الجمعة , 9 ديسمبر 2016

الحق في التنوع

إن حركة الاتصال موجة عارمة، لا يمكن لأحد أن ينكر دور وسائطها الورقية والإلكترونية من صحافة يومية وأسبوعية ومواقع وشبكات معلوماتية، بحيث كثيرا ما عمدت القنوات الفضائية إلى نقل وتعميم أخبارها وأفكارها على قطاعات واسعة من المواطنين. 

ومن ثم تشكل الوفرة الاتصالية فرصة وتحد كبيرين، بحيث هي في الوقت نفسه قادرة على تقديم رؤية هادئة تساهم في التقارب بين الشعوب من جهة، لكنها قادرة أيضا أن تؤجج المشاعر وتعمق الشرخ من جهة أخرى. إذ يجد الإنسان بفعل الطفرة التكنومعلوماتية في مواقف محيرة ومربكة. 

ثم كما يرى الزميل محمد الهوني فإن كثيرا من الصور النمطية عن العرب والمسلمين التي يتبادلها المواطنون في الغرب، هي ثمرة تنطوي على وجهات نظر مستقاة من بعض وسائل الإعلام، لذلك إن الصورة المتكونة هي صور متحيزة وجزئية، إذا أضيفت عليها الولاءات والانتماءات التقليدية والنزعات الوطنية الشوفينية بجانب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة في الغرب، تجعل الأفراد يفسرون كثيرا من الأحداث بغير معانيها وبمعزل عن سياقاتها ودواعيها. إذ يظهر بعضهم وكأنهم بالفعل يضعون أصابعهم في آذانهم. 

ويقدم لنا الإعلامي العربي صورة موجزة عن تجربة صحيفة “العرب العالمية” وعن مقاربتها لهذا الملف خاصة وهي صحيفة عربية غير محلية، أي عابرة للحدود ولا ترتبط بمقاربة دولة ما ورؤيتها لمعالم الحوار وحدوده. بحيث تولي أهمية كبرى للتعددية الثقافية في بناء ثقافة جماهيرية ناضجة وواعية في ظل النمو الهائل للصناعات الثقافية وهيمنة مجموعات الاتصال الكبرى على تشكيل وعي الناس وعلى الثقافة ذاتها، مما يؤدي إلى تشييئ الاتصال واستلاب البشر من قبل فئات السيطرة الاقتصادية والأيديولوجية. 

وبالتالي إن محاولة المساهمة في إعداد الرأي العام لا تتخذ منحى التأثير فيه سلبيا، بل تهدف من أن تجعل منه فاعلا يستخدم المضامين المطروحة بشكل واع ونشيط كي يقوم بعملية إشباع لعدد من الحاجيات النفسية والاجتماعية، ويستخدمها إيجابيا لمصالحه وهمومه. 

وبالإمكان هنا أن نشير إلى المبادرة التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود، مطلع عام 2008م، في إطار اهتمامه وتواصله الخاص بفعاليات الحوار العالمية ومتابعتها، وفي إطار جهوده المبذولة لوضع المملكة العربية السعودية ضمن الدول الرائدة في تفعيل الحوار الفكري والحضاري العالمي من خلال دعم عملية الحوار داخليا وخارجيا، إدراكا منه بأن التجارب الإنسانية، قد أثبتت على مدار العصور أنه لا سبيل لإحلال السلام بين الشعوب دون أن يكون بينها حوار ديني ثقافي، تتولاه النخب السياسية والشخصيات الدينية والثقافية في الدول التي تسود فيها الأديان والفلسفات المعتبرة، لبناء علاقات مثمرة ومفيدة، بوصفه سبيلا يكشف الحقائق ويعزز فيما بينها وفي مجتمعاتها المتنوعة قيم الحوار والتسامح وحقوق الإنسان. 

ومن هذا المنطلق وفي هذا الخصوص، جاءت المبادرة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، التي ألقاها أثناء استقباله المشاركين في المنتدى السادس لحوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي الذي أقيم بمدينة الرياض في الخامس والعشرين من مارس 2008م. 

وهنا لابد من الإشارة إلى أن علاقة الكونية بالخصوصية تثير أسئلة وقضايا كبرى، فالخصوصية تحيل على انتماء الإنسان إلى وطن وبيئة بعينها، فضلا عن كونه يتحدث لغة ويمتاز بسلوك وعادات وأعراف ونمط عيش؛ بينما تشير الكونية إلى أولوية الشمولي على المحلي وأسبقية الكل على الجزء، بحيث ينظر إلى هذا الإنسان في هذا العالم الفسيح الذي يجمع سائر البشر. 

غير أن التعددية الثقافية والهجرة واختلاط الشعوب واختلاف العادات والسلوكيات والثقافات تتجه إلى خلط جميع الأوراق والعبث بما يمكن اعتباره معايير كونية أو ما يمكن أن يطلق عليه خصوصية محلية لا يمكن جمعها وتوحيدها تحت قاعدة عامة؛ بالإضافة إلى ذلك خلقت العولمة التقنية الاقتصادية إبان الألفية الأخيرة الوسائل التي تمكن من هذا الوعي العالمي العاطفي والتطلع إلى مواطنة عالمية، بالرغم من أنها ما زالت تحتاج إلى مؤسسات وسلطة ضابطة وشرعية على المستوى العالمي. غير أننا إذا كنا نشهد عولمة اقتصادية من جهة، فإننا نشهد من جهة أخرى قصورا في العولمة الإنسانية.

فالكوسموبوليتية الجديدة بوصفها امتدادا للخصوصية والكونية تشير إلى حقيقة الإنسان نفسه، فهو كائن بيولوجي، لكنه في ذات الوقت كائن ثقافي، وهو يعيش نوعين من الواقع، واقع بيولوجي وواقع ثقافي، وهما مرتبطان غير منفصلين. 

هذا دون أن ننسى أن كل واحد من هذه المكونات لا يمكن أن يوجد بصفة منعزلة عن الآخر، فهو الشريان الذي يغذيه ويستمد منه الحياة؛ ومن ثم يمكن القول أن للإنسان خصوصية معينة تشكل لحمته وواقعه الخاص، لكن هذه الخصوصية جزء من كونية ينمو فيها ويكبر، بل الأكثر من ذلك إن كل مكون هو، في الوقت ذاته، المكون الآخر. 

وفي هذا الجانب، فإن في الحضارة الإسلامية ضربا من الأدب يعرف بأدب الاختلاف الذي هو خلق إسلامي ومظهر إيجابي من مظاهر الحضارة الإسلامية، إنه يؤكد على قيم الحوار وأدب الخلاف في الإسلام، لما في ذلك من إنصاف للخصم واحترام للرأي الآخر وتفصيل لأسس التنوع الثقافي الذي حافظت الحضارة الإسلامية عليه عبر القرون، ولم يسبق أن حفظ حق التنوع الثقافي وكفلت حرية التدين كما حدث في ظل الحضارة الإسلامية، ومهما تم خرق هذا الحق في بعض الأحيان خلال عصور التراجع الحضاري فإن هذا الحق يعتبر من الثوابت التي لا تتغير. 

فنظرة الإسلام إلى الحق في التنوع الثقافي نابعة من كون القيم الروحية النابعة من مصدر ديني هي وحدها الكفيلة بتوجيه أنماط السلوك الحضاري الهادفة إلى صيانة الحضارة الإنسانية من الانحلال، وهو ما يقتضي التعرف على الآخر والاعتراف به؛ إذ بدون احترام الآخر في اختلافه لن يكون لقيم كالسلام والعدل والكرامة الإنسانية ولا للتسامح والمحبة والتآخي أي معنى. 

فثقافة السلام – مثلا? التي أحوج ما يكون العالم إليها اليوم بعد المستجدات العالمية الأخيرة تستوجب مبدئيا الإقرار بمشروعية الاختلاف واعتباره أمرا طبيعيا بين الناس، ودليلا على التنوع الثقافي والحضاري، كما تستوجب أيضا الإقرار بالتعددية في المعتقدات الدينية والهويات الثقافية، ولا شك أن أول ما يترتب عن الإقرار بمشروعية الاختلاف والتعدد الثقافي الالتزام بالحوار سبيلا إلى التفاهم ومنهجا في التواصل والتعاون. 

إن المقارنة الدينية هي الوسيلة المثلى للحفاظ على التنوع الثقافي وصيانته، لأن كل ما تم بناؤه على أساس من التوجيهات الدينية والمقاصد التشريعية للديانات السماوية يكون ذا جدوى ما دام ينبع من ذات الإنسان نفسه ولا يفرض من الخارج. 

وهو ما يكفل رفع الحواجز النفسية التي تعوق العمل على احترام وحماية مبادئ التنوع الثقافي وحث الدول على مراعاتها وإدماجها في سياساتها الثقافية والتنموية وأخذها بعين الاعتبار في علاقاتها مع الشعوب والأمم الأخرى. 

ولا يمكن تصور حوار حقيقي بين الثقافات والحضارات إذا لم يكن هناك إقرار بمبدأ التنوع الثقافي، ومهما كانت هناك بعض وقائع الصدام والصراع، فالأمر ليس قدرا محتوما لأن العنف والجهل بالحقائق والخوف من الآخر ليست أمورا حتمية بل هي نتاج للتربية وللثقافة التي ينشأ عليها الفرد وتطبع سلوكه وردود أفعاله، ولذلك كان لا بد في إطار التفاعل الحضاري من التمسك بالهوية الحضارية وحماية الشخصية الثقافية، ولا شك أن في كفالة الحق في التنوع الثقافي تأكيدا على الخصوصية الثقافية لكل شعب من شعوب العالم وإبرازا للهويات الوطنية ذات السمات الحضارية التي تشكل في مجموعها الهوية الإنسانية العامة القائمة على أساس وحدة الجنس البشري ووحدة الصفات المشتركة.

———————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*