الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مدينة فاس والاعتدال الفكري

مدينة فاس والاعتدال الفكري

سأنقل القارئ العزيز هذا الأسبوع إلى رحاب مدينة فاس، حيث أحيا المغرب في السنوات الأخيرة ذكرى مرور اثني عشر قرناً على تأسيس الدولة الإسلامية الأولى فيه واتخاذ فاس عاصمة لهذه الدولة.. 

والمقصود “بالدولة” في المفهوم الدستوري قيام ميثاق أو تعاقد إداري حر بين الأفراد تم بمقتضاه تنازلهم عن بعض حقوقهم الطبيعية وحريتهم المطلقة مقابل تحقيق الأمن واستقرارهم وضمان حريتهم من طرف شخص أو مجلس يجسد إرادات الجميع ينظم شؤونهم ويضمن السلم والأمن ويحافظ على حقوق الجميع ويشترط فيه أن يكون قويا مستبدا كالتنين حتى لا يجرؤ أي أحد على خرق الميثاق المتعاقد عليه وعصيان أوامره خشية منه، وبذلك نشأت الدولة بهدف ضمان الأمن والاستقرار والسلم. كما أن الوصف بـ”الإسلامية” يعني ارتباط التأسيس بالمرحلة التاريخية الجديدة التي انطلقت مع الفتح العربي الإسلامي الذي تعثر في بداياته قبل أن يستقر. أما “الأولية” فتقترن بالمفهوم المشار إليه، ولا تعني إلغاء ما سبق تلكم المرحلة من تاريخ غني وحافل عرفه المغرب الأمازيغي، وإن كان فيه شيء من الغموض والاضطراب، سواء وهو يحتك بالفينيقيين والقرطاجيين والرومان والوندال، أو وهو يقيم إمارات مستقلة. 

وتلازماً مع هذه الذكرى، وفي الوقت ذاته، أحيا المغرب كذلك ذكرى مرور المدة نفسها على بناء مدينة فاس. 

وعن هذا الدخول، تذهب الرواية التاريخية الشائعة كما يكتب المستشار عباس الجراري إلى أنه مرتبط بنزوح المولى إدريس الأول من المشرق إلى المغرب عام اثنين وسبعين ومائة للهجرة 788م، بعد هزيمته في وقعة فخ سنة تسع وستين ومائة 785م على عهد الهادي العباسي، وترحيب المغاربة به، ومبايعة إسحاق بن عبد الحميد الأوربي له ودعوته القبائل أن تبايعه، بعد أن تنازل له عن إمارته في وليلي، هذه المدينة التي كان الملك أغسطس المعروف بيوبا الثاني، زوج كليوباطرة سيليني بنت كليوباطرة الكبيرة، قد اتخذها عاصمة ثانية له بعد شرشال، أواخر القرن الأول قبل الميلاد. إلا أن هناك رواية أخرى لا تخلو من مغزى تقول إن المولى إدريس جاء في مهمة قبل التاريخ المذكور بنحو عشر سنوات، موفداً من قبل أخيه محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية الذي كانت له مواجهات مع المنصور العباسي. 

مهما يكن، فقد عرفت فاس في ظل الدولة الإدريسية، بدءاً من عهد المولى إدريس الثاني، توسعاً كبيراً تجلى في وجود مدينتين متجاورتين، إحداهما في الجهة التي أقام بها المهاجرون الأندلسيون، والثانية في الجهة التي استقر بها القادمون من إفريقية، أي من القيروان. وكان يفصل بين المدينتين سور هدمه يوسف بن تاشفين عام ثمان وستين وأربعمائة هجرية 1075م، لتصبح المدينة حاضرة واحدة، وأمر بتوسيعها وإقامة عدة منشآت فيها، من مساجد وفنادق وحمامات وأرجاء وغيرها، وكان قد أسس مدينة مراكش واتخذها عاصمة للدولة المرابطية. 

ومن المعلوم أن الوافدين على المدينة في عهد المولى إدريس الثاني من عرب القيروان والأندلس كانوا بالآلاف. فمن مهاجرة قرطبة وحدها قدر عددهم بنحو ثمانية آلاف أسرة، ومن مهاجرة القيروان نحو الثلاثمائة، ومن المشرق العربي أعداد أخرى. وظلت التعددية العرقية تتنامى في ظل عهود الاستقرار، مثل عهد المرابطين. أما في عهد المرينيين، فأصبح التنوع السكاني ظاهرة اجتماعية سائدة. فكان لليهود حيهم، وللنصارى القشتاليين حيهم وللسوريين الرماة في جيش بني مرين حيهم أيضا. وبالتالي فإن مدينة فاس عرفت ساكنة متعددة الأعراق، تعايشت فيما بينها وتنافست في أساليب الابتكار في الصناعات والخدمات. ولا نعجب حينئذ مما ذكره ابن الخطيب، في وصفه للمدينة وصف معاين لها بقوله: “اجتمع بها ما أولده يام وحام. فعظم بها الالتئام والازدحام. فأحجارها طاحنة ومخابزها شاحنة، وألسنتها باللغات المختلفة لاحنة، ومكاتبها مائجة، وأوقافها جارية، والهمم إلى الحسنات وأضدادها متبارية”. 

وعندما يتحدث المؤرخ عبد الواحد المراكشي عنها، في القرنين السادس والسابع يقول: “وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس أكثر مرافق وأوسع معايش وأخصب جهات، وذلك لأنها مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها، ولا أعلم بالمغرب مدينة لا تحتاج إلى شيء يجلب إليها من غيرها، سوى مدينة فاس هذه. فإنها لا تحتاج إلى مدينة أخرى في شيء مما تدعو إليه الضرورة “إلا ما كان من العطر الهندي”. 

وكان من آثار توسيع فاس، ظهور حركة علمية، انطلاقا من جامع القرويين الذي أسسته السيدة فاطمة بنت محمد الفهري المكناة أم البنين، عام خمسة وأربعين ومائتين للهجرة 859م في عهد يحيى حفيد إدريس الثاني، ثم جامع الأندلس الذي أنشأته بعد ذلك أختها السيدة مريم، وكانتا قد وفدتا ضمن الأسر التي قدمت من القيروان إلى فاس في هذا العهد. 

ويمكن القول بأن المدينة أصبحت بفضل هذين الجامعين، ولاسيما القرويين? عاصمة علمية تضاهي قرطبة في الأندلس، ومركزاً دينياً للفقه المالكي الذي اختاره المغاربة واستقروا عليه -إلى جانب العقيدة الأشعرية? ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري، حتى غدا من أبرز ظواهرهم الفكرية، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق. وكانوا قبل ذلك قد احتكوا بمذاهب وتيارات شتى، سياسية وعقدية وفقهية، بدءاً من الوجود الخارجي إلى الاعتزال الذي يذكر ميل ابن عبد الحميد إليه، فاتجاه السنن، ثم المذهب الحنفي، دون استبعاد أخذهم بمذهب الأوزاعي. 

وكان هذا الاستقرار قد تحقق في عهد الأدارسة الذين هم من آل البيت، ومن الشيعة المناضلين، ولكن في زيدية معتدلة جعلتهم يميلون إلى السنة، وينشرون المذهب المالكي إدراكاً منهم لطبيعة الفكر المغربي وعدم قابليته للمبادئ الشيعية؛ دون إغفال تعاطفهم مع الإمام مالك الذي يروي في موطئه عن عبد الله الكامل والد المولى إدريس، والذي كان له موقف من العباسيين لصالح محمد النفس الزكية أخ هذا الأخير، إذ كان أفتى بعدم إلزام بيعة أبي جعفر المنصور التي اعتبر أنها كانت على الإكراه، منطلقاً من فتواه ببطلان الطلاق المكره وسقوط يمين الإكراه على العموم. 

ومما لا شك فيه أن جامعة القرويين التي بنتها امرأة وفي عصر غابر، كانت تعد القلب الديني النابض للمدينة، بل وللمغرب كله، والمعقل الصامد للمالكية والأشعرية بغير جدال. فكان تعليمها يكون “الشخصية العالمة” ولكن في قالب تقليدي صارم، إن كان قد ساعد على الثبات والاستقرار الفكري وعمق الوعي بالوحدة الوطنية فلم يتسرب إليها أي بصيص من إشعاع الفكر الحديث. 

وذلكم هو السبب الذي جعل المدينة حسب المؤرخ محمد الكتاني برغم كونها كانت مركزا للإشعاع العلمي الإسلامي، محافظة على الاعتدال الفكري، فلم يظهر فيها، آثار بدعة أو تنكب عن وسطية العقيدة، مما قد يؤول إلى ثورة فكرية أو سياسية، فقد تطورت الحياة الدينية في هذه المدينة في إطار من الرصانة، على خلاف ما عرفته مناطق أخرى من العالم الإسلامي من شك وقلق واندفاع. ويعود ذلك إلى حقيقة أساسية وهي أن أهل فاس، لم يتخلوا عن اعتدالهم الطبيعي؛ فكانت تقواهم هي الوسطية الإسلامية المتزنة، تقوى دنيوية مليئة بالحياة، يشترك فيها الجميع، وتتميز باستمرارها واتساقها أكثر منها بتقلباتها وتفجراتها، وتنظر بتسامح لا إلى أتباع الأديان الأخرى فحسب، ولكن أيضا إلى النزاعات المترسبة في العقلية الشعبية والتي مصدرها الأساطير الوثنية. 

وبفضل هذا المناخ الديني أخذت المدينة على توالي العصور طابعا إسلاميا ظل يتنامى ويترسخ عبر الأجيال، وذلك في سياق من التوازن بين القيم المادية والقيم الروحية، التي تضبط علاقات الناس بقواعد الشريعة، وتزكية النفوس وتعميق مشاعر التقوى. 

المصدر: الجزيرة

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*