الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هيمنة الدعوة على سياسة الحكومة المغربية

هيمنة الدعوة على سياسة الحكومة المغربية

عاد موضوع المهرجانات إلى الواجهة من جديد بفعل ما أثاره أعضاء في حركة التوحيد والإصلاح وفي حزب العدالة والتنمية من مواقف مناهضة للمهرجانات التي لا تستجيب للمعايير القيمية كما حددتها الهيئتان. ولم يكن عرضا أن يثير أعضاء الهيئتين الموضوع إياه في هذا الوقت بالتحديد . ذلك أن حركة التوحيد والإصلاح سعت لاستغلال قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة من أجل تمرير قناعاتها الإيديولوجية عبر المؤسسة التنفيذية ووضع بصمتها على السياسة الفنية والثقافية للحكومة الحالية بعدما تعذر عليها الأمر مع الحكومات السابقة .
 في هذا الإطار أعلن المهندس محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح  في لقاء تواصلي بالناظور يوم 26 فبراير 2012 أن ما حدث من تحولات واستحقاقات خلال المرحلة الأخيرة التي تسمى بالربيع الديمقراطي يستدعي “الجاهزية لاستثمارها ” .
وحدد هذه الجاهزية في الإستراتيجية التي ينبغي اعتمادها وهي من بعدين رئيسيين . أولهما يقتضي توفير الحماية السياسية لنشاط الحركة الدعوية ليصل خطابها أبعد مدى ويشمل كل القضايا . فزمان “المظلومية” ولى وانقضى وعلى الحركة أن تغير خطابها وطريقة عملها .
هكذا قال الرئيس الحمداوي “إننا نحتاج إلى حماية إستراتيجية للدعوة والاستيعاب الدعوي وإنهاء خطاب المظلومية والعمل على الاستجابة لحاجيات الناس الدعوية والروحية وكذا المعالجة الفكرية للقضايا” .
أما البعد الثاني فيقتضي هيمنة الدعوة على قيادة الحكومة  لاستثمار النجاح السياسي  الذي تعتبر الحركة أنها صاحبة فضل فيه ، لأنه ، كما قال المهندس الحمداوي ” لا أهمية لنجاح سياسي في غياب مواكبة دعوية ” . مما يعني أن الحركة ستكون  موجهة للحزب ومحددة لاختياراته السياسية داخل الحكومة .. وهذه بعض النماذج :
ــ حسن بويخف كتب في مقال له (إن المغرب يعرف تنظيم عشرات من المهرجانات الفنية وفي كل المدن وعلى طول السنة، لكن يبقى مهرجان موازين مهرجان السلطوية بامتياز، هو رمزها وعلامتها “التجارية” في تسخير الفن لخدمة سياسة خاصة في تأطير الشباب، ليس حبا في الفن ولا تحقيقا للمتعة به، ولكن فقط لتيسير نوع خاص من الإدماج السياسي لهم، إدماج يبعدهم عن حقيقة الواقع والانخراط في نقده والمطالبة بتغييره. ) . وهو نفس التوجه الذي ذهب إليه الوزير الشوباني حين علل رفضه لمهرجان موازين بأنه “مهرجان الدولة”.
ــ الدكتور عبد الرحمان بوكيلي  في مقال له  بموقع هسبريس الأربعاء 29 فبراير 2012 أفتى فيه بالتالي (فمن البلايا التي ابتلي بها مجتمعنا في هذه السنوات الأخيرة مهرجانات موازين التي تعتبر بحق من المبادرات الشيطانية البديعة الهادفة إلى تدمير الفضائل والمكرمات وتفعيل سبل الرذائل والمنكرات، في زمن أحوج ما نكون فيه، شبابا وشيبا، إلى توجيه القدرات واستثمار الأموال والخيرات في تعزيز صرح العلم وتقوية عجلة التنمية.
ولا يخفى على ذي ذرة من بصر أو بصيرة أن في هذه المهرجانات خرابا رهيبا وخطرا ماحقا على الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لحفظها .. وعليه، فإقامة هذه المهرجانات وبهذه المواصفات من أكبر المنهيات، أما الإسهام فيها وتشجيعها، فلا شك أنه تعاون على معصية الله سبحانه، وإذاية للعام والخاص) .
ــ لحبيب الشوباني الوزير  المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في حوار لجريدة “أخبار اليوم” 28/2/2012  برر موقفه كالتالي (موقفي الصريح مبدئي ويقوم على أنه لا يجب أن يصرف المال العام في مهرجان خاص بحكم علاقات خاصة واستثنائية .. 
ما يطرح هو علاقة هذه التظاهرة بتنمية الثقافة الوطنية وحماية حقوق الفنانين المغاربة، اليوم الدولة التي تحمي اقتصادها وتحمي حدودها وتحمي سيادتها يجب أن تحمي كذلك فنانيها وتحمي الثقافة الوطنية من الاكتساح والتغول الذي يكون المال هو وسيلته الوحيدة وليس التفاعل الفني المتصل بالانفتاح وتعارف الحضارات وتلاقح الثقافات. ..
الإشكال اليوم ليس هو الحرية بل هو أموال الدولة وإمكانياتها التي تهدر بلا حسيب ولا رقيب .
وهذا الأمر يجب أن يتوقف لأنه مصدر من مصادر السخط الشعبي ولأنه أمر غير مقبول). أمام هذه الهجمات غير المحسوبة من طرف أعضاء الحركة والحزب ، والتي من شأنها أن توسع من دائرة الاحتجاجات ضد الحكومة برئاسة أمين عام الحزب وتجعله في عين الإعصار الرسمي والشعبي ، اضطر رئيس الحكومة إلى تدارك الأمر ، من جهة ،  بتوجيهات تمنع وزراءه من حزبه من الخوض في موضوع المهرجانات على اعتبار أن  (للحكومة أولويات لا يجب أن يتم التشويش عليها، ويجب على الوزراء أن ينتبهوا إلى تصريحاتهم، وأن يجنبونا تشويشا نحن في غنى عنه.
هناك أولويات أكبر وأعظم، فالمهرجان يمر كل سنة، ونحن أتينا لتصحيح الأوضاع ذات الأولوية في الإصلاح، وليس المهرجانات) ، ومن جهة ثانية بعث بتطمينات إلى القطاعات والهيئات المعنية تفيد أن الحكومة لن تتدخل لمنع أي مهرجان. ومبرره في هذا أنه ( لو كان الشعب لا يريد موازين لما توجه إليه أحد، فهذا المهرجان له جمهور يتابعه ويحضر أنشطته بالآلاف.
 كما أن هناك آلافا آخرين من المواطنين غير متفقين على انعقاد هذا المهرجان، وهذا هو واقع التنوع بالمغرب، إذ لكل وجهة نظره، وله الحرية في التعبير عنها بمسؤولية). إنها الواقعية السياسية التي تفرض على الحزب أن يغير مواقفه حتى وإن لم  يغير قناعات أعضائه حماية من الانكسار أمام العاصفة .
ولعل الحزب بحاجة إلى تقوية الجبهة الداخلية وخلق رأي عام وطني مساند له في المعركة ضد الفساد التي بدأها بنشر لائحة المستفيدين من أذونات النقل بالحافلات . فالمطلوب من الحزب أن يكثف جهوده لكسب  المعركة ضد الفساد واقتصاد الريع .
ذلك أن الناخبين إنما منحوه أصواتهم لمحاربة البطالة والفقر والتهميش واقتصاد الريع والتهرب الضريبي والاستبداد فالمجتمع مسلم حتى قبل تأسيس الحزب بقرون  ومتى عاند وأصر على فتح جبهات وخوض معارك هو في غنى عنها ، فإنه سيكون الخاسر الأكبر وسيضع فرصا ثمينة وتاريخية عليه كحزب وعلى المجتمع والدولة معا .
وإذا كان الحزب يتعلل بمحاربة المهرجانات لما ترصد إليها من أموال هي في معظمها أموال خاصة وليست من المال العام ، على حزب العدالة والتنمية أن يتصرف كحزب يقود حكومة سياسية  وليس كحزب تقوده حركة دعوية .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*