة لم تكن «حادثة فردية معزولة»، فقد سبقتها جرائم أخرى، وتصرفات شائنة من جنود آخرين أثارت استياء واسعا وجدلا كبيرا، مثل الفيديو الذي يظهر فيه جنود يتبولون على جثث قتلى من طالبان، أو إدانة جنود آخرين أواخر العام الماضي لقتلهم ثلاثة مدنيين أفغان وبتر أصابعهم بهدف التسلية ثم وضع أسلحة بجانب جثثهم للإيحاء بأنهم قتلوا في المعارك وأنهم ليسوا مدنيين بل من مقاتلي طالبان.

هذه الجرائم وغيرها قد تبدو تصرفات شاذة من قلة منحرفة بالنظر إلى عدد القوات الأميركية الموجود في أفغانستان، لكنها ليست معزولة إذا تذكر المرء جرائم أخرى ارتكبها جنود في العراق، أو تصرفات شائنة أثارت الاستياء والاستهجان مثل وقائع سجن أبو غريب التي فجعت العالم ومعه أميركا. صحيح أنه لا يمكن لعاقل تعميم هذه التصرفات على كل الجنود الأميركيين، أو تفسيرها على أنها سياسة منهجية أو ثقافة مؤسساتية، لكن في المقابل لا يمكن التقليل من الطرح الذي يقول إن هناك مشكلة حقيقية سببها ثقافة الكراهية التي تنتشر بسبب النيل المستمر من الإسلام، وتصوير المسلمين على أنهم إرهابيون أو متخلفون وهمج. هذه الثقافة تجدها في الكثير من المقالات والعناوين الصحافية، وفي الكثير من الأفلام، والأدهى من ذلك في مواقف وتصريحات بعض السياسيين، خصوصا في اليمين المتطرف، وهي بالتأكيد ليست محصورة في أميركا بل تنتشر في الكثير من الدول الغربية. هذا المناخ هو الذي يربط بين تصرفات بعض الجنود ومقتل المهاجرة العراقية شيماء العوادي في سان دييغو بكاليفورنيا قبل أيام والعثور على ورقة تركها القاتل مكتوب عليها «عودي إلى وطنك أيتها الإرهابية»، والكشف عن رسالة تهديد أخرى كانت قد تلقتها عائلة شيماء قبل فترة وكتب عليها «هذه البلاد لنا وليست لكم أيها الإرهابيون». وبسبب هذه التهديدات العنصرية فإن التفسيرات في قضية شيماء ترجح فرضية الكراهية كدافع مع أن الشرطة التي باشرت التحقيق لم تستبعد الاحتمالات الأخرى حتى ساعة كتابة هذا المقال.

هذه الأجواء تفسر أيضا الاعتداء على الكثير من المساجد في أميركا أو في أوروبا ومن بينها الاعتداء على مسجد كنغستون جنوب غربي لندن الذي ظل موجودا منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، ولم يتعرض للاعتداء إلا في ظل مناخ العداء للإسلام الذي شجع تسعة شبان على مهاجمته مثلما تبين في محاكمتهم التي بدأت قبل أيام. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن جرائم مثل جريمة قتل المحجبة المصرية مروة الشربيني في ألمانيا، في وقت تصاعد فيه الجدل حول الحجاب والنقاب في أوروبا ووصل إلى حظره في عدة دول، ثم امتد إلى منع المآذن في بلد مثل سويسرا.

أجواء الشحن والكراهية تفرز عنفا وتطرفا في مختلف الاتجاهات، ومن خلالها يمكن النظر إلى جريمتي تولوز ومونتوبان. فالمنفذ محمد مراح فرنسي لكنه كان يريد العيش في الجزائر «لأنه كره المجتمع الفرنسي»، كما قال صديقه جمال عزيزي لوكالة الصحافة الفرنسية. كما أنه عبر في اتصال هاتفي نسب إليه مع قناة «فرانس 24» عن رفضه لمشاركة فرنسا في العمليات العسكرية بأفغانستان، وعن معارضته لقانون حظر النقاب الذي دخل حيز التنفيذ قبل عام، وقال عن جريمة تولوز إن اليهود «قتلوا أشقائي وشقيقاتي في فلسطين».

محمد مراح تحول من مجرم عادي ذي ماض حافل بالجرائم إلى متطرف ينتسب إلى «القاعدة»، ومن شاب ذي سلوك مضطرب إلى قاتل يستهدف ثلاثة جنود مسلمين فرنسيين ثم ثلاثة أطفال يهود ومدرسهم في مدرسة يهودية. لم يتوقف كثير من المعلقين والسياسيين أمام شخصيته المضطربة لتفسير سلوكه المنحرف، بل آثروا التركيز على ديانته وعلى أصوله الجزائرية وكأن ذلك يقدم التفسير الكامل لجريمته وأسباب جنوحه نحو التطرف وفي اتجاه «القاعدة». ورغم أن ساركوزي دعا إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب، فإن المتابع للتغطية الإعلامية وللكثير من التصريحات لا يستطيع أن يخطئ الخلط الذي حدث بالفعل، مما حدا بالكثير من مسلمي فرنسا إلى الإعراب عن قلقهم من التداعيات، خصوصا مع أجواء انتخابية تشهد تأجيج المشاعر ضد المهاجرين عموما، والمسلمين خصوصا.

الإرهاب والتطرف والأصولية ليست ظواهر مرتبطة بالإسلام من دون سائر كل الديانات، فالغرب أيضا عرف ظاهرة الإرهاب التي كانت وراءها منظمات مثل الجيش الجمهوري الآيرلندي أو الألوية الحمراء الإيطالية أو جماعة الجيش الأحمر الألمانية، لكننا لم نسمع تعبير «الإرهاب المسيحي»، لذلك لم تبرز صورة نمطية مثل تلك التي برزت في حالة المسلمين بسبب جماعات إرهابية تمثل قلة ضئيلة بين أكثر من مليار مسلم.

هناك حاجة إلى مواجهة أجواء التطرف ومناخات الكراهية حيثما وجدت، سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب، فمن دون ذلك سيكون الإرهابيون والمتطرفون هم الرابحين لأنهم يتغذون من هذه الأجواء.

o.mirghani@asharqalawsat.com

——————–

نقلاً من الشرق الأوسط 

-- عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*