الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هولندا: المسلمون والخيارات الصعبة

هولندا: المسلمون والخيارات الصعبة

فيلدرز يقود حملة محمومة لإضعاف الوجود الإسلامي ودعم لائتلاف صعد الضغوط على الجالية المسلمة

محاولة إغلاق مسجد السلطان أيوب وحظر النقاب أكثر مظاهر التحرش اليميني بالمسلمين

اللجوء لمحكمة العدل الأوروبية أحد الأوراق لوقف العصف اليميني بالمسلمين

لم يكن مسلمو هولندا بحاجة إلى أزمة شديدة تزيد مشكلاتهم حتى اندلعت أزمة إقدام بلدية أمستردام بشكل مفاجئ وبصورة منفردة على إغلاق أقدم مسجد للمسلمين (السلطان أيوب) في هولندا والتابع للجالية التركية تم افتتاحه عام 1985م متذرعة بالإيجار المنخفض الذي تدفعه إدارة المسجد للبلدية وتحفظها خلال الفترة الأخيرة على إقرار زيادة في القيمة الإيجارية الواجب تسديدها من قبل الإدارة رغم مخالفة هذا الأمر للعقد الموقع بين الطرفين والممتد لخمس سنوات قادمة.

ولعل إقدام بلدية أمستردام على هذا القرار المفاجئ قد يمنح الجالية المسلمة الفرصة للطعن في القرار وإلزام هذه السلطات باحترام تعهداتها وعقودها، ولكن هذا التصرف المفاجئ من السلطات يفتح الباب أمام وجود اتجاه مناهض للوجود الإسلامي في هولندا ولاسيما أنها في سياق مد يميني كبير تعاني منه البلاد إثر وجود حكومة يمينية متطرفة تحظى بدعم الحزب اليميني المتطرف بزعامة (جيرت فيلدرز) صاحب فيلم «فتنة» المناهض للإسلام والمسلمين والذي يدعم الحكومة ولا يشارك فيها خشية وجود ردود فعل غاضبة على هذا الدور على غرار ما حدث مع حزب يورج هايدر في النمسا.

إجراءات تمييزية

وزاد من حدة المشكلة أن هذه الأزمة قد جاءت في سياق مناهض للجالية المسلمة في هولندا ولاسيما أن مشاركة فيلدرز في الحكومة قد تبعتها إجراءات متشددة ضد الجالية المسلمة تمثلت في زيادة القيود على حق الجالية في استقدام ولم شمل عائلتها والتشدد في منح تأشيرات هجرة لمواطنين مسلمين ووضع قيود على طلب الأئمة والدعاة، بل تم رفع الدعم الحكومي عن كليات إسلامية وفي مقدمتها كلية روتردام للدراسات الإسلامية بذريعة عدم مشاركتها بقوة في تشجيع الجالية المسلمة على الاندماج في المجتمع الهولندي فضلاً عن سحب حق الإقامة من أي مسلم يرتكب مخالفة قانونية لافتة، بالإضافة إلى إصدار البرلمان الهولندي قرارا بحظر ارتداء النقاب في الشارع وفرض غرامات مالية باهظة على المخالفات.

أمواج عاتية

ويظهر مثل هذه التطورات ظهوراً لافتاً انخفاض مؤشر التسامح الديني في المجتمع الهولندي فبعد أن كانت هولندا من أكثر البلدان الأوروبية قبولاً للآخر، بل إنها كانت أشد تسامحًا تجاه الجالية المسلمة حيث ارتفعت أعداد المساجد مثلاً في المدن الهولندية المختلفة التي تحتضن الجالية المسلمة مثل أمستردام وأوترخت وروتردام ولاهاي من 300 مسجد ومصلية وزاوية عام 1990 إلى 900 عام 1999م، ويكشف ذلك كيف استطاعت الجالية المسلمة التي وصل تعدادها حتى الآن لمليون مسلم يشكلون 6% من سكان المملكة الهولندية البالغين 16 مليون نسمة الاستفادة من أجواء التسامح لاكتساب أرضية قوية في المجتمع الهولندي.

غير أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حيث هبت على المملكة الهادئة أمواج مد يميني عاتية منذ اغتيال المخرج الهولندي (فان جوخ) على يد مهاجر مغربي بعد مساعيه لتشويه صورة الإسلام والمسلمين من خلال فيلم سينمائي وهي الحادثة التي فتحت المجال لموجة عداء للوجود الإسلامي في المجتمع الهولندي لم تنته مظاهرها حتى الآن، بل تجلت في تغاضي الحكومة الهولندية عن مظاهر التحريض والتمييز التي يمارسها اليميني المتشدد فيلدرز ضد الجالية المسلمة وهي المظاهر التي تحولت من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل؛ حيث تدخلت الحكومة لدى القضاء لتجميد الدعوى المرفوعة من قبل الجالية المسلمة ضد فيلدرز والحكومة تتهمها فيها بالتخلي عن حماية مواطنيها من ذوي الأصول الأجنبية، وهي الدعوى التي تم رفعها إلى لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ردًا على مماطلة الحكومة الهولندية التي تحظى بدعم 24 نائبًا من حزب فيلدرز على معاقبته خوفًا من انهيار الائتلاف الحاكم حاليًا في البلاد رغم حملات فيلدرز على الإسلام ومحاولة وصمه بالإرهاب.

بل زاد على ذلك بالتأكيد على أن المسلمين ليسوا أتباع دين سماوي، بل أيديولوجية متطرفة لا هم لها إلا العنف وسفك الدماء.

ميزات مفقودة

ولعل مجمل هذا المشهد المتطرف يلقي بتبعاته على الجالية المسلمة في المجتمع الهولندي فلم يدر بخلد المسلمين الذين تمتعوا طوال العقود الخمسة الماضية بأغلب الميزات التي يحصل عليها المسلمون أن يجدوا أنفسهم يحرمون من هذه الميزات واحدة تلو الأخرى دون أن يتخذوا خطوات جادة لوقف مثل هذه الإجراءات التمييزية التي تخالف التقاليد الكلاسيكية الهولندية وسط تواطؤ من الحكومة.

ويرى مراقبون للأوضاع في هولندا أن البرنامج اليميني للحكومة الهولندية الحالية قد سمح لفيلدرز الذي جرت تحقيقات بشأن علاقته بالسفارة الإسرائيلية بتمرير مخططه لتكريس ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمع وعدم الاكتفاء بالتصريحات بل الانتقال لمرحلة سن التشريعات ضد الوجود الإسلامي، حيث لا تعبأ الحكومة الحالية بخطورة تحول هولندا إلى مجتمع طارد للمهاجرين المسلمين وهو أمر سيحمل تداعيات سلبية جدًا على صورة هولندا أمام المجتمع الدولي، بل سيؤثر بالسلب على صادرات هولندا للعالم الإسلامي التي تشكل 60% من صادراتها للعالم.

بل إن هذا الوضع يناقض احتفاء المجتمع الهولندي بالأقليات ولاسيما أن البلاد كانت الوحيدة التي رفضت فرض قيود على الجالية اليهودية فيها وسمحت لهم بالتمدد داخل المجتمع والاندماج فيه وليس العيش في عزلة وارتداء ملابس محددة كما أقدمت على ذلك بلدان أوروبية عدة.

بوادر أمل

ورغم هذه الأوضاع القاتمة التي يعانيها المسلمون في هولندا إلا أن الأمر لا يخلو من إيجابيات، فالقواعد الديمقراطية الراسخة في المجتمع الهولندي توفر قنوات يستطيع من خلالها مسلمو هولندا التصدي لحملات العصف بهم سواء في محاولة المساس بمكتسباتهم أو انتزاع مؤسسات تابعة لهم كالمساجد أو المدارس أو سن قوانين تفرض تعقيدات على أوضاعهم الاقتصادية سواء باللجوء للمحاكم الهولندية أو المحاكم الأوروبية لحقوق الإنسان أو المحاكم الدولية لوقف أي مخالفات ترتكبها الحكومة الهولندية ضد المبادئ التي أقرتها المواثيق الدولية والأوروبية والخاصة بحقوق الأقليات.

غير أن هذا الأمر يحتاج لجهد ووقت طويلين كما يؤكد د. أحمد جاب الله مدير المعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية؛ حيث يرى أن الضغوط التي مورست ضد الجالية المسلمة في هولندا لم تفت في عضدها؛ حيث نجح المسلمون رغم الخلافات الشديدة بينهم في تحقيق نجاحات ملحوظة من بينها مثلاً وصول ما يقرب من 7 نواب مسلمين للبرلمان الهولندي رغم المد اليميني داخل المجتمع منذ عام 2001م.

وقال إن المخاطر على الجالية المسلمة في هولندا لا تتوقف عند المد اليميني أو المساس بمسجد من مساجدهم بل إن الخلافات بين الجالية المسلمة في هولندا سواء أكانت عرقية أم سياسية بفضل الموزاييك المتنوع لخلفيات الجالية «مغاربية وتركية وشبه القارة الهندية أو بعض البلدان العربية» قد أدت دورًا في عدم وجود كيان للمسلمين في هولندا حتى الآن، وعدم اعتراف الحكومات الهولندية بالدين الإسلامي بوصفه ديناً رسمياً رغم تجاوز أعداد الجالية المسلمة لمليون مهاجر.

ويعد توحيد صفوف الجالية المسلمة على قلب رجل واحد وجود كيان موحد للمسلمين أمراً ضروريا رغم وجود بعض الصعوبات من بينها مثلاً اشتراط وجود تمثيل لكل الطوائف المسلمة ومنها الشيعية والقاديانية في المجلس الإسلامي المزمع إنشاؤها، إلا أن هذا الأمر يمكن الوصول إليه بتسوية ما ولاسيما أن الإيجابيات التي ستحصل عليها الجالية لا توازي المشكلات التي يثيرها انضمام شيعة وقاديانيين للمجلس.

وقد جاء سعي بلدية أمستردام لإغلاق المسجد تأكيدًا على النفوذ الذي يتمتع به التيار اليميني في هولندا، وهو نفوذ لا يتوقع استمراره ولاسيما أن الأوضاع الاقتصادية المتردية والمخاوف من تأثر صورة هولندا عالميًا والفوبيا من مقاطعة العالم الإسلامي ستفرض على الشعب الهولندي تغيير قواعد اللعبة.

—————

المصدر: مجلة الفرقان

-- مصطفى الشرقاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*