السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دين التسامح.. لا دين المذاهب!

دين التسامح.. لا دين المذاهب!

المسجد لعب دوراً رئيسياً في تاريخ الوطن العربي والعالم الإسلامي، فلم يكن مصلى لأداء الفروض الخمسة فحسب ، بل كان حلقات علم ونقاش وتعليم على أعلى المستويات أثرَت عالمنا بتخريج علماء الفقه والحديث واللغة، وقد اختفى دورها بعد عصور الانحطاط، عدا الحرمين في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجامعة القيروان في المغرب، والجامعة المليّة بنيودلهي في الهند..

الآن، في تونس، ربما لم يلفت نظر أي قارئ، عودة فتح جامع الزيتونة ليعود إلى سابق عهده، منارة علم بعد أن أغلقه الرئيس بورقيبة لأسباب مجهولة، واستمر حتى الآن، وربما القليل ممن قرأ تاريخ جامعة القيروان التي خرّجت علماء من الغرب، وكيف أن (غيربيرن دورياك) الذي شغل منصب البابا ٩٩٩م هو من خريجي هذه الجامعة، كذلك، موسى بن ميمون اليهودي الذي درّس بها، وابن العربي، وابن رشد، أي لم تكن هناك فروق دينية ومذهبية، أو خلافات فكرية ينتهجها فيلسوف، أو صوفي، أو طبيب يهودي، وهذا أحد أسرار عظمة الإسلام عندما استوعب أصحاب العقول الكبيرة، وكرس للحضارة علماء ومفكرين أصبحوا مع الزمن شواهد ومعالم ومراجع في الجامعات العالمية..

فالأزهر بناه الفاطميون ليعلّم المذهب الشيعي، وهو الآن بجامعاته وكلياته يعلّم الدين الإسلامي على المذهب السني، وتاريخه المضيء بالإسهام إسلامياً، ظل إلى اليوم يدرس به من كل الدول الإسلامية طلبة، وقبل ذلك تخرج منه علماء كبار لم يقتصر على مصر والدول العربية، بل شمل معظم دول العالم الإسلامي..

المهم ليس بتعدد المساجد والجامعات، وإنما بالعودة إلى وسطية الإسلام واتساعه لاستيعاب مختلف العقول، وفتح الحوار مع الأديان الأخرى، لنؤكد أن ديننا ليس، كما يصوره البعض، عدائياً منطوياً على ذاته، وضد الحضارات، بينما الشواهد التي أشرنا إليها بجامعة القيروان تناقض جميع الأفكار، التي لاتزال تكتب تاريخ الإسلام بعقلية كنسية أو يهودية..

التيارات الإسلامية الراهنة، سواء من وصل إلى البرلمان والحكم في دول الثورات العربية، نرى فيها تفاوتاً في الطرح، والتصريحات، فالبعض يرى الحل في الإسلام فقط، وهذا مبرر لمن هم مسلمون، لكن أن يثار موضوع تهميش الأقليات الأخرى من أديان ومذاهب بداعي تسييس الدين، فإن ذلك يضرّ بالإسلام، ويصوره بعكس رسالته، والتي على مر التاريخ بقيت الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين في حمايتهم، حتى اليهود الذين تعرضوا للإبادة، عاشوا مع المسلمين وفي حمايتهم..

هذه الصور نحتاج استلهامها والعودة إلى الثقة بأن هذا الدين الذي أعطى وضم الأعراق والأجناس، والذي لم يفرق بين أسود وأبيض، نحتاج إلى إيقاظ روحه من جديد ونعطي أمثلة متساوية مع تركيا وأندونيسيا، وماليزيا وغيرها ممن حافظت على عقيدتها، لكنها لم تقصِ أو تنبذ الآخرين أي كانت لهم حياتهم وعباداتهم، ونحن في هذه المرحلة الدقيقة أكثر حاجة لأن نكون خير أمة أُخرجت للناس..

—————-

نقلاً عن الرياض

-- يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*