الأحد , 11 ديسمبر 2016

تناقضات إخوان مصر

 الإخوان يصيبون ويخطئون ككل البشر، فهم ليسوا ملائكة، ولا هم ظل الله في الأرض، وصوابهم في ظني أكثر من خطئهم، ولكن الأخطاء التي وقع فيها قادة الإخوان المسلمون منذ الثورة الشعبية العظيمة في مصر حتى اليوم أخطاء إستراتيجية وتناقضات قاتلة.

ولقد كان من الممكن أن تكون النصيحة في السر كما طلب منى بعض الإخوان، لو أن هذه الأخطاء والتناقضات لم تخرج إلى العلن. أما وأن تلك الأخطاء والتناقضات صارت على كل لسان وعلى شاشات التلفاز وملأت الصحف فلابد من مناقشاتها عبر المقالات لمن يقرأ، وعبر الإعلام المسموع لمن يسمع، والإعلام المرئي لمن يبصر.

أما وصف تلك الأخطاء بالأخطاء الإستراتيجية، فلأنها تؤثر بل أثرت بالفعل في مستقبل مصر، ووضعت المسار الثوري في الإنعاش انتظارا لمعجزة جديدة أو علاج ناجع آخر، يخرجها من حالة الإنعاش إلى حالة الانتعاش.

ومن أهم تلك الأخطاء، التأخر باللحاق بالثورة والانفضاض عنها بأسرع ما يكون، فكانوا رسميا آخر الملتحقين بالثورة وأول التاركين للميدان، وللأسف تركوا الميدان قبل تحقيق كل أو معظم الأهداف والمطالب الثورية.

ومن تلك الأخطاء الإستراتيجية القاتلة الاكتفاء بالمسار الديمقراطي وحده وإطلاق شعارات كلامية في الوقت الضائع من قبيل، لن نفرط في دماء الشهداء. وأما التناقضات فكانت أبرز ما تكون في مأزق منصب الرئاسة رغم حساسيته. ومرت المسألة بعدة مراحل نلخصها فيما يلي:

قرارات واضحة اتخذها الإخوان قبل تنحى مبارك بيوم واحد ولا ندرى السر وراء ذلك حتى اليوم، أعلن الإخوان على أثرها أن الإخوان لن يرشحوا أحدا لمنصب الرئاسة معللين ذلك بخشية وهمية في ظني لم تقم على تحليل منطقي ولا قياس صحيح، مثل الخوف من الحصار على مصر مثلما حدث على قطاع غزة بعد تشكيل حكومة فلسطين، برئاسة إسماعيل هنية وبعد النجاح الهائل لحماس في المجلس التشريعي.

ولم يرفع الحصار عن غزة حتى اليوم ولم يتغير موقف أمريكا بشأن فلسطين، ولكن موقف الإخوان تغير وتعدل وتبدل حتى إن قيادة الإخوان التنفيذية ممثلة في مكتب الإرشاد أوضحت في أكثر من مناسبة، ومنها ما كتبه الدكتور محمود غزلان يوم 21 /5 /2011م، مؤكدا أن الإخوان قرروا بالإجماع يوم 10 فبراير 2011 في اجتماع مجلس الشورى الأول بكامل هيئته عدم ترشيح أحد لمنصب الرئاسة.

وأكد أن الإخوان إنما فعلوا ذلك وحافظوا عليه احتراما لقرارات الجماعة، وحفاظا على المصداقية، ولأن الإخوان أصحاب مبادئ لا يمكن أن يخدعوا الناس أو أن يتكلموا بلسانين أو أن يظهروا بوجهين. واستشهد د. غزلان في مقاله الشهير بكلام جميل للإمام البنا نصه: “ومع هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة”. وقال د. غزلان بالنص: “فنحن لا ننظر تحت أقدامنا فحسب، ولكن ننظر إلى بعيد، ولا نحسب حسابات بسيطة ولكن نحسب حسابات كثيرة معقدة، ولا ننظر إلى الظروف الداخلية فقط، وإنما ننظر إلى الظروف الإقليمية والدولية أيضا ونعتبر أيضا بالتجارب من حولنا”.

وهنا يحق لنا أن نذكر بعض النقاط المهمة، وأن نسأل الدكتور غزلان والقيادة الرشيدة التنفيذية المتمثلة في مكتب الإرشاد ومجلس شورى الإخوان بل وقيادة حزب الحرية والعدالة مجموعة من الأسئلة:

* لماذا تسعون اليوم إلى تقديم مرشح جديد للرئاسة وتراجعتم عن القرارات السابقة ولماذا طرحتم اسم المهندس خيرت الشاطر بالذات؟

* لماذا وقفتم ضد ترشيح ودعم د. عبدالمنعم أبو الفتوح المرشح للرئاسة، وهو من هو سواء أكان في جماعة الإخوان المسلمين أم خارجها؟

* لماذا أعلنتم موقفا مبكرا وشاذا من انتخاب د.عبدالمنعم أبو الفتوح ولم تعتبروه مثل بقية المرشحين المحتملين للرئاسة، حتى يكون الموقف الإخواني، واحدا أم أنكم اعتبرتموه من الفلول أو من كبار العهد البائد الذين يجب مقاطعتهم؟

* أين احترام قرارات الجماعة والحفاظ على المصداقية وأين الحسابات الكثيرة المعقدة في ضوء المحاولة الجديدة لترشيح أحد قيادات الإخوان للرئاسة؟

* هل فقد الإخوان العقل والحزم أم أن فترة السنة الماضية كانت كافية لانتشار مبادئ الإخوان وسيادتها؟

* هل تغيرت الظروف الداخلية والإقليمية والدولية والتجارب من حولنا حتى نتخذ قرارا مناقضا للقرارات السابقة؟

* لماذا الحديث أو محاولة الحديث اليوم بلسانين والظهور بوجهين؟ ألا يؤثر هذا في الدعوة وهي أثمن وأغلى من الحكم والرئاسة؟

* لماذا يتم تأجيل اجتماعات الهيئة العليا للحزب والشورى للإخوان بعد الفشل في الأسبوع الماضي للحصول على موافقة بترشيح المهندس خيرت الشاطر للرئاسة وبعد التصويت النزيه الحر، ولماذا تسعون إلى اجتماع آخر وتصويت آخر بعد محاولات إقناع الأعضاء للتصويت من جديد في صالح ترشيح الشاطر بعدما فشل التصويت عليه في نهاية الأسبوع الماضي؟

 ومن العجب العجاب أن نقرأ للمرشد السابق محمد مهدي عاكف، الذي أحبه وأقدره ولا زلت أرى أنه آخر المرشدين الكبار في الجماعة، وهو يقول حسب المصري اليوم بتاريخ الأحد 25 /3 /2012 أن الإخوان لن يقدموا مرشحا في انتخابات الرئاسة المقبلة وأن الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح المرشح المحتمل هو الأفضل ولكن الإخوان لن تدعمه تطبيقا لقرارها بعدم ترشيح أحد.

وكلام الأستاذ عاكف يثير عدة قضايا مهمة أولها، أن الإخوان لن تدعم د. أبوالفتوح رغم أنه المرشح الأفضل، وهى مشكلة تربوية عند الإخوان قبل أن تكون سياسية، حيث يقبلون بتقديم ودعم من كان دون الأولى ودون الأفضل للرئاسة رغم أهمية المنصب والمرحلة التاريخية الحساسة ومصلحة الوطن في الاستفادة من الأفضل دائما، ورغم أن القرآن الذي درسناه وندرسه لشباب الإخوان يرشدنا إلى الصواب ويعاتب من يفعل ذلك “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير”، والباء هنا تدخل على المتروك كما يقول فقهاء اللغة العربية، وأخشى أن يكون المنهج ذاته وراء تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور.

كان من الممكن للإخوان أن يخرجوا من المطب الذي وضعوا أنفسهم فيه بلا مبرر واضح للناس فحجروا به واسعا كمن يضع القيد في يده.

كان الخروج السليم هو دعم الأفضل للرئاسة، مهما كان أو بالوقوف على نفس المساحة من جميع المرشحين رغم أن تقديم مصلحة الوطن يتمثل باختيار الأنسب، وأن يمارس كل عضو صفة الانتخاب في ضوء مسئوليته في الدنيا والآخرة دون تكتلات ودون ضغط، وخصوصا ضد مرشح له تاريخ مشرف في الدعوة. وكان من الممكن أن يقارن الإخوان موضوعيا بين جميع المرشحين المحتملين للرئاسة وتشجيع الأعضاء على تحمل مسئولية الاختيار الحر دون فصل أو تجميد الأعضاء بسبب دعمهم لأحد المرشحين ومشاركتهم في الحملات الانتخابية. كل ذلك كان ممكنا بما يحافظ على وحدة الجماعة وتماسكها وتمسكها بالخيار الديمقراطي على جميع المستويات بدءا بانتخابات حرة نزيهة داخل الإخوان، كما طالبنا بها وكما دارت على مستوى الوطن.

ولكن الأخطاء القاتلة في ظني تمثلت كذلك في مأزق اختيار اللجنة التأسيسية للدستور الذي أحدث فتنة وخللا واضحا مع أن دعوة الإخوان تدعو إلى جمع الأمة وتقديم الأصلح. ولكن قرار تشكيل اللجنة التنفيذية سيؤدى إلى مزيد من الفتنة وربما التشرذم، كما أنه خالف الأعراف المستقرة في صناعة الدساتير، وأهمل معايير الكفاءة والخبرة والتنوع الواسع في أهم مسألة تحتاج إلى هذه العناصر التي لا يمكن حصر 50% منها في أعضاء من مجلس الشعب والشورى، ونسبة أخرى كبيرة في دائرة الأصدقاء والمعارف وأهل الثقة فحسب.

عندما يقول الأستاذ الجليل عاكف “إن ميزة المجلس العسكري أنه إذا أخطأ وأصلحت له خطأه يستجيب”، ولم يعطنا مثالا واحدا على خطأ تم الرجوع عنه أو حساب أي من المسئولين عن جرائم قتل عديدة في ماسبيرو ومحمد محمود والقصر العيني وليست أخطاء فحسب بل جرائم، ومنها تهريب الأمريكان، ولا يمكن أن يتم ذلك دون علم صانع القرار.

لقد أخطأ الإخوان في موضوع الرئاسة كما أخطأوا في هدم الثورة مبكرا قبل استكمال أهدافها ومطالبها، وكان من الممكن أن يجرى المساران معا المسار الديموقراطى إلى جانب المسار الثوري، وأخطأ الإخوان عندما قصروا واسعا على أنفسهم، ويحاولون اليوم الخروج من المأزق بشكل أسوأ في ظروف أصعب رغم أن الرجوع إلى الحق فضيلة. والماوردي يقول: فضل الله على الناس واسع، فمن زعم أنه مقصور في أضيق العصور فقد حجر واسعا ورمى بالتكذيب والليالي حبالى يلدن كل عجيب”.

ونصيحتي للإخوان المسلمين، وهم والوطن العزيز بل والمنطقة بأسرها، بصدد مرحلة جديدة تحتاج إلى شفافية ووضوح وحريات داخل صفوف الإخوان مثل التي كنا نحلم بها ونحن في صفوف المعارضة، كما تحتاج هذه المرحلة إلى سمع وطاعة مبصرة، وأن تنتقل دعوة الإخوان إلى مرحلة الروح الذي يسرى في الأمة فيحييها وتحيا بها، وتجمعها ولا تفرقها، وأن تتسع الصدور إلى الرأي الآخر، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

وعلى الإخوان المسلمين أن يسهموا في إعادة المسار الثوري إلى طريقه الصحيح، حيث إن المسار الديمقراطي وحده لا يكفي في هذه المرحلة الانتقالية الخطيرة، وليعلموا أن الميدان الذي بارك تقديم عصام شرف إلى رئاسة الحكومة هو الذي تسبب في سقوطه الشنيع، وليس البرلمان الذي لن ينجح وحده في إسقاط حكومة الجنزوري رغم ضعفها وهشاشتها، ولن ينجح وحده في محاسبة من تسببوا في الخروج الآمن للأمريكان المتهمين في قضية التمويل الأجنبي ولا في غيرها من القضايا الحاكمة.

واليوم تأتى مشكلة تبادل الرسائل والتهديدات بين الإخوان والمجلس العسكري، فهل ستؤدى إلى الصدام أم يمكن حلها مع فنجان القهوة في الصباح ضمن الصفقات التي قد تكون قائمة؟

-- كمال الهلباوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*