الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » آفاق حكومات الربيع العربي بعد 100 يوم من تشكيلها .

آفاق حكومات الربيع العربي بعد 100 يوم من تشكيلها .

1 ـ حكومة النهضة الإسلامية بتونس : تمثل تونس البلد العربي الأول الذي عرف اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم انتهت بإسقاطه وفراره في 14 يناير 2011 ، ومن ثمة اتخذت تلك الاحتجاجات صفة “ثورة” أسست  لمفهوم “الربيع العربي” على غرار ما عرفته بعض البلدان من احتجاجات انتهت إما بإسقاط النظام (ربيع براغ) أو بالقمع الشرس (ربيع بيكين) .
لهذا تستقطب تجربة تونس اهتماما كبيرا من طرف الرأي العام العربي الذي يستوحي منها الروح والأسلوب والمسار . الأمر الذي يستدعي طرح أسئلة بديهية : ما الذي تحقق ؟
وإلى أين تسير تونس ؟
لا شك أن المائة يوم من عمر الحكومة لا تتيح لها المجال لتطبيق أسس الإصلاح الشامل الذي قامت من أجله “الثورة” ، لكن ، في المقابل تسمح برصد الاتجاه العام الذي تبلوره السياسة المعتمدة من طرف حكومة النهضة.
فمنذ الإعلان عن تاريخ إجراء انتخابات المجلس التأسيسي ، توالت تصريحات قادة حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي تفيد نهج الخيار الديمقراطي بما  يكرس الطابع المدني للدولة التونسية .
وقد مثلت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي النموذج الذي تستلهمه حركة النهضة في تعاملها مع الشأن العام وباقي  الفاعلين السياسيين ، بحيث لم تجعل من أولوياتها “أسلمة” المجتمع التونسي ولا حتى الدولة ؛ بل وجهت اهتمامها إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع التونسي ، مما يدل على نضج الحركة وتجاوزها للخطابات الدعوية التهييجية.
إلا أن التوجه الديمقراطي لحركة النهضة لم يجنب تونس التجاذبات الحادة بين دعاة  الدولة المدنية ودعاة الدولة الدينية .
وقد زاد من حدة هذه التجاذبات هامش الحرية الذي أتاحته “ثورة الياسمين”.
جاء على لسان علي العريض وزير الداخلية  ، خلال رده على تساؤلات أعضاء المجلس الوطني التأسيسي  يوم الجمع 30 مارس 2012 حيث توعد المتشددين بالتطبيق الصارم للقانون ضد الخارجين عنه .
ونفس التحذيرات صدرت عن رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر و رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي . وأمام تزايد خطر المتشددين ( تمزيق العلم التونسي ،الاستمرار في منع الدراسة بكلية منوبة،الاعتداء على الصحافيين والكتاب،التهجم على المدرسة الاعدادية ببرنوصة، منع الأئمة من الخطابة والإمامة ، تواتر التحريض بقتل اليهود من أصل تونسي مما أثر على إقبال السياح اليهود على “الغريبة” خلال موسم حجهم الذي ينظم سنويا في شهر ماي بجزيرة جربة. الخ ) اضطر قائد الأركان الثلاث بالجيش التونسي الجنرال رشيد عمار إلى الخروج عن صمته حيث وجه تحذيرا صارم اللهجة بالقول “قريبا سأضع حدا للاستراحة “.
ونفس التحذير وجهه وزير الداخلية علي لعريض في حوار مع صحيفة (لوموند) الفرنسية، لما أكد أنه “سوف يخوض معركة كبرى مع السلفيين الجهاديين الذين يلجؤون للعنف، ويمثلون خطرا على المجتمع التونسي… لذلك سنتجه الآن إلى المواجهة التي تبدو شبه حتمية”.
ومن أجل تطويق خطر المتشددين ، قرر وزير الشؤون الدينية التونسي، نور الدين الخادمي، إجراء جرد للمساجد وتحرير تلك التي باتت تحت سيطرة المجموعات المتشددة والبالغ عددها 400 مسجد من أصل 5000 مسجد.
إذ وضعت الوزارة خطة استعجالية لوقف ما بات يعرف بـ”غزوة المساجد” وذلك بتوظيف الأئمة وفق معايير مضبوطة حددها وزير الشؤون الدينية في حمل (شهادة الكفاءة، ويُفضّل أن تكون في الفقه الإسلامي، والتمتع بثقافة عامة في مجال العلوم الإنسانية وبانفتاح على الديانات الأخرى وأن يكونوا معروفين بحسن الخلق في أحيائهم).
فضلا عن هذا قرر رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي إلقاء  عشرين درسا داخل المساجد بمختلف أنحاء البلاد في محاولة لمواجهة عقائد التشدد التي يبثها المتطرفون.
ومن جهة أخرى، سعى راشد الغنوشي إلى طمأنة التيار العلماني على وضعية حقوق الإنسان ضمن الدولة المدنية التي ينشدها بالقول “لا معنى لتدين يقوم على الإكراه لأنّ الأمة الإسلامية لا تحتاج إلى منافقين، لأنّ تدين الناس وما في قلوبهم هو شأن الهي،  ثم إن الإسلام هو دين شعب وليس دين نخبة وليس دين حزب أو آخر”.
وعلى هذا الأساس حرصت حركة النهضة  في شخص رئيس الحكومة الانتقالية على الإبقاء على الفصل الأول من الدستور التونسي  والذي يحدد هوية البلاد كالتالي”تونس جمهورية دينها الإسلام ولغتها عربية”.
وبرر الشيخ الغنوشي  موقف حركته من عدم التنصيص على أن الإسلام هو مصدر التشريع، بأن “تأييد الاستناد إلى الشريعة كان سيعطي شرعية للسلفيين ويعزز موقفهم”، فضلا عن أنهم “لا يستوعبون أن الدستور يجب أن يكون ثمرة إجماع”.
وأمام العنف المتزايد من طرف التيار الديني المتشدد، أعلن رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي تمديد حالة الطوارئ حتى نهاية أبريل الجاري، وحض في نفس الوقت على الوحدة والعيش المشترك رغم الاختلاف، وإلا فإن تونس “ستدفع الثمن باهظًاً من الدم والدموع إذا اضطرت إلى التصدي بالقوة للمتطرفين القادمين من كل حدب وصوب”.
وتعد هذه المرة الرابعة على التوالي التي يتم فيها التمديد في حالة الطوارئ منذ ثورة 14 يناير 2011. وقد يكون هذا التمديد الفرصة الأخيرة أمام المتشددين قبل أن تصبح المواجهة معهم حتمية؛ خصوصاً وأن الشيخ الغنونشي يوجد في حوار معهم من أجل الانخراط في الحياة السياسية والقبول بالقواعد الديمقراطية بعيدا عن العنف.
ويمثل التيار المتشدد في تونس تحديا حقيقياً أمام الحكومة وعائقا لها عن إطلاق ديناميكية سياسية، اجتماعية تنموية بسبب حالة الصدام التي يخلقها مع باقي التيارات المجتمعية، بدءاً من رفض الديمقراطية، وانتهاء بالسعي إلى فرض الدولة الدينية.
فالتونسيون خاضوا ثورتهم ضد الاستبداد ولا يمكنهم القبول بتأسيس استبدادا أشد وأفظع.
وأمام التونسيين فرصة تاريخية لوضع دستور يقطع مع تجارب الاستبداد ويؤسس لدولة المؤسسات التي لا تتأثر بعملية التناوب الديمقراطي أيا كانت الجهة التي تتولى السلطة و خلفياتها الإيديولوجية.
وإذا كانت انتظارات المواطنين التونسيين تتمحور حول المشاكل الاجتماعية بسبب البطالة والفساد الإداري ، فإن انتظارات الفاعلين السياسيين ومعهم الرأي العام العربي تتركز حول البناء الدستوري والسياسي للنظام الجديد الذي ستفرزه هذه التجربة.
ذلك أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن مواجهتها إلا بنظام سياسي منفتح على كل القوى السياسية وضامن لحقها في التعبير والمشاركة في بناء دولة مدنية تضمن حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا.
ويمثل موقف حركة النهضة من مدنية الدولة وعدم التنصيص دستوريا على الشريعة مؤشرا إيجابيا نحو بلورة أفق سياسي أرحب لا مجال فيه للإقصاء أو الاستبداد ويحافظ على الوفاق الوطني.
وقد لقيت الآراء التي عبر عنها الشيخ الغنوشي ارتياحا وسط التيار العلماني لأنهها تتوخى الحفاظ على الوفاق الوطني وحماية أهداف الثورة . إلا أن المواطن البسيط لم يلمس أي تغيير في ظروف عيشه، مما يجعل تونس تشهد باستمرار الإضرابات وحالات الاعتصام في أكثر من منطقة ومرفق، للمطالبة بتحسين الأوضاع العمالية، إلى جانب اعتصامات العاطلين عن العمل.
وقد أرجعت النائبة في المجلس الوطني التأسيسي عن حركة النهضة سعاد عبد الرحيم المشاكل التي يعيشها التونسيون إلى الأداء المتوسط للحكومة “حسب رأيي الشخصي يبدو لي أن أداء الحكومة جدّ متوسط في هذه المرحلة بالذات.
فهناك وزارات نشطت فعلاً واجتهدت بينما أخرى لم نرَ منها شيئًا”.وأضافت : “على المستوى السياسي هناك بعض التطورات أما على المستويين الاقتصادي و الاجتماعي فليس هناك ما يؤشر على وجود حلول جذرية على الرغم من أن هناك عديد المشاريع والاستثمارات والمواطن لا يحسّ بأشياء ملموسة ، اجتماعياً كذلك لا تزال مشاكل الجرحى عالقة ولم تجد الحلول المناسبة وهي مشكلة أساسية يجب على الحكومة أن تجد لها الحلول في أسرع وقت ممكن بقرارات مهمة”.
عموما يبدو مسار التجربة التونسية مطَمْئنا طالما أدركت الأطراف السياسية والنقابية دقة المرحلة والتحديات الجسيمة التي تواجهها أي حكومة تولت إدارة الشأن العام في مثل الظروف التي تمر منها تونس.
ومن العناصر الداعمة للتجربة التونسية وعي النخبة السياسية والمدنية بمسئولياتها الوطنية ، فضلا عن حياد المؤسسة العسكرية وحرصها على حماية مؤسسات الدولة التي لم تنهر بانهيار النظام. 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*